فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 10:37 صباحًا - بتوقيت القدس

إصابات في خانيونس وتحذيرات من توقف مستشفيات غزة نتيجة نقص الإمدادات

أفادت مصادر طبية بإصابة طفلة ورجل مسن برصاص قوات الجيش الإسرائيلي في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، اليوم السبت. وتأتي هذه الإصابات في ظل استمرار الخروقات الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي، حيث تواصل القوات الإسرائيلية استهداف المدنيين في المناطق الشرقية للقطاع.

وشهدت مدينة خانيونس تصعيداً ميدانياً لافتاً، حيث أطلقت القوات الإسرائيلية نيرانها بكثافة وعشوائية تجاه منازل المواطنين قبل أن تشرع في تنفيذ عمليات نسف واسعة النطاق. وطالت عمليات التدمير عدداً من المباني السكنية في المنطقة الشرقية للمدينة، مما أدى إلى تدمير كلي في البنية التحتية والممتلكات الخاصة.

وفي سياق متصل، شنت المقاتلات الحربية الإسرائيلية سلسلة من الغارات الجوية استهدفت أنحاء متفرقة من قطاع غزة، تركزت في مدينة رفح جنوباً والأطراف الشرقية لمدينة غزة. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي وإطلاق نار مكثف في محيط مخيم البريج وسط القطاع وحي الزيتون شرقاً، مما أثار حالة من الذعر بين السكان النازحين.

وعلى الصعيد الصحي، أطلق مسؤولون في وزارة الصحة بقطاع غزة نداء استغاثة عاجل جراء تدهور الحالة التقنية للمعدات الطبية. وأكد مازن العرايشي، مدير عام الهندسة والصيانة في الوزارة أن خطر التوقف عن العمل بات يهدد غالبية المستشفيات في القطاع بشكل فعلي ومباشر نتيجة النقص الحاد في الموارد الأساسية.

وأوضح العرايشي في تصريحات صحفية أن الأزمة تكمن في نفاد قطع الغيار الضرورية لاستمرار عمل الأجهزة الحيوية والمولدات الكهربائية. وأشار إلى أن سلطات الاحتلال تمنع دخول أي قطع غيار منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، مما جعل المنظومة الصحية في حالة شلل تقني يهدد حياة آلاف المرضى والجرحى.

وأضاف المسؤول الصحي أن الجهود الدولية لم تنجح حتى الآن في الضغط على الجانب الإسرائيلي للسماح بإدخال هذه المستلزمات التقنية. وشدد على أن استمرار هذا المنع يفرغ اتفاق التهدئة من مضمونه الإنساني، ويضع الكوادر الطبية أمام خيارات صعبة في ظل تعطل الأجهزة الطبية الحساسة التي تعتمد عليها غرف العمليات والعناية المكثفة.

وفي دير البلح، حذر مستشفى شهداء الأقصى، وهو المرفق الحكومي الوحيد المتبقي لخدمة المحافظة الوسطى، من توقف خدماته بالكامل خلال الساعات القادمة. ويعود هذا التحذير إلى تعطل المولدين الكهربائيين الرئيسيين اللذين يعتمد عليهما المستشفى في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر، ونفاد الزيوت اللازمة للصيانة الدورية.

ويقدم مستشفى شهداء الأقصى خدمات طبية حيوية لعشرات آلاف المواطنين والنازحين الذين يتكدسون في المنطقة الوسطى، مما يجعل توقفه كارثة إنسانية محققة. وتواجه إدارة المستشفى صعوبات بالغة في تأمين البدائل في ظل الحصار المشدد المفروض على إمدادات الوقود والمعدات الطبية والتقنية منذ أشهر طويلة.

وتشير التقارير إلى أن نحو 2.4 مليون فلسطيني في غزة، من بينهم 1.5 مليون نازح، يعيشون ظروفاً معيشية وصحية قاسية رغم وجود اتفاق للتهدئة. وتستمر إسرائيل في تقليص كميات المساعدات الإنسانية والطبية المسموح بدخولها، مما يفاقم المعاناة اليومية للسكان ويضع القطاع الصحي على حافة الانهيار الشامل.

أقلام وأراء

السّبت 14 فبراير 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس

تسريبات إبستين: سقوط الأقنعة واختبار الضمير العالمي

لا تكمن الفضيحة الكبرى في اسم جيفري إبستين وحده، رغم رحيله وبقاء الأسئلة معلقة، بل في الظلال الثقيلة التي أعادت إحياءها تسريبات وزارة العدل الأمريكية مؤخراً. هذه الوثائق لامست دوائر نفوذ تتشابك فيها المؤسسات السياسية والمالية والإعلامية التي تدير مفاصل العالم المعاصر، مما يضعنا أمام تساؤلات كبرى حول طبيعة هذه القوة.

إننا اليوم أمام اختبار أخلاقي يتجاوز حدود القضية الجنائية التقليدية، ليصل إلى سؤال حضاري عميق حول مصير السلطة حين تتعرى من القيود القيمية. إذا صحت مضامين الوثائق والشهادات المتداولة، فإننا لا نتحدث عن انحرافات فردية معزولة، بل عن نمط سلوكي يكشف هشاشة البنية الأخلاقية لمن يقودون العالم.

من المؤلم أن نرى شخصيات نافذة تُقدم للرأي العام كرموز للديمقراطية والتحضر، بينما تُنسب إليها سلوكيات تنتمي إلى عالم غرائزي متوحش. هذه الاتهامات تشير إلى ارتكاب جرائم بشعة بحق فتيات قاصرات، جرت بلا شفقة أو رحمة، وفي غياب تام لأدنى إحساس بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

إن ما يثير الريبة في هذه القضية ليس فقط حجم الاتهامات الصادمة، بل ذلك الصمت الطويل والمريب الذي أحاط بها لسنوات طويلة. كيف أمكن لشبكات نفوذ بهذا الاتساع أن تتحرك دون مساءلة حقيقية، وكيف تقاطعت مصالح السياسة والمال والإعلام لإخفاء الحقيقة أو تأجيل كشفها؟

لا يملك أي مجتمع يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان ترف الانتقائية عندما تتعلق الجرائم بالفئات الضعيفة والمستضعفة في المجتمع. إن مهنة المحاماة ومعاركة النصوص والقوانين الدولية تفرض علينا الالتزام بمبدأ ثابت لا يتبدل، وهو الكرامة التي منحها الله لبني آدم وفضلهم بها.

الكرامة الإنسانية ليست منحة من دولة أو هبة من نظام سياسي، بل هي أصل سابق على كل الدساتير والقوانين الوضعية. لقد وُضعت المواثيق الدولية لتكون سوراً يحمي الضعفاء من تغول الأقوياء، لا لتكون مجرد واجهة تجميلية تُستخدم في المحافل الدولية بينما تُنتهك في الغرف المغلقة.

عندما تتحول النصوص القانونية إلى أدوات انتقائية تُطبق على دول وتُعطل عند أخرى، فإننا نصبح أمام أزمة ثقة عالمية عميقة وخطيرة. قضية إبستين تضع المؤسسات الغربية أمام مرآة صعبة، فإما المحاسبة الشفافة مهما علت الأسماء، أو الاعتراف بفشل منظومة القيم المصدرة للعالم.

العدالة لا تتجزأ، وحقوق القاصرات لا يمكن أن تكون ملفاً ثانوياً في أجندات العلاقات العامة أو الحسابات السياسية الضيقة. ورغم أن الأصل في القانون هو البراءة والاتهام لا يرقى للحكم، إلا أن الأصل أيضاً يقتضي فتح الملفات كاملة دون مواربة أو استثناء.

يجب الكشف عن كافة شبكات الاستغلال ومحاسبة كل من يثبت تورطه أياً كان موقعه الوظيفي أو نفوذه السياسي. إن كرامة الضحايا أسمى بكثير من اعتبارات السمعة السياسية أو الحسابات الدبلوماسية المعقدة التي تحاول حماية النخب المتنفذة من المساءلة.

المفارقة المؤلمة تكمن في أن العالم الذي ينادي بـ 'النظام الدولي القائم على القواعد' يجد نفسه اليوم مطالباً بإثبات خضوعه لتلك القواعد. القوة التي تفتقر إلى الأخلاق تتحول بالضرورة إلى أداة للافتراس، والنفوذ الذي لا يضبطه وازع قيمي يصبح وسيلة للإذلال والامتهان.

لقد علمتنا ساحات القانون أن النصوص الجامدة لا تكفي وحدها لتحقيق العدالة، بل إن الضمير هو الذي يمنح هذه النصوص روحها وتأثيرها. فإذا سقط الضمير الإنساني، لم يبق من القانون إلا حبر على ورق، وتلاشت الحماية التي يفترض أن يوفرها للمجتمع.

ستبقى الكرامة الإنسانية هي الميزان الوحيد الذي تُقاس به حضارة الأمم، وليس بريق المؤتمرات أو ضخامة المؤسسات والنفوذ المالي. إن حماية الضعفاء ليست مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل هي عهد غليظ والتزام أخلاقي وقانوني لا يسقط بالتقادم.

ربما تكشف الأيام القادمة تفاصيل أكثر صدمة مما نعرفه اليوم، وربما تحاول بعض القوى طوي الصفحات في صمت مطبق. لكن الحقيقة التي لا يمكن طمسها هي أن من يخون عهد حماية الإنسان يسقط أخلاقياً، حتى وإن ظل متمسكاً بموقع القيادة.

في نهاية المطاف، تظل قضية إبستين صرخة في وجه الضمير العالمي، وتذكيراً بأن العدالة الحقيقية هي التي لا تستثني أحداً. إن بناء عالم مستقر يتطلب العودة إلى الجذور الأخلاقية للقانون، حيث تكون كرامة الفرد هي الغاية والهدف الأسمى لكل تشريع.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

ملادينوف: تجريد غزة من السلاح شرط أساسي لاستدامة السلام ومنع تجدد الصراع

شدد المدير العام لـ 'مجلس السلام' نيكولاي ملادينوف على أن تجريد الفصائل المسلحة في قطاع غزة من سلاحها أصبح مطلباً حتمياً لا يمكن تجاوزه في المرحلة الراهنة. واعتبر ملادينوف أن هذا الإجراء هو الضمانة الوحيدة لعدم الانزلاق مجدداً نحو المواجهات العسكرية الشاملة، مشيراً إلى أن استمرار التسلح يعني بقاء الأوضاع في حالة من الهشاشة الدائمة.

وأوضح المسؤول الدولي أن بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه يساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الأزمة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع. وأكد أن أي مسعى حقيقي لتحقيق سلام شامل وعادل يجب أن يمر عبر قنوات واضحة لتفكيك القدرات العسكرية للفصائل، وذلك ضمن رؤية تحظى بتوافق دولي واسع ينهي حالة التوتر المستمرة.

وفيما يتعلق بالخطوات التنفيذية، فضل ملادينوف اتباع سياسة الكتمان وعدم الكشف عن التفاصيل الدقيقة للاستراتيجية المقترحة لتحقيق هذا الهدف. وعزا هذا الموقف إلى حساسية الظروف الميدانية الراهنة وكثرة المتغيرات السياسية، مؤكداً أن الإفصاح عن الخطط في هذا التوقيت قد يؤدي إلى عرقلة الجهود الدبلوماسية التي تُبذل بعيداً عن الأضواء.

وأعرب المدير العام لمجلس السلام عن أمله في أن تظهر الأطراف المعنية تفهماً كبيراً لهذا الموقف الدبلوماسي الحذر، خاصة وأن الهدف الأساسي هو منع انفجار الأوضاع مرة أخرى. وأشار إلى أن هناك جهوداً مكثفة تُبذل خلف الكواليس لتهدئة الأوضاع وتثبيت ركائز الاستقرار، وهو ما يتطلب بيئة سياسية هادئة بعيدة عن التصعيد الإعلامي.

وكشف ملادينوف عن وجود 'إطار عمل' متكامل تم التوافق عليه مؤخراً بين مجموعة من الوسطاء الدوليين والولايات المتحدة الأمريكية. ووصف هذا الإطار بأنه يمثل خارطة طريق عملية وواقعية تهدف إلى نقل القطاع من حالة الصراع إلى حالة الاستقرار الدائم، داعياً كافة الأطراف إلى البدء الفوري في تنفيذ البنود المتفق عليها دون تأخير.

وتأتي هذه التصريحات في ظل ضغوط دولية متزايدة تهدف إلى تحويل قطاع غزة إلى منطقة منزوعة السلاح، كجزء من صفقة كبرى تلوح في الأفق. ومن المفترض أن تشمل هذه الصفقة الشاملة ملفات حيوية مثل إعادة إعمار ما دمرته الحرب ورفع الحصار الاقتصادي المفروض على السكان، لضمان حياة كريمة ومستقرة في المستقبل.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تخصص مليار دولار لدعم 'مجلس السلام' وتشكيل قوة استقرار دولية في غزة

كشفت مصادر إعلامية دولية عن توجهات لدى الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترمب لتخصيص ميزانية ضخمة تتجاوز المليار دولار، بهدف تمويل الأنشطة والمشاريع التي يشرف عليها ما يعرف بـ 'مجلس السلام' في قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة في إطار رؤية واشنطن لترسيخ بيئة مستقرة وتسهيل عمليات إعادة الإعمار من خلال توفير غطاء مالي للمؤسسات التي ستدير المرحلة الانتقالية.

