كشفت مجموعة حقوقية أميركية متخصصة بالدفاع عن حرية التعبير المرتبطة بالقضية الفلسطينية، أن طلبات المساعدة القانونية الناجمة عن النشاط المؤيد لفلسطين في الولايات المتحدة ما زالت تسجل مستويات تفوق بكثير ما كان قائماً قبل عام 2023، في مؤشر واضح على اتساع دائرة التضييق السياسي والأكاديمي والمهني على الناشطين.
وأفادت منظمة فلسطين القانونية بأن عدد الطلبات التي تلقتها خلال عام 2025 بلغ 1131 طلباً. ورغم أن هذا الرقم يقل عن الذروة القياسية المسجلة عام 2024، حين بلغت الطلبات 2184 حالة بالتزامن مع موجة الاعتصامات الطلابية الواسعة في الجامعات الأميركية، فإنه يظل أعلى بنحو 300 في المئة من المعدلات السنوية التي سبقت الحرب الإسرائيلية على غزة.
وفي تقريرها السنوي الصادر الثلاثاء، قالت المنظمة إن عودة ترمب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025 دفعت سياسات القمع ضد حركة التضامن مع فلسطين إلى مرحلة أكثر حدة، معتبرة أن هذا المسار جاء امتداداً لإجراءات بدأت في عهد إدارة بايدن، التي اتُّهمت بتضييق الخناق على الأصوات المعارضة للحرب الإسرائيلية على غزة.
ورغم أن احتجاجات عام 2025 كانت أصغر حجماً وأكثر تفرقاً من انتفاضة الجامعات في ربيع 2024، فإن أثرها السياسي بقي ملموساً. فقد لجأت جامعات عديدة إلى تشديد الأنظمة الداخلية، وفرضت عقوبات جديدة على الطلاب، بينما تصاعدت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية ومؤسسات التعليم العالي التي اتهمتها إدارة ترمب بالتساهل مع ما تسميه “معاداة السامية”.
وتشير البيانات إلى أن النشاط الطلابي شكّل المحور الأساسي للملفات القانونية؛ إذ سجلت المنظمة 663 طلباً من جامعات وكليات، و40 طلباً من مدارس التعليم الأساسي والثانوي. وتمحورت غالبية القضايا حول تعليق الدراسة، والمنع من دخول الحرم الجامعي، وفرض عقوبات تأديبية على خلفية أنشطة داعمة لفلسطين.
ومن أبرز القضايا التي تتولاها المنظمة حالياً الدفاع عن ثلاثة طلاب في جامعة هارفارد يواجهون إجراءات تأديبية بسبب احتجاجهم على استضافة مسؤول تنفيذي في شركة وقود أحفوري، يشغل في الوقت نفسه عضوية مجلس إدارة شركة “لوكهيد مارتن” المصنعة للأسلحة. ويُعد هؤلاء أول من يمثل أمام لجنة تأديبية جديدة أنشأتها الجامعة تحت اسم “لجنة الحقوق والمسؤوليات”، في خطوة رآها منتقدون استجابة مباشرة لضغوط سياسية.
وقالت المحامية توري بوريل، التي تمثل عدداً من الطلاب، إن قضية فلسطين أصبحت “مؤشراً مبكراً” على تراجع الحريات المدنية، موضحة أن الأدوات التي تُستخدم اليوم ضد المتضامنين مع فلسطين يمكن أن تُستخدم غداً ضد ناشطي المناخ، والمدافعين عن العدالة العرقية، وكل من يعارض السلطة السياسية القائمة.
تعليق معمّق أول (90 كلمة):
تكشف هذه الأرقام أن القضية لم تعد محصورة بحرية التعبير حول فلسطين، بل باتت اختباراً لمستقبل المجال العام الأميركي نفسه. فعندما تتحول الجامعات، التي يفترض أن تكون ساحات للنقاش الحر، إلى مؤسسات عقابية تخضع للضغط السياسي، يصبح الخطر أوسع من نزاع خارجي. إن معاقبة الطلاب بسبب مواقفهم السياسية تُنتج جيلاً يتعلم الصمت لا المواطنة، والخوف لا المشاركة. وما يجري اليوم داخل الحرم الجامعي قد ينتقل سريعاً إلى الإعلام والنقابات وسائر مؤسسات المجتمع المدني، بما يعمّق أزمة الديمقراطية الأميركية داخلياً على المدى البعيد.**
ورصد التقرير أيضاً ارتفاعاً حاداً في القضايا المرتبطة بالهجرة بعد توقيع ترمب أمراً تنفيذياً استهدف الناشطين الطلابيين المؤيدين لفلسطين. وذكرت المنظمة أن هذه السياسة أطلقت موجة من الاعتقالات والإجراءات الرامية إلى ترهيب الحركة الطلابية وردعها.
