أقلام وأراء

الثّلاثاء 21 أبريل 2026 6:12 مساءً - بتوقيت القدس

عفريت الإخوان.. شماعة الأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة

بينما يترقب العالم نتائج المفاوضات بين طهران وواشنطن في إسلام آباد، تبرز في الأفق العربي حرب من نوع آخر تستهدف جماعة الإخوان المسلمين. هذه الحرب تشتعل على هامش التوترات الإقليمية، حيث يتم استحضار الجماعة في كل أزمة داخلية أو خارجية تواجه الأنظمة الحاكمة، خاصة في الحالة المصرية التي تعاني من تعقيدات اقتصادية بالغة.

تشير المعطيات الاقتصادية إلى وصول الدين الخارجي المصري لمستويات قياسية بلغت 161 مليار دولار، مع تدهور حاد في قيمة العملة المحلية. ورغم وضوح الأسباب الهيكلية لهذه الأزمات، إلا أن الخطاب الرسمي والإعلامي يصر على تحميل 'عفريت الإخوان' مسؤولية ارتفاع أسعار السلع الأساسية من غاز وطعام ومواد تموينية.

لا يتوقف الأمر عند الغلاء، بل يمتد ليشمل تراجع الرواتب التي وصلت إلى متوسط 125 دولاراً شهرياً، وهو رقم يضع البلاد خلف دول أفريقية عديدة. وبدلاً من معالجة الخلل في توزيع الميزانيات المخصصة للتعليم والصحة، يتم توجيه الاتهام للجماعة بالتسبب في انهيار الخدمات العامة ومخالفة الدستور في بنود الإنفاق الاجتماعي.

تعاني الساحة الاجتماعية أيضاً من ارتفاع معدلات الجريمة وحالات الانتحار التي سجلت أرقاماً مقلقة بين عامي 2023 و2024. ويرى مراقبون أن الهروب من مواجهة هذه الحقائق يتم عبر تضخيم خطر الجماعة وتصويرها كسبب رئيسي في تفكك النسيج المجتمعي وزيادة نسب العنوسة والفقر.

في الملف الحقوقي، تشير التقارير إلى وجود ما يزيد عن 100 ألف معتقل وسجين، وسط اتهامات للسلطات بالتوسع في سياسات التصفية الجسدية. ويتم تبرير هذه الإجراءات القمعية دائماً بضرورات محاربة الإرهاب، رغم أن الأزمات تشمل حوادث روتينية مثل تصادم القطارات وتدهور الطرق السريعة.

اقتصادياً، أثارت سياسة بيع أصول الدولة وشركاتها الكبرى جدلاً واسعاً، خاصة بعد إعلان طرح أكثر من 200 شركة للبيع. كما تبرز تساؤلات حول منح قروض بنكية ضخمة لرجال أعمال مقربين تجاوزت التريليون جنيه، في وقت تعاني فيه الدولة من عجز واضح في سداد التزاماتها الدولية.

تنتقل العدوى إلى السياسة الخارجية، حيث يتم ربط الإخوان بالحرب على غزة وحصارها، وحتى بالصراع الصهيو-أمريكي ضد إيران. هذا الربط العجيب يحاول تصوير الجماعة كقوة عظمى قادرة على تحريك خيوط اللعبة الدولية، رغم تصنيفها كجماعة إرهابية وملاحقتها في معظم العواصم العربية.

شهدت الآونة الأخيرة انقساماً حاداً حول الرد الإيراني على القواعد العسكرية في دول الخليج، بين مؤيد ومعارض للضربات. وفي خضم هذا الاستقطاب، انطلقت حملات إلكترونية تتهم الإخوان بدعم طهران، متجاهلة الطبيعة الجيوسياسية للصراع وتركيز القوى الكبرى على مصالحها الخاصة بعيداً عن الأيديولوجيا.

أفادت مصادر بأن هناك حملات ممولة تهدف لتلميع صور بعض الأنظمة ونفي تهم الفشل السياسي عبر اختلاق عدو وهمي دائم. هذه الحملات تستخدم كتاباً ومغردين يخصصون جلّ نشاطهم للهجوم على الجماعة، حتى في القضايا التي لا تربطها بها أي صلة منطقية أو واقعية.

وصل الأمر ببعض الأقلام المأجورة إلى ادعاء انتصارات وهمية في الصراع مع إيران، في حين أن القوى الكبرى مثل أمريكا والاحتلال لا تزال تنتظر طاولة المفاوضات. ويُستخدم 'عفريت الإخوان' هنا كستار لتغطية الخسائر التي منيت بها بعض الأطراف الإقليمية المنخرطة في النزاع المسلح.

في سياق الفن والدين، دخل المنشد مشاري العفاسي خط المواجهة بأنشودة سياسية هاجم فيها إيران، مما أثار موجة من الانتقادات حول تخليه عن وقار قراء القرآن. وبدلاً من مناقشة المحتوى الفني، سارع البعض لاتهام الإخوان بشن هجوم عليه، في محاولة لربط أي نقد موضوعي بأجندات الجماعة.

تاريخياً، لم تشهد المنطقة إنتاج مسلسلات درامية أو برامج موجهة لمحاربة فصيل سياسي كما حدث مع الإخوان المسلمين في السنوات الأخيرة. هذا الاستثمار الضخم في الإعلام والدراما يعكس رغبة السلطات في ترسيخ رواية واحدة تحمّل الجماعة مسؤولية كل إخفاقات الماضي والحاضر.

رغم كل هذه الحروب المعلنة والمستترة، يرى محللون أن الإصرار على استحضار الجماعة في كل حدث يؤكد حضورها في الوعي السياسي للخصوم. فبينما يزعم البعض أنها أصبحت جزءاً من الماضي، فإن استدعاءها الدائم للمشهد يعيدها إلى واجهة الأحداث كلاعب لا يمكن تجاهله.

ختاماً، يبقى التساؤل حول مدى فاعلية هذه 'الشماعة' في ظل تفاقم الأزمات المعيشية التي لم تعد تنطلي على المواطن البسيط. إن مواجهة الحقائق الاقتصادية والسياسية بشجاعة هي السبيل الوحيد للخروج من النفق المظلم، بعيداً عن اختلاق الأشباح والعفاريت السياسية لتبرير الفشل.

دلالات

شارك برأيك

عفريت الإخوان.. شماعة الأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.