وأفادت تقارير صحفية نقلاً عن مسؤولين في البيت الأبيض بأن هذه الالتزامات المالية ستتوزع على مسارين استراتيجيين لضمان فاعلية التنفيذ على الأرض. يركز المسار الأول على تلبية الاحتياجات الإنسانية الطارئة وترميم البنية التحتية الأساسية التي يعتمد عليها المجلس في إدارة شؤون القطاع خلال الفترة المقبلة.

أما المسار الثاني، وهو الأكثر حساسية، فيتعلق بتخصيص ميزانية محددة لتشكيل ونشر 'قوة استقرار دولية' في مختلف مناطق قطاع غزة. وستوكل إلى هذه القوة مهام حيوية تشمل تأمين ممرات الإغاثة وحماية قوافل المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى خلق مناخ أمني يسمح ببدء مشاريع الإعمار الكبرى دون عوائق ميدانية.

وفي سياق التحركات الدبلوماسية، تقود واشنطن حالياً حراكاً واسعاً لحث دول مانحة أخرى على تقديم تعهدات مالية توازي الدعم الأمريكي المقترح. وتهدف إدارة ترمب من هذا التنسيق إلى توسيع قاعدة المشاركة الدولية في تمويل مشاريع 'مجلس السلام'، مما يضمن استدامة هذه المشاريع ويوزع الأعباء المالية بين أطراف متعددة.

وتشير التسريبات الواردة من أروقة الإدارة الأمريكية إلى أن تدفق هذه الأموال لن يكون مفتوحاً، بل سيتم ربطه بشكل وثيق بتحقيق نتائج ملموسة في ملفي الأمن والإدارة المدنية. ويعتبر تمويل قوة الاستقرار الدولية الركيزة الأساسية في هذه الاستراتيجية، حيث يُنظر إليها كأداة ضرورية لفصل المسارات السياسية عن الاحتياجات التنموية الملحة.

ومن المتوقع أن تشهد الأسابيع القليلة القادمة إعلانات رسمية تتضمن تفاصيل أكثر دقة حول هوية الدول التي ستبدي استعدادها للمشاركة في القوة الدولية المقترحة. كما سيتم الكشف عن الجداول الزمنية المرتبطة بصرف الدفعات المالية المخصصة لإعادة الإعمار، والتي سينفذها المجلس بالتعاون مع شركاء دوليين وإقليميين.

بالتزامن مع هذه الخطط، برزت مواقف دولية تربط بين الاستقرار وعمليات نزع السلاح، حيث وضع مسؤولون دوليون 'نزع السلاح' كشرط أساسي لضمان استدامة أي عملية سلام في القطاع. وتتقاطع هذه الرؤية مع خطط أوسع تهدف إلى تغيير الواقع الأمني والسياسي في غزة بما يتماشى مع التوجهات الأمريكية الجديدة.

وعلى الصعيد الميداني، تواصل المؤسسات الدولية محاولاتها للتعامل مع الأزمات المتراكمة، حيث بدأت فرق تابعة للأمم المتحدة عمليات إزالة مئات آلاف الأطنان من النفايات والركام. وتأتي هذه الجهود في وقت تشير فيه البيانات الصحية إلى وصول عدد الضحايا في القطاع إلى مستويات قياسية منذ بدء التصعيد في أكتوبر 2023.

ويبقى التحدي الأكبر أمام هذه الخطة هو مدى قدرة الأطراف الدولية على التوافق حول آليات التنفيذ الميداني وتجاوز العقبات السياسية المعقدة. ومع استمرار التحركات في واشنطن، يترقب الشارع الفلسطيني والمجتمع الدولي ما ستسفر عنه هذه المبادرات المالية والأمنية من تغييرات حقيقية على واقع الحياة في قطاع غزة.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

زلزال وثائق إبستين: فضائح النخب تضرب المؤسسات الأمريكية وتكشف اختراق اللوبيات للقرار السياسي

يعيش العالم اليوم حالة من الانشغال غير المسبوق بتداعيات الإفراج عن جزء من وثائق جيفري إبستين، والتي يقدر عددها بنحو ثلاثة ملايين وثيقة. وتؤكد هذه الفضائح الشكوك الدائمة حول شبكات النخب واللوبيات في الولايات المتحدة، مبرزةً تأثير عالم المال والأعمال على مفاصل السياسة والثقافة والأكاديميا والطب.

تثبت الوثائق المسربة حجم التواطؤ المؤسسي وإفلات النخب من العقاب، مما كشف عن تصدعات عميقة في هياكل السلطة الأمريكية. وقد أدى هذا النفاق الأخلاقي إلى إضعاف صورة الولايات المتحدة المتآكلة أصلاً في الخارج، حيث تظهر النخب كطبقة تحمي نفسها عبر النفوذ والابتزاز والسيطرة على المؤسسات.

سلطت الوثائق الضوء على فشل مؤسسي ذريع وتستر متعمد من قبل مسؤولين رسميين على الشخصيات النافذة المتورطة. وتشير التقارير إلى أن وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية أعادت تشكيل الرأي العام حولها كأدوات للنفوذ السري بدلاً من حماية القانون.

اتُهمت وزارة العدل على وجه التحديد بالقيام بعمليات تحرير انتقائية للوثائق المنشورة لضمان حماية النافذين. كما تم تجاهل التحذيرات المتكررة بشأن العديد من المتورطين وإغلاق ملفاتهم، مما عرض الضحايا لمزيد من المخاطر وغيب العدالة والمساءلة القانونية.

تكشف المراسلات المسربة عن طبقة مختلة تعتبر الانحراف أمراً طبيعياً في ظل غياب الرقابة الحقيقية. ويظهر في هذه الوثائق تجاهل متعمد لحقوق الضحايا وتنميط لانتهاكاتهم، مما يعكس عيوباً هيكلية في النظام الأمريكي تعطي الأولوية لمصالح الأقوياء على حساب المبادئ الإنسانية.

تبرز الوثائق مدى النفوذ الذي تتمتع به أقلية دينية ولوبيات ضغط داخل الولايات المتحدة على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية. هذا النفوذ يوفر حماية كاملة من العقوبات حتى في حالات الانتهاكات الصارخة ضد المواطنين الأمريكيين، مما يثير تساؤلات حول سيادة الدولة.

أعادت الفضيحة النقاش حول سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار في واشنطن وتجيير قدرات أمريكا لخدمة مصالح إسرائيل. وتظهر الروابط الوثيقة بين أفراد هذه الحلقات تجاوزاً للمصالح الوطنية الأمريكية لصالح أطراف خارجية، وهو ما يضعف الموقف الأمريكي الدولي.

على الصعيد الأكاديمي، وسعت جامعة هارفرد تحقيقاتها الداخلية لتشمل كبار المانحين والأساتذة الذين وردت أسماؤهم في الوثائق. ومن أبرز الأسماء المرتبطة بإبستين أندرو فاركاس وليزلي ويكسنر وجيرالد تشان، الذين قدموا تبرعات ضخمة للجامعة ومراكزها البحثية.

كشفت التقارير أن إبستين تبرع بمبلغ 375 ألف دولار لمعهد هاستي بودينغ، بالإضافة إلى تمويل برنامج 'ديناميكيات التطور' بمبلغ 6.5 مليون دولار. كما واجه لورانس سامرز، رئيس هارفرد السابق، تداعيات مهنية قاسية بسبب مراسلاته الحميمة مع إبستين التي كشفتها الوثائق.

في جامعة كولومبيا، أقرت الإدارة بوجود عمليات قبول غير منتظمة في كلية طب الأسنان مرتبطة بشبكة إبستين. واستجابة لهذه الفضيحة، قررت الجامعة التبرع بمبلغ 210 آلاف دولار لمنظمات تدعم ضحايا الاعتداء الجنسي في محاولة لترميم سمعتها الأكاديمية.

امتدت التداعيات لتشمل جامعة ييل، حيث تم إيقاف أستاذ علوم الحاسوب ديفيد غيلرنتر عن التدريس مؤقتاً لمراجعة علاقاته. كما أدت الفضيحة إلى إغلاق مراكز بحثية في جامعة ديوك وإلغاء فعاليات علمية في جامعة أريزونا كانت مرتبطة بتمويلات مشبوهة.

في أوروبا، سيطرت فضائح إبستين على العناوين الرئيسية وأدت إلى سقوط شخصيات سياسية بارزة وفتح تحقيقات قضائية موسعة. أما في الشرق الأوسط، فقد تركزت الوثائق على علاقات إبستين مع سياسيين ونافذين في إسرائيل والإمارات، مما أحرج العديد من الدوائر الرسمية.

تقوض هذه الوثائق السردية الأمريكية القائمة على تصدر القيادة العالمية في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد. ويساهم هذا الانهيار الأخلاقي في تعزيز موقع خصوم واشنطن الدوليين، لا سيما الصين، التي تستفيد من تراجع الثقة في المنظومة الغربية.

يتوقع المراقبون أن يستمر تفاعل هذه الوثائق لفترة طويلة، خاصة مع ترقب نشر ثلاثة ملايين وثيقة إضافية في مراحل لاحقة. وسيشكل هذا النشر المتوقع 'زلزالاً' داخلياً وخارجياً قد يعيد رسم خارطة النفوذ والسياسة في الولايات المتحدة والعالم.

عربي ودولي

السّبت 14 فبراير 2026 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

قتيلان وجرحى في قصف أوكراني على بيلغورود الروسية وسط تباين دولي بشأن المفاوضات

أفادت مصادر رسمية روسية بمقتل شخصين وإصابة خمسة آخرين جراء هجوم صاروخي نفذته القوات الأوكرانية على مدينة بيلغورود القريبة من الحدود المشتركة. وأوضح حاكم المنطقة، فياتشيسلاف غلادكوف أن القصف استهدف منشآت حيوية وأدى إلى وقوع ضحايا بين المدنيين الذين كانوا يتواجدون في المنطقة المستهدفة.

وكشف غلادكوف في تصريحات مصورة أن الضحايا كانوا من أفراد طواقم الصيانة الفنية التي تعمل على إصلاح شبكات التدفئة والكهرباء التي تضررت في وقت سابق. وأشار إلى أن العمل في هذه المواقع خلال ساعات الليل بات يشكل خطورة بالغة على حياة العاملين بسبب استمرار التهديدات الجوية.

وتسبب الهجوم الصاروخي في أضرار جسيمة طالت البنية التحتية للمدينة، مما أدى إلى انقطاع واسع في إمدادات الطاقة والمياه والتدفئة عن أحياء سكنية متعددة. ومن المقرر أن تستأنف فرق الطوارئ أعمال الإصلاح اليوم السبت فور استقرار الأوضاع الأمنية وضمان سلامة المهندسين والفنيين في الميدان.

وعلى الصعيد الميداني، ذكرت مصادر محلية أن دوي انفجارات عنيفة سُمع في أرجاء المدينة، تزامناً مع تفعيل منظومات الدفاع الجوي الروسية للتصدي للصواريخ القادمة. وتتعرض بيلغورود، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً عن الحدود، لضغط عسكري متواصل منذ أشهر مع تصاعد وتيرة المواجهات الميدانية.

سياسياً، أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف عن ترتيبات لعقد جولة جديدة من المفاوضات مع الجانب الأوكراني خلال الأسبوع المقبل. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس مع دخول النزاع المسلح عامه الخامس، وسط آمال دولية حذرة بإمكانية تحقيق خرق في جدار الأزمة المستعصية.

في المقابل، أبدى السفير الأمريكي لدى حلف شمال الأطلسي، ماثيو ويتاكر، شكوكاً حيال نوايا موسكو في التوصل إلى تسوية سلمية قريبة. واعتبر ويتاكر خلال مؤتمر ميونيخ للأمن أن الجانب الأوكراني يبدي مرونة للتوصل إلى اتفاق عادل، بينما لا تظهر روسيا مؤشرات جدية على رغبتها في إنهاء الحرب.

وتتقاطع هذه الشكوك مع ضغوط يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي دعا نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى ضرورة التحرك السريع لإبرام اتفاق. وحث ترمب القيادة الأوكرانية على استغلال جولة المفاوضات القادمة لإنهاء الصراع الذي استنزف موارد المنطقة لسنوات طويلة.