وبحسب التقرير، تواصل عدد كبير من المقيمين الأجانب والطلاب الدوليين مع المنظمة خشية فقدان أوضاعهم القانونية أو الترحيل أو الاحتجاز. وبلغ عدد الملفات المتعلقة بالهجرة 122 حالة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما سُجل في عام 2024.
كما تلقت المنظمة 50 طلباً مرتبطاً بتحقيقات جنائية، و163 حالة تتعلق بقرارات وظيفية مجحفة، إضافة إلى 162 بلاغاً عن مضايقات وتحريض واستهداف مباشر في أماكن العمل والدراسة.
تعليق معمّق ثانٍ (90 كلمة):
استخدام قوانين الهجرة كأداة لمعاقبة الرأي السياسي يمثل تحولاً بالغ الخطورة في بنية الدولة الأميركية. فالمهاجر أو الطالب الأجنبي يصبح أكثر هشاشة أمام السلطة، ما يجعل استهدافه رسالة ردع موجهة إلى الجميع. واللافت أن هذه السياسات لا تحتاج إلى إدانة قضائية بقدر اعتمادها على الخوف من الإجراء الإداري ذاته. وهكذا يتحول التهديد بسحب التأشيرة أو الإقامة إلى وسيلة رقابة سياسية صامتة. وإذا ترسخ هذا النهج، فإنه سيقوّض صورة الولايات المتحدة كملاذ للحريات والفرص المفتوحة تاريخياً أمام العالم.**
ورغم حجم الضغوط، سجلت الحركة المؤيدة لفلسطين سلسلة انتصارات قانونية مهمة. فقد رفضت محاكم أميركية دعاوى استندت إلى قوانين مكافحة الإرهاب لاستهداف مجموعات تضامنية، كما رفضت محاولات تصنيف الهتافات والشعارات والاعتصامات السلمية باعتبارها تمييزاً أو تحرشاً.
وفي ولاية ميريلاند، توصلت الجامعة الرسمية إلى تسوية بقيمة 100 ألف دولار مع فرع منظمة “طلاب من أجل العدالة في فلسطين”، بعد دعوى تتعلق بحظر وقفة مشتركة بين الأديان حداداً على ضحايا غزة. وفي بوسطن، أصدر قاضٍ فيدرالي حكماً لاذعاً اعتبر احتجاز طلاب بسبب نشاطهم المؤيد لفلسطين إجراءً غير دستوري صُمم لكبت حرية التعبير.
لكن المنظمة حذرت من أن ما وصفته بـ“الحرب القانونية” يفرض كلفة باهظة حتى عندما تنتهي القضايا بالفشل، لأن الهدف الأساسي ليس الانتصار في المحكمة، بل إنهاك الخصوم وتخويفهم وإسكاتهم.
تعليق معمّق ثالث (90 كلمة):
التحول الأهم يكمن في أن الدعم التقليدي لإسرائيل داخل المجتمع الأميركي لم يعد ثابتاً كما كان. فالأجيال الشابة، ولا سيما في الجامعات، باتت أكثر نقداً للسياسات الإسرائيلية وأكثر حساسية تجاه قضايا العدالة وحقوق الإنسان. لهذا يُنظر إلى الطلاب باعتبارهم تهديداً سياسياً طويل الأمد، لا مجرد محتجين عابرين. إنهم يغيرون اللغة السائدة ويعيدون تعريف المقبول أخلاقياً في النقاش العام. ومن هنا يمكن فهم شدة الرد الرسمي عليهم: إنه صراع على مستقبل الرأي العام الأميركي، لا على احتجاجات جامعية فقط.**





شارك برأيك
تصاعد قمع التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة: الحقوق المدنية تحت اختبار جديد