واشنطن- سعيد عريقات – 21/4/2026
قال مسؤول أميركي مطّلع مباشرة على مجريات الاتصالات، في تصريحات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز الثلاثاء، إن رحلة نائب الرئيس جي دي فانس إلى باكستان، والتي كانت مقررة لعقد جولة ثانية من المفاوضات مع إيران، جرى تعليقها بعد إخفاق طهران في تقديم رد واضح على الطروحات الأميركية. وفي المقابل، أعلنت إيران أنها لم تحسم بعد قرارها بشأن استئناف المحادثات مع واشنطن، ما يعكس استمرار حالة الضبابية التي تحيط بالمسار الدبلوماسي بين الطرفين، وذلك بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
ويأتي هذا التعثر في وقت تقترب فيه الهدنة التي استمرت أسبوعين من نهايتها، والمقرر انقضاؤها الأربعاء، من دون مؤشرات حاسمة إلى ما إذا كان الطرفان سيتجهان إلى التصعيد أو يمنحان التفاوض فرصة جديدة. ورغم أن استئناف المحادثات يبقى وارداً في أي لحظة، فإن الرئيس ترمب ألمح في وقت سابق إلى أنه لا يرغب في تمديد التهدئة ما لم تقترن باتفاق طويل الأمد يضمن مصالح الولايات المتحدة ويضع قيوداً واضحة على السلوك الإيراني.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران لم تتخذ قراراً نهائياً بشأن التوجه إلى باكستان، معتبراً أن التردد الإيراني يعود إلى "رسائل متناقضة، وسلوك غير متسق، وتصرفات غير مقبولة من الجانب الأميركي"، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الإيرانية. ويشير هذا التصريح إلى فجوة عميقة في الثقة بين الجانبين، حتى مع استمرار القنوات الخلفية للاتصال.
لكن، وعلى خلاف الخطاب العلني، كشف مسؤولان إيرانيان رفيعا المستوى، الاثنين، أن وفداً إيرانياً كان يضع اللمسات الأخيرة على ترتيبات السفر إلى باكستان الثلاثاء، تمهيداً لاستئناف المفاوضات. وأضاف المسؤولان أن محمد باقر قاليباف سيشارك في المحادثات مع الولايات المتحدة إذا حضر فانس شخصياً، في إشارة إلى رغبة طهران في منح الجولة المقبلة ثقلاً سياسياً أعلى إذا توفرت ضمانات مقابلة من الجانب الأميركي.
وفي مقابلة مع شبكة CNBC، أبدى ترمب تفاؤلاً حذراً بإمكان عقد الجولة الجديدة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الجيش الأميركي جاهز لتنفيذ ضربات جوية جديدة إذا فشلت الجهود الدبلوماسية. وقال: “لم يتبق لدينا الكثير من الوقت”. ويعكس هذا الموقف استمرار الاستراتيجية الأميركية القائمة على الجمع بين الضغط العسكري والانفتاح التفاوضي، وهي مقاربة كثيراً ما أنتجت توترات إضافية بدل تسويات مستقرة.
وحتى لو عاد الطرفان إلى طاولة التفاوض، فإن ملفات شائكة لا تزال تعرقل أي اختراق حقيقي، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل مضيق هرمز، الممر الحيوي لتجارة النفط والغاز عالمياً. وقد أدت تهديدات إيرانية سابقة باستهداف الملاحة إلى اضطراب حركة السفن، ما دفع واشنطن إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية، قالت البحرية الأميركية إنه أجبر 28 سفينة على تغيير مسارها والعودة.
إن تعليق زيارة فانس لا يعكس مجرد عقبة لوجستية، بل يكشف هشاشة العملية التفاوضية برمتها. فالمحادثات بين واشنطن وطهران تتحرك منذ سنوات بين الانفراج المؤقت والانهيار السريع، بسبب غياب الثقة وافتقار الطرفين إلى تصور مشترك للتسوية. الولايات المتحدة تريد اتفاقاً يقيّد النفوذ الإيراني إقليمياً، بينما تسعى طهران إلى رفع الضغوط والعقوبات من دون تقديم تنازلات تمس جوهر قوتها الاستراتيجية. وبين الهدفين تتعثر كل جولة قبل أن تبدأ فعلياً.
كما أن استخدام باكستان منصة للمفاوضات يحمل دلالات سياسية مهمة، إذ يعكس رغبة الطرفين في اختيار ساحة أقل حساسية من العواصم التقليدية، وأقرب إلى ترتيبات أمنية مرنة. غير أن اختيار المكان لا يحل أزمة المضمون، لأن العقدة الأساسية تكمن في شروط التفاوض نفسها. فإيران تريد ضمانات بعدم الانسحاب الأميركي مجدداً من أي اتفاق، بينما ترفض واشنطن تقديم التزامات طويلة تقيد حرية القرار لدى الإدارات المقبلة.
أما تهديد ترمب بالعودة إلى الضربات الجوية، فيؤكد أن لغة القوة لا تزال حاضرة بقوة في المشهد. لكن التجارب السابقة أظهرت أن الضربات العسكرية قد تؤخر بعض البرامج، من دون أن تنتج استقراراً دائماً أو تغييراً سياسياً حاسماً. لذلك تبدو المنطقة أمام مفترق حساس: إما تسوية صعبة تتطلب تنازلات متبادلة، أو جولة جديدة من التصعيد ستدفع كلفتها أسواق الطاقة وأمن الملاحة وشعوب الإقليم قبل أي طرف آخر.