وتشهد الساحة الدولية تبايناً واضحاً في تقدير فرص النجاح الدبلوماسي، حيث تتأرجح المواقف بين التفاؤل الروسي الحذر والتشكيك الغربي في أهداف موسكو النهائية. ويراقب المجتمع الدولي عن كثب ما ستسفر عنه لقاءات الأسبوع المقبل في ظل التصعيد العسكري الذي لا يزال يحصد الأرواح على جانبي الحدود.

يُذكر أن الحرب التي اندلعت قبل نحو أربع سنوات قد خلفت دماراً واسعاً في المدن الأوكرانية والحدودية الروسية، وأدت إلى أزمات طاقة عالمية. ومع استمرار القصف المتبادل، تظل الحلول السياسية رهينة التوافقات الكبرى بين القوى الدولية المؤثرة في مسار الصراع الدائر في شرق أوروبا.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

بين مطرقة الهوية وسندان الفساد: مأساة 'العربيقيين' في القارة السمراء

تتصاعد في الأوساط الثقافية والسياسية السودانية حدة الجدل حول الهوية الوطنية، حيث ينقسم الشارع بين من يتمسك بالانتماء العربي الخالص ومن يرى في الجذور الأفريقية المكون الأساسي للشخصية السودانية. هذا الانقسام يتجاوز مجرد النقاش النظري ليصل إلى محاولات استنبات أشجار عائلة تربط قبائل سودانية ببيوتات قرشية وهاشمية، في مقابل تيار يرى أن اسم البلاد 'السودان' هو بحد ذاته إقرار بالهوية الأفريقية المرتبطة بلون البشرة.

وفي خضم هذا التجاذب، برزت مدرسة 'الغابة والصحراء' كإطار فكري وأدبي يحاول التوفيق بين المكونين، معتبرة أن السودانيين نتاج تلاقح فريد بين الثقافة العربية والعمق الأفريقي. وقد جسد الشاعر الراحل محمد المكي إبراهيم هذا المفهوم في قصائده التي وصفت الوطن بالخلاسي الهجين، حيث تمتزج ملامح الصحراء العربية بظلال الغابات الأفريقية في لوحة إنسانية واحدة.

إلا أن هذا الاعتزاز بالهوية يصطدم بواقع مرير تعيشه القارة الأفريقية، حيث تبدو مضابط محكمة الجنايات الدولية في لاهاي وكأنها صُممت خصيصاً لملاحقة القادة الأفارقة. ورغم الاتهامات بالتحيز، إلا أن السجلات الدموية للعديد من الأنظمة في القارة تشهد على ارتكاب جرائم إبادة وانتهاكات جسيمة، مما يجعل قائمة الاتهام تقتصر غالباً على أسماء من داخل القارة السمراء.

ولا تتوقف المأساة عند الصراعات المسلحة، بل تمتد لتشمل 'الكليبتوكراسي' أو حكم اللصوص، وهو مصطلح بات يلتصق بالعديد من النظم السياسية الأفريقية التي تعاني من فساد مؤسسي مزمن. هذا الاضطراب في إدارة الدولة جعل من سرقة المال العام سلوكاً قهرياً لدى بعض النخب الحاكمة، مما أدى إلى تبديد ثروات ضخمة كانت كفيلة بتحقيق نهضة اقتصادية شاملة.

وتشير التقارير الاقتصادية الحديثة إلى أرقام صادمة، حيث كشف المجلس الاستشاري للاتحاد الأفريقي لمكافحة الفساد أن القارة تخسر سنوياً ما يقارب 120 مليار دولار بسبب الممارسات الفاسدة. هذه الخسائر الفادحة تشكل تهديداً وجودياً لاقتصادات الدول، وتعيق أي جهود حقيقية نحو التنمية المستدامة أو تحقيق الاستقلال الاقتصادي بعيداً عن التبعية الدولية.

وفي سياق متصل، أكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن الفساد يمثل العائق الأكبر أمام النمو في أفريقيا، إذ يلتهم نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة. هذا الهدر الممنهج يعني ضياع ربع الإنتاج الاقتصادي السنوي في جيوب المتنفذين، بينما ترزح الشعوب تحت وطأة الفقر والحاجة وغياب الخدمات الأساسية.

أما على صعيد المديونية، فقد أظهر تقرير البنك الأفريقي للتنمية لعام 2024 قفزة مقلقة في حجم الديون الخارجية، التي ارتفعت من 1.12 تريليون دولار في عام 2022 إلى 1.152 تريليون دولار بنهاية عام 2023. هذه الأرقام تعكس حالة من الارتهان للخارج، حيث تُوجه القروض لتمويل مشاريع تنموية وهمية غالباً ما تنتهي أموالها في حسابات سرية خارج القارة.

وتتصدر دول مثل الصومال والسودان وجنوب السودان وإريتريا وليبيا قوائم الفساد العالمي وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية، حيث تذيلت هذه الدول الترتيب العالمي لسنوات طويلة. هذا الفساد ليس مجرد حالات فردية، بل هو منظومة متكاملة تغلغلت في مفاصل الدولة، مما جعل من الصعب إصلاحها دون تغييرات جذرية في بنية الأنظمة الحاكمة.

الأمثلة على هذا الفساد صارخة ومتعددة، فمن استقالة وزير العدل في الكونغو بعد اختلاس ملايين الدولارات المخصصة لبناء سجون، إلى سجن محافظ بنك غينيا المركزي بتهم خيانة الأمانة. حتى المشاريع الكبرى في قطاع الطاقة لم تسلم من الرشا والعمولات، كما حدث في صفقات الغاز الضخمة التي تورط فيها وزراء ومسؤولون كبار في عدة دول أفريقية.

وفي السنغال، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث أدين وزراء سابقون بسرقة المال العام، وهو ما يعكس أزمة ثقة عميقة بين الشعوب وحكامها. إن ترتيب الدول الأفريقية في ذيل قائمة الشفافية الدولية، حيث تحتل الصومال وجنوب السودان المركز 181، يعطي مؤشراً واضحاً على حجم الانهيار الأخلاقي والإداري في هذه الدول.

وبالانتقال إلى ما يمكن تسميتهم بـ 'العربيقيين' أو عرب أفريقيا، نجد أن المصاب يبدو أكثر فداحة، حيث يعيش أكثر من نصفهم تحت وطأة أنظمة شمولية شرسة لا تعرف التداول السلمي للسلطة. هؤلاء الحكام 'المزمنون' استطاعوا البقاء في سدة الحكم لعقود طويلة، محولين الأوطان إلى ضياع خاصة تدار بعقلية أمنية وقمعية.

وتبرز أسماء مثل آل الأسد في سوريا الذين يحكمون منذ أكثر من نصف قرن، ومعمر القذافي الذي سيطر على ليبيا لأربعة عقود، وحسني مبارك في مصر، وعمر البشير في السودان. هؤلاء القادة، رغم اختلاف توجهاتهم، اشتركوا في بناء أنظمة استبدادية أدت في النهاية إلى انهيار مؤسسات الدولة ودخول بلدانهم في دوامات من الصراع والفقر.

ولا يقتصر الأمر على المنطقة العربية، ففي زيمبابوي حكم روبرت موغابي لـ 37 عاماً، بينما يتربع بول بيا على عرش السلطة في الكاميرون منذ عام 1975 وحتى يومنا هذا. ورغم الاتهامات الثقيلة التي تلاحق بيا بالفساد وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، إلا أنه لا يزال متمسكاً بكرسي الحكم، متحدياً كل الضغوط الداخلية والدولية.

إن هذا الواقع المعقد الذي يجمع بين أزمة الهوية واستشراء الفساد وتغول الاستبداد، يضع الشعوب الأفريقية والعربية أمام تحديات مصيرية. فبدون معالجة جذور الفساد المؤسسي وإرساء قواعد الحكم الرشيد، ستظل هذه الدول تدور في حلقة مفرغة من الديون والتبعية، بعيداً عن حلم التنمية والكرامة الإنسانية.

عربي ودولي

السّبت 14 فبراير 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

تحركات دبلوماسية في جنيف واستعدادات عسكرية أمريكية لضربات واسعة ضد إيران

تشهد مدينة جنيف السويسرية يوم الثلاثاء المقبل حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، حيث من المقرر عقد جولتين من المفاوضات رفيعة المستوى تتناول الملفين الإيراني والأوكراني. وأفادت مصادر مطلعة بأن وفداً أمريكياً يضم المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيعقد اجتماعاً مع الجانب الإيراني في ساعات الصباح، وذلك في إطار جهود دبلوماسية تهدف إلى خفض التصعيد المتنامي في المنطقة.

وتلعب سلطنة عمان دوراً محورياً في هذه اللقاءات، حيث يشارك ممثلون عنها بصفة وسطاء لتسهيل الحوار بين واشنطن وطهران. وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من الاتصالات التي جرت في مسقط الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي المتعلق ببرنامج طهران النووي وتجنب مواجهة عسكرية مباشرة قد تخرج عن السيطرة.

وفي المساء من اليوم ذاته، سينتقل الوفد الأمريكي للمشاركة في محادثات ثلاثية تجمعهم مع ممثلين عن روسيا وأوكرانيا. ويهدف هذا الاجتماع إلى مناقشة سبل التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب المستمرة منذ أربع سنوات، حيث يمارس الرئيس دونالد ترامب ضغوطاً كبيرة على الأطراف المعنية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

بالتوازي مع هذا المسار الدبلوماسي، كشفت مصادر مسؤولة أن الجيش الأمريكي بدأ استعدادات فعلية لاحتمال شن عمليات عسكرية متواصلة ضد إيران. وأوضحت المصادر أن هذه العمليات قد تستمر لعدة أسابيع في حال صدور أوامر مباشرة من البيت الأبيض، مما يشير إلى تحول في الاستراتيجية الأمريكية من الضربات المحدودة إلى الحملات الجوية الواسعة.

وضمن تعزيزات عسكرية ضخمة، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن إرسال حاملة طائرات إضافية إلى منطقة الشرق الأوسط. وتشمل هذه التعزيزات آلاف الجنود الإضافيين، إلى جانب أسراب من الطائرات المقاتلة ومدمرات الصواريخ الموجهة، لتعزيز القدرات الهجومية والدفاعية للقوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة.

وفي خطاب ألقاه أمام القوات الأمريكية في قاعدة بولاية نورث كارولاينا، أعرب الرئيس دونالد ترامب عن صعوبة التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع طهران في الوقت الراهن. وأشار ترامب إلى أن 'الخوف' قد يكون الأداة الوحيدة الفعالة لحل الأزمة، في إشارة واضحة إلى إمكانية استخدام القوة العسكرية لفرض شروط واشنطن.

من جانبها، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي أن الرئيس ترامب يضع جميع الخيارات على الطاولة فيما يخص التعامل مع التهديدات الإيرانية. وأوضحت كيلي أن الإدارة الأمريكية تستمع إلى وجهات نظر متنوعة، لكن القرار النهائي سيتخذ بناءً على مقتضيات الأمن القومي الأمريكي وحماية المصالح الحيوية في الخارج.

وتشير التقارير العسكرية إلى أن التخطيط الحالي للضربات المحتملة يتجاوز استهداف المنشآت النووية ليشمل مراكز القيادة الحكومية والأمنية الإيرانية. ويرى خبراء عسكريون أن هذا النوع من العمليات يهدف إلى شل قدرة النظام الإيراني على الرد أو إدارة العمليات العسكرية، وهو ما يمثل تصعيداً نوعياً مقارنة بالعمليات السابقة.

في المقابل، يحذر مراقبون من أن المخاطر التي تواجه القوات الأمريكية ستكون جسيمة في حال اندلاع صراع مفتوح، نظراً لامتلاك إيران ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. ومن المتوقع أن تؤدي أي ضربة أمريكية إلى ردود فعل انتقامية واسعة، مما قد يشعل حرباً إقليمية تشارك فيها أطراف متعددة في الشرق الأوسط.

وتتوقع الدوائر العسكرية في واشنطن أن ترد طهران بقوة على أي هجوم، مما قد يؤدي إلى سلسلة من الضربات المتبادلة التي قد تستمر لفترة طويلة. وكان ترامب قد هدد مراراً باستخدام القوة العسكرية رداً على البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، محذراً من أن البديل عن الحل الدبلوماسي سيكون 'مؤلماً للغاية' للجانب الإيراني.

وعلى الجانب الآخر، أصدر الحرس الثوري الإيراني تحذيرات شديدة اللهجة، مؤكداً أن أي اعتداء على الأراضي الإيرانية سيقابل برد يستهدف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. وتمتلك الولايات المتحدة شبكة واسعة من القواعد في دول مثل الأردن والكويت والسعودية وقطر والبحرين والإمارات وتركيا، مما يجعلها أهدافاً محتملة في أي صراع قادم.

يُذكر أن التوترات الحالية تأتي بعد عام من تنفيذ الولايات المتحدة لعملية 'مطرقة منتصف الليل' التي استهدفت منشآت نووية إيرانية عبر قاذفات شبح انطلقت من الأراضي الأمريكية. إلا أن الاستعدادات الحالية تشير إلى نية واشنطن الانخراط في حملة عسكرية أكثر شمولاً وطولاً، ما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس

شارع 45 الاستيطاني... طريق للفصل العنصري وإعادة رسم الجغرافيا

سهيل خليلية: اكتمال الربط بين شارع 45 ونفق قلنديا يجعل القدس محاطة بشبكة طرق استيطانية مغلقة وتوجيه المواطنين إلى مسارات هامشية

جودت مناع: هذا المشروع أداة استعمارية تهدف إلى قطع التواصل الجغرافي بالضفة وتعزيز الربط بين المستوطنات وتكريس نظام الفصل العنصري

مدحت ديبة: هذا المشروع من شأنه ابتلاع أكثر من 290 دونماً من أراضي أربع بلدات محيطة بالقدس تتويجاً لفرض سيادة المستوطنين عليها

زياد الحموري: الهدف لا يقتصر على ربط المستوطنات ببعضها بل يتعداه إلى ربطها داخل العمق الإسرائيلي في إطار سياسة ضم الضفة

فخري أبو دياب: إسرائيل تسعى إلى محو خط التماس بين عامي 1967 و1948 وأصبحت تتعامل مع الأراضي الفلسطينية كأنها جزء منها

نظمي السلمان:  الاحتلال يمارس سياسة الضم الصامت تنفيذاً لحلمه بإقامة ما يُسمّى "القدس الكبرى" من خلال مشاريع تنفَّذ على الأرض

 تتسارع في محيط القدس أعمال استيطانية لشق طرق وأنفاق جديدة، يتقدمها مشروع ما يُعرف بشارع 45 الاستيطاني المرتبط بنفق قلنديا، في خطوة تُعد جزءاً من إعادة تشكيل البنية التحتية للمنطقة على نحو يعيد رسم الخريطة الجغرافية والسياسية بين القدس والضفة الغربية. وبحسب مختصين وخبراء في أحاديث منفصلة مع "القدس"، تُقدَّم هذه المشاريع رسمياً باعتبارها حلولاً مرورية وتنظيمية، غير أن قراءتها في سياقها الأوسع تكشف أنها ترتبط بإستراتيجية متكاملة تهدف إلى إعادة توجيه الحركة، وتكريس أنماط فصل مكاني بين الفلسطينيين والمستوطنين، بما ينعكس مباشرة على واقع المدينة ومستقبلها.

ويمثل الربط بين الطريق الجديد والنفق منظومة متكاملة تعيد توزيع الحركة على مستويين منفصلين؛ طرق علوية سريعة تربط الكتل الاستيطانية ببعضها وبالداخل الإسرائيلي، مقابل مسارات سفلية تُوجَّه إليها الحركة الفلسطينية بعيداً عن القدس.

هذا الترتيب لا يقتصر على الجانب الهندسي، بل يكرّس واقعاً ميدانياً يعزل مدينة القدس عن امتدادها الطبيعي شمالاً، ويحد من التواصل الجغرافي بين مدن الضفة الغربية، في وقت تتزامن فيه هذه المشاريع مع توسعات في شبكة طرق أخرى تمتد من شمال الضفة إلى جنوبها، بما يشير إلى إعادة بناء شاملة للبنية التحتية تخدم ربط المستوطنات ودمجها في نسيج واحد متصل.

وتشير التقديرات إلى أن تنفيذ شارع بطول يقارب ستة كيلومترات سيؤدي إلى مصادرة مئات الدونمات من أراضي بلدات فلسطينية محيطة بالقدس، ما يهدد مساحات زراعية ومصادر رزق تعتمد عليها عائلات كثيرة، ويزيد من القيود المفروضة على حركة السكان والرعي والزراعة.

كما أن تصميم هذه الطرق وربطها المستقبلي بمحاور رئيسية تقود إلى العمق الإسرائيلي يعززان واقعاً تتعامل فيه سلطات الاحتلال مع المستوطنات بوصفها امتداداً طبيعياً لإسرائيل، في إطار سياسة تُوصف بالضم الزاحف، حيث تُرسَم الحدود فعلياً عبر مشاريع البنية التحتية على الأرض.

ويحذر الخبراء والمختصون من أن هذه المشاريع تندرج ضمن رؤية أوسع لعزل القدس وإحاطتها بشبكة طرق استيطانية مغلقة، بالتوازي مع الدفع بمخططات بناء في مناطق استراتيجية مثل منطقة E1، الأمر الذي من شأنه تقسيم الضفة الغربية إلى شطرين وإضعاف أي تواصل جغرافي محتمل بين شمالها وجنوبها.

كما يرون أن تسارع تنفيذ هذه الخطط يعكس سعياً لفرض وقائع دائمة قبل أي تحولات سياسية محتملة، مستفيداً من غياب المساءلة الدولية الفاعلة، ومؤدياً إلى تغيير جذري في المشهد الديمغرافي والجغرافي للقدس ومحيطها.

وفي ظل هذا الواقع، تُقرأ شبكة الطرق الجديدة باعتبارها أداة مركزية لإعادة تشكيل الفضاء الحضري والسياسي، حيث تتحول البنية التحتية إلى وسيلة لفرض سيادة فعلية على الأرض، وتجزئة التجمعات الفلسطينية ومحاصرتها اقتصادياً وجغرافياً، مقابل توسيع المجال الحيوي للمستوطنات.

ويؤكد الخبراء والمختصون أن استمرار هذه السياسات يهدد ما تبقى من فرص إقامة كيان فلسطيني متصل جغرافياً، ويعمّق حالة الفصل القائمة، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تحرك دولي عاجل لوقف المشاريع التي تُغيّر معالم القدس والضفة الغربية وتكرّس واقعاً يصعب التراجع عنه.





إعادة تنظيم الحركة بما يخدم مشروع الضم


يوضح الخبير في شؤون الاستيطان سهيل خليلية أنه لا يمكن فصل شق شارع 45 عن نفق قلنديا، فكلاهما جزء من منظومة واحدة تهدف إلى إعادة تنظيم الحركة في محيط القدس بما يخدم مشروع الضم الإسرائيلي، وليس لاحتياجات السكان الفلسطينيين.

ويؤكد خليلية أن نفق قلنديا لم ينشأ لتسهيل حياة الفلسطينيين، بل لإخراجهم من المشهد الجغرافي للقدس، وتحويلهم إلى حركة تحت الأرض، بينما تمنح السطح والسيادة الفعلية لشبكة الطرق الاستيطانية.

ويشير خليلية إلى أن نفق قلنديا يشكل مسارًا إجبارياً للفلسطينيين القادمين من رام الله وشمال الضفة، ويعمل كبديل قسري عن الطرق التاريخية التي كانت تمر عبر القدس.


أداة فصل مكاني وسياسي


ويشدد خليلية على أن نفق قلنديا هو أداة فصل مكاني وسياسي، تعيد توجيه الحركة الفلسطينية بعيداً عن المدينة، وتكرس القدس كفضاء مغلق أمام أصحابها الفلسطينيين، ومفتوح بالكامل أمام المستوطنين.

ويوضح خليلية أن شارع 45 يأتي ليكمل المعادلة: طريق علوي سيادي للمستوطنين، يقابله نفق سفلي للفلسطينيين، مشيراً إلى أن شارع 45 يربط شبكتي شارع 60 و443، ويوفر ممراً استيطانياً سريعاً من عمق الضفة الغربية إلى القدس والساحل، دون المرور بأي تجمع فلسطيني، ودون الاحتكاك بالحواجز أو نقاط التفتيش التي فرضت حصرياً على الفلسطينيين.


المستوطن فوق الأرض والفلسطيني تحتها


ويرى خليلية أن الترابط بين شارع 45 ونفق قلنديا يعكس نموذج السيطرة الطبقية على الحركة، حيث يتحرك المستوطن فوق الأرض، بسرعة وحرية وسيادة، في حين يدفع الفلسطيني إلى الأنفاق والمسارات البديلة، تحت الرقابة والتحكم، وبلا أي حضور سياسي أو جغرافي في القدس.

ويلفت خليلية إلى أن هذا التقسيم ليس تقنياً، بل سياسي بامتياز، فهو يكرس فصل القدس عن محيطها الفلسطيني شمالاً، ويقطع التواصل الطبيعي بين رام الله ونابلس، ويمهد فعلياً لإغلاق ملف القدس الشرقية باعتبارها جزءاً من الأرض المحتلة.


ضم كامل الأركان


وبحسب خليلية، فإنه مع اكتمال الربط بين شارع 45 ونفق قلنديا، تصبح القدس محاطة بشبكة طرق استيطانية مغلقة، بينما يعاد توجيه الفلسطينيين إلى مسارات هامشية لا تمنحهم أي حق في المدينة أو سيادة عليها.

ويحذر خليلية من أن هذا النظام يجري تسويقه دولياً كحل "تنظيمي" للأزمة المرورية، في حين أنه في جوهره بنية ضم كاملة الأركان، تنفذ بصمت، دون إعلان رسمي، لكنها تنتج نفس النتائج: إخراج الفلسطيني من القدس، ودمج المستوطنات في نسيج واحد متصل مع الداخل الإسرائيلي.

ويؤكد خليلية أن شارع 45 ونفق قلنديا ليسا مشروعين منفصلين، بل وجهان لسياسة واحدة تقوم على تفريغ القدس من بعدها الفلسطيني، وتثبيت مشروع E1، وترسيخ الضم الفعلي كأمر واقع لا رجعة عنه.


مخطط لعزل القدس عن محيطها


يرى منسق الحملة الدولية للدفاع عن القدس جودت مناع أن شروع سلطات الاحتلال الإسرائيلي بشق ما يُسمى شارع (45) الاستيطاني الممتد من أراضي بلدة مخماس شرقاً وصولاً إلى نفق قلنديا غرباً، يمثل تصعيداً خطيراً في سياسة فرض الوقائع الاستعمارية على الأرض، ويأتي ضمن مخطط ممنهج لعزل مدينة القدس عن محيطها الفلسطيني.

ويؤكد مناع ان هذا الشارع يمثّل حلقة جديدة في سياسة "الضم الزاحف" التي تعتمدها إسرائيل عبر الطرق الالتفافية، حيث يتم استخدام الطرق كأداة لإعادة رسم الجغرافيا وفرض واقع دائم ربط المستوطنات بعضها ببعض لا يمكن التراجع عنه.

ويشير مناع الى أن هذا المشروع ليس طريقاً عادياً، بل أداة استعمارية تهدف إلى قطع التواصل الجغرافي بين شمال ووسط الضفة الغربية، وتعزيز الربط بين المستوطنات وتكريس نظام الفصل العنصري عبر شبكة طرق تخدم المشروع الاستيطاني.

ويوضح مناع أن هذه الأعمال تتزامن مع عمليات عسكرية إسرائيلية في مخيمات الضفة الغربية وتهجير عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين من خيامهم، ترافقها عمليات إرهابية ينفذها المستوطنون عبر اعتداءات وحشية على عدة مناطق في الضفة الغربية كحرق المنازل والمركبات وتهديد أمن المواطنين الفلسطينيين ومنعهم من استخدام مزارعهم، بما في ذلك حرق المحاصيل وقطع أشجار الزيتون، ضمن سياق يستجيب لقرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر.


رسم الحدود بالإسفلت والجرافات


ويؤكد مناع أن الأخطر من الطريق نفسه هو أنه يعمل كحل سياسي غير معلن: أي أن الاحتلال لا يرسم حدوداً على الورق فقط، بل يرسمها بالإسفلت والجرافات، بحيث يصبح "الفصل" واقعاً ميدانياً.      

ويؤكد مناع أن هذه الخطوة تشكل امتداداً لمخططات الضم الزاحف، وتضرب أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وتؤكد أن الاحتلال يستخدم البنية التحتية كوسيلة لإعادة رسم الحدود بالقوة.      

ويشدد مناع على أن الحملة الدولية للدفاع عن القدس تحذر من خطورة هذا المشروع وتداعياته على مستقبل القدس والضفة الغربية، خاصة بعد قرار المجلس الوزاري المصغر وهو ما يقوض الحقوق الوطنية الفلسطينية وحق تقرير المصير، داعياً إلى تحرك عربي – إسلامي ودولي فعال وعاجل، لوقف هذه الانتهاكات التي ترتقي إلى جرائم حرب، ومحاسبة الاحتلال على سياساته الاستيطانية غير الشرعية.


تحقيق حلم المستوطنين


يؤكد المحامي المقدسي مدحت ديبة أن الحديث عن شق طريق يدعى "شارع 45" يمكن وصفه بأنه حلم للمستوطنين تم تحقيقه، من خلال تعاون وثيق بين وزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريغيف من حزب الليكود، ووزير المالية الإسرائيلي والحاكم الفعلي للضفة الغربية بتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب الصهيونية الدينية.

ويوضح ديبة أن هذا المشروع من شأنه ابتلاع أكثر من 290 دونماً من أراضي أربع بلدات محيطة في منطقة شرقي وشمالي القدس، وهي: مخماس، والرام، وكفر عقب، وقلنديا.

ويلفت ديبة إلى أن هذا الشارع يهدف إلى بسط السيطرة والسيادة على الضفة الغربية، ويشكل عنواناً وتتويجاً لفرض السيادة الفعلية للمستوطنين عليها.


مخاطر من ترحيل قسري


ويؤكد ديبة أن الحديث عن طريق بطول ستة كيلومترات يقام على حساب أراضي بلدات عربية محيطة بالقدس، يعني عملياً تنفيذ عملية ترحيل قسري "ترانسفير" لتلك البلدات الأربع، من خلال تقييد حركة السكان، وتقييد حركة الرعي والزراعة.

ويشير المحامي المقدسي مدحت ديبة إلى أن نحو 290 دونماً من الأراضي الزراعية التي يزرعها المواطنون في هذه المناطق ستتضرر، ما يشكل كارثة اقتصادية للسكان الذين يعتمدون على الزراعة في معيشتهم، لا سيما في بلدات مخماس، وجبع، وكفر عقب، وقلنديا، والرام.


تقييد كبير لحركة الفلسطينيين


ويؤكد ديبة أن هناك تقييدًا كبيراً لحركة الفلسطينيين، يقابله في الوقت نفسه انفراجة واسعة لحركة المستوطنين، الذين سيتمكنون من التنقل بسهولة من مستوطنات شرقي القدس إلى مستوطنات شمالها، وصولاً إلى قلنديا عبر النفق المُشق في المنطقة.

ويشير ديبة إلى أن منطقة جبل الطويل ستصبح امتداداً طبيعياً متصلاً حتى أطراف القدس، ما يؤدي إلى منع التواصل الجغرافي والديمغرافي لمدينة القدس مع محيطها، وتقطيع أوصال البلدات العربية، وفرض حصار اقتصادي عليها، فضلًا عن تشجيع بناء المستوطنات على جانبي الشارع الممتد بطول ستة كيلومترات.


ربط مستوطنات ببعضها


ويوضح ديبة أن حجم المستوطنات التي يمكن بناؤها سيكون هائلاً، خاصة في ظل مصادقة الكنيست والكابينت الإسرائيليين على إقامة مستوطنات في منطقة جبع، الأمر الذي يعني ربط مستوطنات معاليه أدوميم بمستوطنات رام الله، والقضاء على أي أمل بإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا في هذه المناطق.

ويؤكد ديبة على أن ما يجري يشكل تعارضًا تاماً مع القانون الدولي الإنساني المطبق على الأراضي المحتلة، والذي يصف شق الطرق وابتلاع الأراضي ومصادرتها بأنها جرائم حرب، وكل ذلك يجري على حساب الحقوق الفلسطينية.


توفير الراحة والأمان للمستوطنين


يؤكد مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري أن من يتابع ما يجري على الأرض بدقة لا يلحظ فقط ما يحدث في شارع 45، بل يمكنه، على سبيل المثال، ملاحظة الترتيبات الواسعة على طريق نابلس، حيث تُشاهد مئات الآليات والمعدات الثقيلة وهي تشق شوارع واسعة وتُجري تغييرات كبيرة على البنية التحتية.

ويوضح الحموري أن هذه الشوارع أشار إليها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وكذلك رئيس مجلس المستوطنات، باعتبارها شوارع تهدف إلى ربط المستوطنات ببعضها البعض، وتوفير الراحة والأمان للمستوطنين، مع احتمال أن يُمنع الفلسطينيون من استخدامها خلال الفترات المقبلة.

ويذكّر الحموري بأن الفلسطينيين مُنعوا في فترات سابقة من استخدام الطرق التي يمر بها المستوطنون، كما حدث خلال الانتفاضة الثانية، وهي تجربة ما زالت حاضرة في الذاكرة.


ربط المستوطنات داخل العمق الإسرائيلي


ويشير الحموري إلى أن فتح هذه الشوارع لا يقتصر على شمال الضفة الغربية، بل يمتد أيضًا إلى الجنوب، في مناطق الخليل وبيت لحم وغيرها، حيث تجري توسعة طرق وربطها بالمستوطنات المحيطة، بما يسهل وصول المستوطنين إلى مستوطناتهم عبر هذه الشبكة من الطرق.

ويشدد الحموري على أن بعض هذه الطرق، ومن بينها شارع 45، صُممت بطريقة تُخفض مستوى الطرق بشكل كبير، كما ستُربط لاحقاً بمدينة تل أبيب، ما يؤكد أن الهدف لا يقتصر على ربط المستوطنات ببعضها، بل يتعداه إلى ربطها داخل العمق الإسرائيلي، والتعامل معها وكأنها جزء من دولة إسرائيل، في إطار سياسة ضم الضفة الغربية وفرض القوانين الإسرائيلية عليها.

ويؤكد الحموري على أن هذا الربط يجري تقديمه باعتباره امتدادًا طبيعيًا لإسرائيل، تمامًا كما جرى التعامل مع القدس سابقًا، حين اعتُبرت جزءًا من إسرائيل، وكذلك في التعامل مع ما يُسمّى "يهودا والسامرة" باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من دولة الاحتلال.


محاولة خلق واقع جديد لا يمكن الرجوع عنه


يرى الباحث المقدسي فخري ابو دياب أن إسرائيل تسعى إلى محو خط التماس بين عامي 1967 و1948، وأصبحت تتعامل مع الأراضي الفلسطينية كأنها جزء من دولة إسرائيل. ويعني ذلك محاولة تسهيل وتسريع وصول المستوطنين عبر شق الطرق والأنفاق، وفرض السيطرة والسيادة الكاملة على الأراضي الفلسطينية.

ويوضح أبو دياب أن ملف القدس، بما يشمله من مجلس القدس والأراضي الفلسطينية، بات أولوية لدى هذه الحكومة، التي تسابق الزمن قبل أي تغيير حكومي أو الانتخابات المقبلة، لخلق واقع جديد لا يمكن الرجوع عنه، من شأنه تغيير المشهد في المنطقة بشكل كامل، ولا سيما في القدس ومحيطها والضفة الغربية.

ويشير أبو دياب إلى أن الاحتلال بات ينظر إلى الأراضي الفلسطينية على أنها أراضٍ تابعة بالكامل لسيادته وسيطرته وتخضع للقانون الإسرائيلي، أي باعتبارها جزءًا من دولة الاحتلال.


تسهيل وصول أعداد كبيرة من المستوطنين


ولذلك، وفق أبو دياب، فإن هذه الإجراءات تهدف إلى تغيير الواقع القائم، وفرض وقائع جديدة تقوم على تجزئة التجمعات الفلسطينية ومحاصرتها والتضييق الخانق عليها، بالتوازي مع توسيع وتهيئة البنى التحتية واللوجستية.

ويؤكد أبو دياب أن الهدف من ذلك هو تسهيل وصول أعداد كبيرة من المستوطنين من داخل أراضي عام 1948 إلى الأراضي الفلسطينية، بشكل أسرع وأسهل وأكثر أمانا، في إطار سياسة إغراء للإسرائيليين وإرضاء لليمين المتطرف والمستوطنين، الذين يروجون لفكرة أن الأراضي الفلسطينية هي أراضٍ إسرائيلية في الأصل.


تغيير الوضع القائم بشكل جذري


ويؤكد أبو دياب على أن الاحتلال يعمل اليوم على تغيير الوضع القائم بشكل جذري، مستفيداً من غياب المساءلة والعقاب من المجتمع الدولي، ومتجاهلاً القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات، ما يشكل إلغاءً فعلياً لما تبقى من إمكانية قيام سلطة فلسطينية فاعلة، وتوجيه ضربة قاصمة لفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، أو حتى مجرد الحديث عن إمكانية تحقيقها.


الضم الصامت لمدينة القدس


يؤكد المختص بشؤون الاستيطان نظمي السلمان أن الاحتلال، على الأرض، يمارس سياسة الضم الصامت لمدينة القدس، تنفيذاً لحلم الاحتلال بإقامة ما يُسمّى "القدس الكبرى"، من خلال مشاريع تنفَّذ فعلياً على الأرض، وأخطرها طرح عطاءات لبناء وحدات سكنية في منطقة E1.

ويشير السلمان إلى أن هذا المشروع يؤدي إلى فصل الضفة الغربية إلى شطرين: ضفة غربية شمالية وضفة غربية جنوبية.

ويؤكد السلمان أن هذه الإجراءات تؤكد أن الاحتلال ينفذ مشروعاً استراتيجياً لضم الضفة الغربية وتهجير أبناء الشعب الفلسطيني.

ويشير السلمان إلى أن هناك مخطط الاحتلال لعزل مدينة القدس مستمر ومتواصل على قدم وساق، ويهدف إلى خلق واقع ديمغرافي وجغرافي جديد، عبر تهيئة بيئة جديدة في القدس لتنفيذ مخطط "القدس 2050"، الذي يسعى إلى زيادة كبيرة جداً في أعداد المستوطنين، وتقليل نسبة السكان العرب الفلسطينيين، من خلال تنفيذ عمليات تهجير صامتة ومستمرة.


حرب الاحتلال على القدس تأخذ أشكالاً متعددة


ويؤكد السلمان أن حرب الاحتلال على القدس تأخذ أشكالاً متعددة، من بينها استهداف القيم والمفاهيم والرموز الوطنية للشعب الفلسطيني، عبر حرب معلنة وتحريض متواصل على المناهج التعليمية الفلسطينية في القدس، بما يهدف إلى مصادرة الوجود الفلسطيني فيها.

ويؤكد السلمان أن الاحتلال يواصل انتهاك جميع المعاهدات والمواثيق الدولية، ويضرب بها عرض الحائط، وينقلب على الاتفاقيات الموقعة.

أقلام وأراء

السّبت 14 فبراير 2026 8:58 صباحًا - بتوقيت القدس

الخط العربي والذكاء الاصطناعي: قراءة في تجربة عملية

شهدت قاعة «بيت الحكمة» التابعة لبلدية البيرة انعقاد ورشة عمل متخصصة بعنوان «الخط العربي في عصر الذكاء الاصطناعي»، نظمتها بلدية البيرة من خلال مؤسسة بيت الحكمة التابعة لها، وقدّمها مدير شركة «أقلمة» التنفيذي ومؤسسها الدكتور فائق عويس، بحضور نخبة من الخطاطين والمهتمين بالفنون البصرية والتقنيات الحديثة. عكست أجواء اللقاء اهتماماً حقيقياً بسؤال اللحظة: كيف يمكن لفن عريق أن يتفاعل مع تقنيات تتطور بوتيرة غير مسبوقة؟

افتتح الدكتور عويس الورشة بطرح الهواجس كما هي، دون تجميل أو تقليل من شأنها، فتساءل مع المشاركين عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح منافساً مباشراً للخطاط، أو حتى بديلاً عنه، واستحضر التحولات التي شهدها العالم في مجالات التصميم والطباعة، حين انتقلت الأدوات من اليد إلى الشاشة، ومن الشاشة إلى الخوارزمية، مؤكداً أن كل مرحلة أثارت مخاوف مشابهة قبل أن تتحول إلى فرصة.

عبّر بعض الخطاطين في بداية النقاش عن تخوفهم من أن تختزل التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي سنوات التدريب والممارسة في بضعة أوامر مكتوبة، مستشعرين أن القيمة الجمالية للخط قد تُفرغ من بعدها الروحي إذا أصبحت النتيجة قابلة للتوليد الفوري، عكس هذا التوجس شعوراً مشروعاً بالقلق على هوية فن يرتبط بالذوق والمهارة والانضباط.

انتقل مسار الورشة تدريجياً من دائرة القلق إلى مساحة الفهم العملي، واستعرض الدكتور عويس مجموعة من الأدوات والتطبيقات الداعمة للخط العربي، وشرح آليات عملها وحدودها. عرض أمثلة حية جرى خلالها إدخال نصوص محددة وتحديد نوع الخط والأسلوب الفني، ثم مقارنة النتائج المتعددة التي تقترحها النماذج الذكية، مع مناقشة نقاط القوة والقصور في كل مخرج بصري.

ركّزت الجلسات التطبيقية على تمكين الخطاطين من استخدام هذه الأدوات بوصفها وسائل مساعدة لا بدائل إبداعية، فتدرّب المشاركين على صياغة «المطالبات» أو الأوامر الدقيقة التي تُوجه بها النماذج، موضحاً أن جودة النتيجة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوضوح الطلب، وحدّد أهمية ذكر المدرسة الخطية، ودرجة الانسياب، ونسب الحروف، والمساحات البيضاء، والسياق الفني للعمل، من أجل الوصول إلى نتائج عالية الجودة.

طبّق الخطاطون تدريبات عملية أعادوا خلالها صياغة الطلب أكثر من مرة، ولاحظوا كيف يؤثر تعديل مفردة واحدة في شكل الحروف أو توازن التكوين. اكتشفوا أن الذكاء الاصطناعي لا يبتكر بمعزل عن المستخدم، بل يستجيب للمعطيات التي يتلقاها، فأدركوا أن خبرتهم الفنية، لا الخوارزمية وحدها، هي التي تمنح العمل روحه النهائية.

ناقش المشاركون كذلك ظاهرة «هلوسة الذكاء الاصطناعي»، حين تقدّم بعض التطبيقات معلومات غير دقيقة عن تاريخ خط معيّن أو تنسب أسلوباً إلى مدرسة غير صحيحة. تعاملوا مع هذه الإشكالية بوصفها تحدياً معرفياً يتطلب وعياً نقدياً، لا سبباً للانسحاب من التجربة، وشدّد الدكتور عويس على أهمية التحقق والمراجعة، وعدم التسليم المطلق بما تنتجه النماذج.

اقترح الحضور آليات عملية للمساهمة في تطوير هذه النماذج، فدعوا إلى إنشاء قواعد بيانات موثوقة لأعمال خطية أصيلة، وتوثيق المدارس والأساليب وفق معايير دقيقة، وأبدوا استعدادهم لتقديم تغذية راجعة منهجية للتطبيقات، بما يساعد على تقليل الأخطاء وتحسين دقة المخرجات، وأكدوا أن تدريباً واعياً للتطبيقات، يستند إلى خبرة الخطاطين أنفسهم، كفيل بتجاوز كثير من حالات الهلوسة.

اختتمت الورشة بنقاش مفتوح أعاد صياغة العلاقة بين الفن والخط والتقنية. انتقل الحضور من سؤال «هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الخطاط؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كيف يمكن للخطاط أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع أفقه الإبداعي؟». عبّرت المداخلات الختامية عن قناعة متزايدة بأن هذه التقنيات، حين تُستخدم بوعي، تفتح آفاقاً جديدة للتجريب والتميز والتطور.

كرّست مخرجات الورشة رؤية متوازنة تعتبر الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تعزز قدرات الخطاط ولا تنتقص من قيمته، وأكدت أن القرار الجمالي النهائي يظل بيد الفنان، وأن الريشة، حتى في عصر الخوارزميات، تحتفظ بمكانتها حين تمسك بها يد خبيرة. فتحت التجربة أمام الخطاطين أفقاً أوسع للإبداع، وجعلت من التقنية شريكاً في رحلة الفن، لا خصماً له.

أقلام وأراء

السّبت 14 فبراير 2026 8:57 صباحًا - بتوقيت القدس

جرعة رمضان الرقمية: كيف يصبح الذكاء الاصطناعي ملاذاً اقتصادياً في ظل ضيق الرواتب والغلاء

في الضفة الغربية، لم يعد رمضان مجرد موسم روحاني واجتماعي، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى اختبار اقتصادي قاسٍ للأسر والتجار على حد سواء. فمع تأخر الرواتب أو اقتطاعها، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية، يدخل المواطن الشهر الفضيل وهو يحمل في قلبه شوقًا للعبادة والتقارب العائلي، لكنه يحمل في جيبه قلقًا متزايدًا من فواتير الطعام والكهرباء والالتزامات اليومية. هنا تحديدًا، تبدأ فكرة “جرعة رمضان الرقمية” بالظهور، ليس كترف تقني أو موضة عابرة، بل كأداة بقاء اقتصادي في زمن الشح.

تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية تتجاوز 24%، وترتفع في بعض الفئات الشبابية إلى أكثر من 40%، فيما تعاني نسبة كبيرة من الموظفين من تأخر الرواتب أو صرفها بشكل جزئي. وفي ظل هذا الواقع، يرتفع الإنفاق الاستهلاكي في رمضان بمعدل يتراوح بين 20% و35% مقارنة بالأشهر العادية، وفق تقديرات مؤسسات بحثية محلية، وهو ما يخلق فجوة مالية مؤلمة بين الدخل المحدود ومتطلبات الشهر.

لكن المفارقة أن الضفة الغربية، رغم هذا الضيق الاقتصادي، تمتلك واحدة من أعلى نسب الانتشار الرقمي في المنطقة. فمعدلات استخدام الإنترنت تتجاوز 85% من السكان، ويصل عدد حسابات التواصل الاجتماعي إلى ما يزيد عن 2.3 مليون حساب نشط، ما يعني أن السوق الرقمي أصبح ساحة حقيقية للفرص، لا مجرد مساحة للترفيه. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي كأداة يمكنها إعادة هندسة سلوك الأفراد والشركات خلال رمضان، وتحويل الضغط الاقتصادي إلى مساحة ابتكار.

الذكاء الاصطناعي، في جوهره البسيط، هو مجموعة خوارزميات قادرة على التعلم من البيانات وتقديم حلول ذكية وسريعة. لكنه في السياق الفلسطيني الرمضاني، يتحول إلى ما يشبه “مستشارًا اقتصاديا شخصيًا” لكل تاجر وصانع محتوى وربّة منزل وشاب يبحث عن دخل إضافي. فالتاجر الذي كان يحتاج إلى مصمم ومصور وكاتب محتوى لإطلاق حملة رمضانية، أصبح بإمكانه عبر أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج إعلان كامل خلال ساعات، بتكلفة تقترب من الصفر، مقارنة بحملات تقليدية كانت تتجاوز مئات الدولارات.

تشير تقارير شركة ماكينزي إلى أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التسويق الرقمي يمكن أن يخفض التكاليف التشغيلية بنسبة تصل إلى 30%، ويزيد فعالية الحملات بنسبة تتراوح بين 15% و25%. وفي بيئة مثل الضفة الغربية، حيث كل دولار له وزن نفسي واقتصادي، فإن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعني بقاء مشروع صغير أو اختفائه من السوق.

أما على مستوى الأفراد، فإن الذكاء الاصطناعي يمنحهم فرصة تحويل هواتفهم إلى أدوات إنتاج لا استهلاك فقط. فالشاب الذي يجلس في منزله بسبب البطالة، يمكنه عبر أدوات الكتابة والتصميم بالذكاء الاصطناعي أن يقدم خدمات كتابة محتوى أو إدارة صفحات أو تصميم إعلانات خلال أيام، دون الحاجة إلى سنوات من التدريب التقليدي. وتشير بيانات منصة Upwork إلى أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي ارتفع بأكثر من 100% خلال عام واحد فقط، ما يعكس تحوّلًا عالميًا في طبيعة العمل، يمكن للفلسطينيين الاستفادة منه حتى في ظل القيود السياسية والاقتصادية.

رمضان في الضفة ليس مجرد شهر للصوم، بل موسم اقتصادي مصغّر تتغير فيه أنماط الاستهلاك والتسوق. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورًا في إعادة تنظيم هذا السلوك، من خلال مساعدة الأسر على إعداد قوائم طعام اقتصادية، أو مقارنة الأسعار بين المتاجر، أو حتى اقتراح وصفات منخفضة التكلفة وعالية القيمة الغذائية. في هذا السياق، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تسويقية إلى شريك يومي في إدارة الحياة.

المثير في الأمر أن هذا التحول لا يحتاج إلى بنية تحتية ضخمة أو استثمارات حكومية معقدة، بل يبدأ من هاتف ذكي واتصال بالإنترنت. وهنا تكمن المفارقة الجميلة في هذا العالم الغريب؛ فبينما تتعثر الرواتب في طريقها إلى البنوك، تصل خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى جيوب الناس بلا حواجز. التكنولوجيا، بطريقتها الساخرة، لا تعترف بالأزمات السياسية بقدر ما تعترف بسرعة الاتصال وجودة الفكرة.

من منظور تفكير عكسي، يمكن القول إن أزمة الرواتب وغلاء الأسعار قد تكون هي نفسها الدافع الحقيقي لتسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي في الضفة الغربية. فالتاريخ الاقتصادي يخبرنا أن الابتكار غالبًا ما يولد في لحظات الضيق، لا في أوقات الوفرة. الأزمة تجبر الأفراد على التفكير بطرق غير تقليدية، والذكاء الاصطناعي يقدم لهم أدوات جاهزة لهذا التحول.

جرعة رمضان الرقمية، إذن، ليست تطبيقًا محددًا أو منصة بعينها، بل هي عقلية جديدة تقوم على استخدام التكنولوجيا لتقليل التكاليف، وزيادة الدخل، وإدارة الحياة بذكاء. إنها انتقال من منطق “الراتب الذي لا يكفي” إلى منطق “المهارة الرقمية التي تفتح بابًا إضافيًا للدخل”. وفي مجتمع شاب مثل المجتمع الفلسطيني، حيث أكثر من 60% من السكان تحت سن الثلاثين، فإن هذه الجرعة قد تكون الفارق بين جيل ينتظر الوظيفة وجيل يصنع فرصه بنفسه.

رمضان هذا العام قد لا يكون أسهل من سابقه اقتصاديًا، لكن أدواته مختلفة. وبين ضيق الجيوب واتساع العالم الرقمي، يظهر الذكاء الاصطناعي كحليف غير متوقع، لا يمل من العمل، ولا يطلب راتبًا، ولا يتأخر عن الدوام. في عالم تتقلص فيه الرواتب، قد تكون الخوارزميات هي المورد الجديد الذي لا ينضب، إذا أحسن الناس استخدامه.

* باحث ومتشار بالإعلام والتسويق الرقمي


أقلام وأراء

السّبت 14 فبراير 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

العالم مخيف جدّاً لكن الرحلة فرديّة

نعم العالم اليوم مليء بالمشاهد التي تُوجع القلب: القتل، الاعتقال، الظلم والاعتداءات التي تجعل الإنسان يشعر أحيانًا بأن الأمان صار حلمًا بعيدًا. خاصة في فلسطين المحتلة، لكن رغم هذه الحقيقة الصعبة، هناك حقيقة أخرى لا تقل أهمية: رحلتك في هذه الحياة فردية، ومسارك الخاص لا يُقاس بما يحدث حولك فقط.

الرحلة الفردية تعني أنك رغم فوضى العالم، لديك القدرة على أن تختار كيف تعيش يومك، كيف تصنع سلامك الداخلي، وكيف تبني مساحة آمنة لنفسك. قد لا تستطيع تغيير كل ما يحدث، لكن تستطيع حماية روحك، وملء قلبك بالطمأنينة رغم عواصف الأخبار المحزنة.

الطمأنينة هنا لا تعني تجاهل الألم أو القسوة، بل الاعتراف بوجودها، ومن ثم اختيار أن لا تتحكم بك. هي القدرة على أن تقول لنفسك: "قد يكون العالم مظلمًا حد القتامة، ولا لون للمحتل إلا السواد، لكن بداخلي نور لا يُسلب". هي القدرة على أن تمنح نفسك لحظات صغيرة من السعادة، من القراءة، من التأمل، من الحديث مع شخص يفهمك، أو مجرد الابتسام رغم كل شيء.

وفي هذه الرحلة الفردية، تذكّر أن الإنسانية لم تُهزم بالكامل. هناك دائمًا من يعمل على الخير، على الحب، على الرحمة، على العدالة الصغيرة التي تبدأ من فعل لطيف، كلمة طيبة، أو دعم بسيط لمن حوله. كل هذه الأعمال الصغيرة تخلق توازنًا غير مرئي، يذكّرنا بأن العالم ليس أسودًا بالكامل، وأن قلبك ليس وحده من يشعر ببقعة الظلام.

لذلك عندما تشعر بأن الرعب يحيط بك، تذكر العالم مخيف، لكن هذا ليس كل شيء، أنت رحلتك الخاصة، ونورك الداخلي أقوى مما تتصور.

عش بوعي، احمِ قلبك، وابدأ بنسج السلام من داخلك، من خيالك في توقع الخير، فهو الممكن دائمًا، واستبعاد فكرة الشر قدر المستطاع، حينها تصبح الرحلة رغم كل شيء أكثر احتمالًا، وأكثر أملًا.

السّبت 14 فبراير 2026 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة تربوية تأملية:أسلحة القاهرين ضد المقهورين في ضوء فكر باولو فريري وإسقاطها على الواقع الفلسطيني


يُعلّمنا باولو فريري أن كل إنسان هو مصدر للمعنى، وأن التفكير النقدي يبدأ حين يدرك الإنسان ذاته كفاعلٍ في العالم لا كمفعول به. لكنّ القاهرين لا يكتفون بالسيطرة على الأرض، بل يسعون لاحتلال الوعي، مستعينين بثلاثة أسلحة فكرية وثقافية خطيرة: العمل المضاد للحوار، الإعلام الموجّه، واستراتيجية "فرق تسد".

أولاً: سلاح " Antidialogical Action" العمل المضاد للحوار

يناقش فريري ما يسمّيه بالفعل المضاد للحوار، ويعرّفه بأنه طريقة لتغيير الثقافة بما يخدم مصالح القاهرين. ويعتبر عملية تضليل عقول البشر بأنها أداة للقهر، تسعى النخبة من خلالها إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة، أهم جانب من هذا الفعل هو (الغزو)، أي محاولة القاهرين السيطرة على الناس والعالم عبر إخضاعهم واحتلال وعيهم وتطويعهم؛ لمنع أي تغيير ثقافيٍّ يهدد سلطتهم، من خلال خلق الأساطير عن العالم، عبر غرس تصوراتٍ جامدة عن الصواب والخطأ والنظام، ثم مطالبة الآخرين بالتكيّف معها، وتُبَثُّ لهم عبر الدين والاقتصاد والتعليم والإعلام، مما يضمن أن يتشرّب المقهورون هذه الأساطير لتصبح معتقدات مترسّخة لديهم، حيث يصبح من الصعب عليهم الدخول في حوار حقيقي حول طبيعة الواقع.

 ثم يؤكد فريري مرة أخرى أن أي موقف قمعي بطبيعته معارض للحوار؛ لأنه يحوّل العلاقة بين المعلم والمتعلم إلى علاقة امتلاكٍ لا علاقة إنسانية. والمعلم في هذه المنظومة ليس ميسرًا للمعنى، بل ناقلًا للمفاهيم المفروضة من فوق. لذلك قال فريري "التعليم لا يكون محايدًا. إما أن يكون تعليما للحرية أو تعليما للاستعباد".

إذن، البديل للتعليم القهري اللاحواري هو الحوار الناقد، الذي يؤمن بإيجابية المتعلمين وإنسانيتهم، بحيث يدخلون في علاقة حوار دائم مع المقهورين، وتتكفل هذه العملية بتخليص المتعلمين من الأوهام والأساطير التي صورها وصاغها النظام القديم.

في السياق الفلسطيني، يمارس هذا الغزو عبر محاولة سلخ الفلسطينيّ عن أرضه وروايته، وتحويل الاحتلال إلى واقع طبيعيّ بل وحتميّ، والتعليم أداة للتطبيع الممنهج، حيث يضغط الاحتلال لتغيير المناهج الفلسطينية كونها تدعو للإرهاب، كتحويل اسم (جدار الفصل العنصري) في الكتب المدرسية إلى (جدار الضم والتوسع)، ومن (دولة الاحتلال) إلى (دولة إسرائيل)، إلّا أن الفكر الثّوري قائم في معلّمينا، واعتمادهم على المنهج الخفيّ، دليل الوعي لديهم، لا سيّما تجربة التعلم في السجون، التي تحدّت محاولات الاحتلال في عزل الأسرى عن العالم، فكان الطالب يُعتقل عدّة أشهر، وحين يخرج يكون شخصًا آخر بخبرات حياتيّة، وثقة بالنفس، ولسان طلق. كما نجحت التجربة في إنتاج (فن السجون) من كتب وروايات ورسائل ماجستير في العلوم السياسية.

ثانياً: سلاح " Propaganda" الإعلام الموجّه – أداة تضليل العقول وصناعة "ثقافة الصمت"

يرى فريري أن القهر لا يقوم فقط على القوة المادية، بل على إنتاج وعي زائف يقدّم الاضطهاد كأنه واقع طبيعي لا يمكن تغييره. لا يوجد تضليل إعلامي ناجح دون أن يقوم القائمون عليه بإخفاء شواهد وجوده، ويقتضي ذلك واقعًا زائفًا بإنكار وجوده بشكل مستمر، في ظل شعور المُضَلَلين بأن الأشياء التي يشاهدونها هي على ما هي عليه من الوجهة الطبيعية والحتمية.

هنا يتقاطع فكر فريري مع هربرت شيللر الذي تناول أسطورة "الاختيار الفردي"، حيث تعمل وسائل الإعلام على إقناع جماهيرها بأن حقوق الفرد المطلقة هي حقيقة يعيشونها، رغم أن الواقع يختلف اختلافًا كليًّا، فهناك العديد من الشواهد التي تؤكد أن حقوق الفرد ليست سوى أسطورة، وبأنه لا يمكن الفصل بين الفرد والمجتمع.

فامتلاك وسيلة انتقال خاصة، ومنزل مستقل للأسرة، والعمل في مشروع لا يملكه الغير، أفكار تروّج لها وسائل الإعلام لتفتيت وعي الجماهير، وتحويلها من شعبٍ فاعلٍ إلى أفرادٍ منفصلين يسهل التحكم بهم. الإعلام الموجّه، وفق هذا المنظور، لا ينقل المعرفة، بل يزرع الخرافة ويُطبع القهر، ويجعل الناس يتقبلون البؤس كقدرٍ محتوم. وكما أشار فريري، فإن "ثقافة الصمت" تولد عندما يُقنع النظامُ المقهورين بأن فقرهم وحرمانهم أمرٌ طبيعي، فينحني الناس لا بفعل القوة، بل بفعل الإقناع المتواصل عبر التعليم والإعلام معًا.

في السياق الفلسطيني، يتجلّى هذا السلاح في محاولة طمس الرواية الفلسطينية عبر إعلامٍ عالمي يبرّر القهر باسم أمن إسرائيل، لكن الوعي المقاوم، كما علمنا فريري، يبدأ من تحويل المتلقّين إلى باحثين عن الحقيقة، لا متلقين سلبيين لها. حيث ساهمت حرب 7 أكتوبر في إظهار حقيقة دولة إسرائيل أمام العالم، وكشف الروايات الكاذبة التي تُبث للعالم، كما ساهمت ثقافة بعض الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي من أهل غزة بالاعتماد على قدرتهم في نقل الحقيقة باللغة الإنجليزية، في إيصال الصورة الحقيقية للحرب.

ثالثاً: سلاح "Divide and Rule" فرق تسد– تمزيق وعي الجماعة المقهورة.

يتحدث فريري عن سلاحٍ أشدّ خفاءً، وهو أن القاهرين يفصلون المقهورين عن بعضهم كي يمنعوهم من اكتشاف قوتهم المشتركة. فبدلًا من تضامن الجماعات المقهورة، تُزرع بينها الشكوك والمنافسة والهرمية الزائفة، فيُعاد إنتاج عقلية القهر داخل البنية الاجتماعية نفسها. يقول فريري إن القاهرين يخلقون ما يسميه بـ "الكرم الزائف"؛ يمنحون القليل ليضمنوا استمرار التبعية.

وفي التعليم، تتجلى هذه الآلية في أساليب التقييم والعقاب والمكافأة المتّبعة حالياً، أما خليل السكاكيني فقد قام بتأسيس مدرسة في 1909 في القدس، كان شعارها: "إعزاز التلميذ لا إذلاله" وطبّق هذا الكلام فعليًّا عبر: لا علامات، ولا جوائز، ولا عقاب. فالنظام الذي يُقسم الطلبة إلى ناجح وفاشل، ومتفوق ومقصّر، يُعيد إنتاج منطق القاهر والمقهور داخل الصف ذاته. ولكن إن طرحنا هذا الطرح اليوم، فسيسألنا الناس: لماذا سيدرس الطالب إن لم يكن ثمّة علامات وجوائز وعقاب!

في فلسطين، يظهر هذا السلاح حين تُقسَّم المدارس والمناطق إلى (أ) و(ب) و(ج)، وتوزيع المعلمين المتمكنين في المدارس الثانوية العريقة للمحافظة على سمعتها، وينقسم معظم الشعب بين الفصائل السياسية، ليكونوا عبيداً لأشخاص لا لفكرة ثورية، كما عمل الاحتلال البريطاني سابقاً على تقسيم الشعب إلى حضريّ وقرويّ وبدويّ، وزرع الفتنة وشعور الأفضلية بين فئة عن غيرها.

فينعكس الانقسام الجغرافي والسياسي إلى انقسامٍ في الوعي، فيتراجع التضامن وتضعف الثقة بقدرة الجماعة على الفعل الجماعي. وهنا تتأكد رؤية فريري بأن التحرر فعلٌ جماعي لا يُنجز في العزلة، وأن المقهورين لا يتحررون إلا حين يصغون لبعضهم البعض، لا حين يتنافسون على فتاتٍ يمنحه القاهرون، ولكي يتمكن الأفراد المُستضعفون من تطبيق الممارسة "الثورية" في حياتهم يحتاجون إلى فهم وضعهم الحالي أنهم مقهورون، والعالم كما هو (أنهم يعيشون في عالم تهيمن فيه الأقلية على الأغلبية)، وأنه من الممكن أن تتغير الأمور من خلال أفعالهم وتعاونهم واندماجهم ليصلوا إلى الأنسنة والحرية.

في ضوء فكر فريري، يمكن القول إن مقاومة هذه الأسلحة الثلاثة تبدأ من التربية النقدية، من تعليمٍ يُعيد للإنسان قدرته على التساؤل، ويمنحه حق الإصغاء والتفكير. إن تحرر الوعي شرطٌ لتحرر الأرض، والتعليم الذي لا يُعلّم الحرية لا يصنع إلا عبيدًا جددًا. ولذلك، فالمعلم الحقيقي هو من لا يرسم ملامح طلابه، بل يُعينهم على رسم ذواتهم، فيتحول التعليم إلى فعل مقاومةٍ يومي، يواجه القهر بالمعنى والفكر والحوار.

*  طالبة دكتوراه في القيادة والإدارة التربوية

أقلام وأراء

السّبت 14 فبراير 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تُستبدل الهوية بالمفاهيم: كيف تعمل الثقافة الناعمة في صمت؟

هل يمكن أن تُسلب هوية مجتمع دون أن تُطلق رصاصة واحدة؟ ليس عبر الحرب، ولا عبر الجغرافيا، بل عبر المفاهيم. عبر اللغة التي تتبدّل معانيها بهدوء، والقيم التي تُعاد صياغتها دون أن نشعر، والمصطلحات التي تتسلل إلى وعينا اليومي حتى تصبح بديهية لا تُناقَش. هنا تحديدًا تعمل الثقافة الناعمة؛ لا بوصفها أداة تعبير حضاري، بل بوصفها وسيلة إعادة تشكيل الوعي الجمعي، حيث لا يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن هويته صراحة، بل أن يعيد تعريفها تدريجيًا، حتى تصبح نسخة مخففة، منزوعة السياق، وقابلة للاندماج في منظومة كونية بلا جذور. الخطر لا يكمن في العولمة بوصفها انفتاحًا معرفيًا، بل في صورتها المتخفية حين تتحول إلى عملية (اغتصاب مفاهيمي) هادئة، تُستبدل فيها معاني الوطن بالمواطنة المجرّدة، والانتماء بالفرصة الفردية، والثقافة بالمهارة، والتعليم بالوظيفة.

في هذا السياق، لم تعد المدرسة مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت أحد أهم ميادين هذا التحول الصامت. فالمناهج اليوم لا تنقل المعرفة فقط، بل تنقل تصورات كاملة عن الإنسان، والعالم، وما ينبغي أن يكون مهمًا في حياة الطالب. وحين تتعدد هذه المناهج دون مرجعية ثقافية جامعة، لا ينتج عن ذلك ثراء معرفي بقدر ما ينتج تشوّش في المعنى، وتفكك في الصورة التي يرى بها الطالب ذاته ومجتمعه. وهنا تتقدم القدس والداخل الفلسطيني كنموذج بالغ الحساسية لهذه الإشكالية، حيث لا تتجاور المناهج فقط، بل تتجاور معها روايات، وقيم، وسرديات متباينة، في مساحة تعليمية واحدة، ما يجعل الطالب يعيش حالة عبور يومي بين عوالم مفاهيمية مختلفة، دون أدوات نقدية تحمي وعيه من الاستلاب الهادئ.


في مثل هذا الواقع، يصبح سؤال الهوية سؤالًا تربويًا بامتياز، ويغدو دور المثقف، والمعلم، والمؤسسة التعليمية، ليس في نقل المعرفة، بل في حماية المعنى…

في القدس والداخل الفلسطيني ، لا يقتصر تعدد المناهج التعليمية على اختلاف تربوي طبيعي، بل يتحوّل إلى حالة مركّبة تمسّ جوهر الهوية. فالمناهج هنا ليست مجرد كتب دراسية، بل حوامل لروايات، وتصوّرات، وقيم، وسرديات متباينة حول التاريخ والجغرافيا والانتماء. يجد الطالب نفسه يتلقّى معرفةً من مصادر مختلفة، تحمل أحيانًا رؤى متناقضة حول من يكون، ومن أين أتى، وإلى أي سياق ينتمي. وهنا، لا يصبح التعدد ثراءً، بل تشويشًا في المعنى، وارتباكًا في الانتماء. فالتعدد هناك لا يقتصر على تنوع تربوي، بل يمتد إلى تعدد في السرديات والقيم والتصورات حول التاريخ والانتماء. يتلقى الطالب معارف من مصادر تعليمية مختلفة، تحمل أحيانًا رؤى متباينة حول هويته وسياقه الثقافي، وفي ذات الوقت تواجه المناهج الفلسطينية ضغوطًا مرتبطة بإملاءات التمويل الخارجي. هنا لا يعود التعدد ثراءً معرفيًا بقدر ما يصبح تشويشًا في المعنى، وارتباكًا في الانتماء.

المشكلة لا تكمن فقط في اختلاف المحتوى، بل في غياب الرؤية التربوية القادرة على إدارة هذا الاختلاف. فالمدرسة، بدل أن تكون فضاء لبناء فهم متماسك للعالم، قد تتحوّل إلى مساحة صراع صامت بين مرجعيات متعددة. ومع الوقت، يتكوّن لدى الطالب نوع من الانفصال غير الواعي بين ما يتعلمه وما يشعر أنه يمثّله، فينمو وعيه على أرضية مهتزّة، لا على قاعدة صلبة من الفهم واليقين.


في موازاة ذلك، تتقدّم العولمة بثقافتها الناعمة، لا عبر الشعارات، بل عبر التفاصيل اليومية: في المحتوى الرقمي، وفي أدوات التعلم، وفي النماذج المعرفية المستوردة، وفي اللغة التي تُعيد تعريف المفاهيم. لم تعد عملية التأثير بحاجة إلى فرضٍ مباشر؛ يكفي أن تُعاد صياغة المفاهيم الكبرى كالنجاح، والحرية، والتقدّم، والهوية ضمن قوالب عالمية عامة، تفصلها تدريجيًا عن سياقها الثقافي والوطني.

وهنا تتعمّق الإشكالية: الطالب الذي يعيش تعددية منهجية داخل مدرسته، يتعرّض في الوقت نفسه لسيل معرفي عالمي عبر الفضاء الرقمي، يحمل بدوره تصوّرات مختلفة عن الإنسان والمجتمع والقيم. وبين هذين المسارين، قد تتآكل الخصوصية الثقافية دون أن يشعر، لا لأن أحدًا طلب منه التخلي عنها، بل لأنه لم يجد الإطار الذي يربطها بواقعه المعرفي اليومي. ولنا أن نتخيل خطورة ذلك على أجيال المستقبل…


الأخطر في هذا المشهد ليس فقدان المعلومات، بل اغتصاب المفاهيم. إذ تُفرغ الكلمات من سياقاتها الأصلية، ويُعاد ملؤها بمعانٍ جديدة. يصبح (التقدم) مرادفًا للانفصال عن الجذور، و(العالمية) بديلًا عن الخصوصية، و(المعرفة) منفصلة عن القيم. ومع الوقت، ينشأ جيل يمتلك قدرًا كبيرًا من المعلومات، لكنه يفتقر إلى البوصلة التي تمنحه القدرة على تفسيرها ضمن سياقه الثقافي والوطني.

المناهج ليست فقط أدوات تعليم، بل جزء من صراع هادئ على الرواية والوعي. وحين يتلقّى الطالب سرديات متباينة حول تاريخه وهويته، دون تأطير تربوي واعٍ، يصبح معرضًا لتشكّل وعي مُجزّأ، قد لا يشعر فيه بانتماءٍ كامل لأي من هذه السرديات.

هنا ربما يبرز السؤال الجوهري: هل وظيفة التعليم أن يراكم المعارف، أم أن يبني فهمًا؟ وهل يكفي أن نمنح الطالب معلومات متعددة، دون أن نمنحه القدرة على الربط بينها، وتحليلها، وإعادة صياغتها ضمن رؤيته الخاصة؟ بل: كيف نساعدهم على فهم ما يتعلمونه ضمن سياقهم الثقافي والإنساني؟

لسنا أمام أزمة نقص في المعلومات، بل أمام أزمة معنى. ولسنا أمام تحدٍّ في الأدوات، بل في الرؤية التي تحكم استخدامها. وبين تعدد المناهج وزحف العولمة، يقف الطالب في مفترق طرق معرفي، يحتاج فيه إلى مدرسة لا تعلّمه ماذا يفكّر فقط، بل كيف يفهم ذاته والعالم من حوله.


الهوية لا تُحمى بالشعارات، بل تُصان حين يبقى المعنى متماسكًا، وحين تبقى المفاهيم مرتبطة بجذورها، وحين تبقى المدرسة فضاءً لبناء الفهم، لا لتراكم المعلومات.

أحدث الأخبار

السّبت 14 فبراير 2026 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس

فضائح إبستين تلاحق البيت الأبيض: اتهامات لوزارة العدل بحماية ترمب وصراع على كشف الوثائق

لا تزال أصداء ملفات الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم استغلال جنسي واسعة، تثير هزات ارتدادية في الأوساط السياسية والقانونية العالمية. وقد تسببت هذه الوثائق في فتح تحقيقات قضائية معقدة واستقالات لمسؤولين رفيعي المستوى، وصولاً إلى إحداث انقسامات داخل عائلات مالكة في أوروبا.

وفي قلب العاصمة واشنطن، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى تجاوز هذا الملف والتركيز على المستقبل، في خطوة اعتبرها خصومه الديمقراطيون محاولة للتغطية على حقائق قد تدين الإدارة الحالية. وتأتي هذه الدعوات في وقت تصر فيه المعارضة على ضرورة الكشف الكامل عن كافة الوثائق المحجوبة لضمان العدالة.

من جانبها، برزت المدعية العامة الأمريكية بام بوندي كخط دفاع أول عن الرئيس ترمب أمام الكونغرس، حيث أكدت في شهادتها أن الإدارة الحالية هي الأكثر شفافية في تاريخ الولايات المتحدة. غير أن هذه التصريحات قوبلت بانتقادات حادة من قبل أعضاء في الحزب الديمقراطي الذين يرون في سلوكها انحيازاً سياسياً.

وتشير التقارير إلى أن جيفري إبستين أدار شبكة معقدة للاستغلال الجنسي استهدفت قاصرات لم تتجاوز أعمار بعضهن 14 عاماً. وقد انتهت حياة إبستين داخل زنزانته في نيويورك عام 2019، مما ترك تساؤلات معلقة حول الشخصيات العالمية التي تورطت معه في تلك الأنشطة المشبوهة.

وتضم قائمة الأسماء المرتبطة بالملف شخصيات من العيار الثقيل، من بينهم الرئيس الأسبق بيل كلينتون، والأمير البريطاني أندرو، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك. كما ورد اسم دونالد ترمب في الوثائق، وهو ما يضعه تحت مجهر التدقيق الشعبي والقانوني رغم نفي الإدارة المستمر لأي صلة غير قانونية.

وفي هذا السياق، أكدت إيفيت ألكسندر، عضو مجلس واشنطن العاصمة أن وزارة العدل تقع على عاتقها مسؤولية حماية المجتمع والضحايا وليس الدفاع عن شاغل البيت الأبيض. وأوضحت أن الوثائق المتبقية تحتوي على أسماء صريحة لمرتكبي جرائم وآلاف الضحايا الذين ينتظرون الإنصاف القانوني.

وشددت ألكسندر في تصريحات لمصادر إعلامية على أن المدعية العامة لم تلتقِ حتى الآن بأي من الضحايا الواردة أسماؤهم في الملفات، مما يثير شكوكاً حول جدية التحقيقات الجارية. واعتبرت أن التركيز الحالي ينصب على حماية المصالح السياسية بدلاً من ملاحقة المتورطين في شبكة إبستين.

كما لفتت الأنظار إلى وضع غيسلين ماكسويل، شريكة إبستين، التي تقضي عقوبتها في ظروف وصفتها بالـ 'مريحة'، بينما تحاول التفاوض لتجنب كشف مزيد من الأسرار. ويرى مراقبون أن تقاعس الادعاء عن الحصول على شهادتها الكاملة يمثل ثغرة كبرى في مسار القضية الجنائية.

على المقلب الآخر، يرى المحلل السياسي بيتر روف أن القضية باتت ساحة للصراع الحزبي، حيث يسعى الديمقراطيون لإدانة ترمب سياسياً رغم مرور أكثر من عقدين على بعض الأحداث. وأشار روف إلى أن تقادم الزمن أدى إلى اختفاء بعض الأدلة وتغير شهادات الشهود، مما يجعل الإدانة القانونية أمراً معقداً.

وحذر روف من أن الإفراج الكامل عن الوثائق قد يتضمن معلومات غير مدققة، مما قد يفتح الباب أمام نشر مزاعم يصعب التحقق منها وتضر بسمعة أشخاص قد يكونون أبرياء. واعتبر أن تولي المدعية العامة للتحقيقات بشكل شخصي يعد خروجاً عن السياق المهني الذي يتطلب محققين مختصين.

من جهته، ركز ليون فريسكو، نائب وزير العدل الأسبق، على مبدأي الشفافية والمساءلة كركيزتين أساسيتين لحل هذه الأزمة. وأوضح أن هناك قانوناً واضحاً من الكونغرس يلزم بنشر الوثائق، وأن أي تأخير أو نشر متقطع يغذي نظريات المؤامرة ويفقد الشارع الثقة في المؤسسات العدلية.

وأشار فريسكو إلى أن الاهتمام العالمي بالقضية ينبع من تورط شخصيات قدمت خدمات أو حصلت على تسهيلات اجتماعية من إبستين، مما تسبب في استقالات مدوية. وأكد أن السؤال الجوهري الآن يتعلق بمدى دقة المعلومات التي قدمها المسؤولون للكونغرس حول طبيعة علاقاتهم السابقة بالملياردير المدان.

ويرى خبراء قانونيون أن الأولوية القصوى يجب أن تتمثل في تحديد الثغرات النظامية التي سمحت لإبستين بالاستمرار في جرائمه لسنوات طويلة دون رادع. ويطالب هؤلاء بإصلاحات جذرية في قوانين الاتجار بالبشر وضمان عدم سقوط هذه الجرائم بالتقادم مهما طال الزمن أو علا شأن المتورطين.

ختاماً، تبقى قضية إبستين اختباراً حقيقياً لنزاهة القضاء الأمريكي وقدرته على الفصل بين التجاذبات السياسية وتحقيق العدالة الجنائية. ومع استمرار تدفق المعلومات، يترقب الشارع الأمريكي ما ستسفر عنه الأيام القادمة من مفاجآت قد تعيد تشكيل المشهد السياسي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

أحدث الأخبار

السّبت 14 فبراير 2026 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر ميونخ للأمن: أوروبا تبحث عن استقلال استراتيجي وسط تآكل الثقة بواشنطن

انطلقت في مدينة ميونخ الألمانية أعمال مؤتمر الأمن السنوي في دورته الجديدة، وسط حضور دبلوماسي وعسكري رفيع المستوى شمل أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة. وتصدرت ملفات الحروب الراهنة وموازين القوى المتبدلة جدول أعمال الاجتماعات، التي تهدف إلى رسم ملامح مستقبل الأمن الأوروبي في ظل تحديات الطاقة والتكنولوجيا المتسارعة.

أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس في كلمته الافتتاحية أن النظام العالمي يمر بمرحلة تحول جذري لم يشهدها منذ عقود طويلة. وأشار ميرتس إلى أن القواعد الدولية التي حكمت العالم سابقاً تآكلت بشكل كبير، معتبراً أن القوى الصاعدة مثل الصين باتت تعيد صياغة هذه القواعد بما يتوافق مع طموحاتها القومية ومصالحها الاستراتيجية.

وشدد المستشار الألماني على ضرورة أن تمتلك القارة الأوروبية استراتيجية أمنية ودفاعية مستقلة وقادرة على مواجهة التحديات دون الاعتماد الكلي على الأطراف الخارجية. ولفت إلى أن الفجوة السياسية والاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي بدأت تتسع، مما يفرض على الدول الأوروبية تبني سياسة القوة لحماية مصالحها في عالم مضطرب.

من جانبه، أقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن ملامح 'العالم القديم' قد تلاشت بالفعل أمام التحولات الجيوسياسية الراهنة التي تفرض واقعاً جديداً. وأوضح روبيو أن واشنطن تجد نفسها مضطرة لإعادة تقييم دورها القيادي في المرحلة المقبلة، بما يتناسب مع المتغيرات الدولية وحجم الالتزامات المطلوبة منها تجاه حلفائها.

وفي موقف اتسم بالتشدد تجاه التبعية لواشنطن، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تحقيق استقلال أوروبي كامل وشامل في المجالات الدفاعية والسياسية. واعتبر ماكرون أن العلاقات عبر الأطلسي تمر بمرحلة من عدم اليقين، مطالباً الإدارة الأمريكية بتوضيح طبيعة الالتزامات التي يمكن أن تقدمها للأوروبيين في ظل الأزمات المتصاعدة.

وشهد اليوم الأول للمؤتمر مطالبات أوروبية صريحة للجانب الأمريكي بضرورة الكف عن توجيه الانتقادات المستمرة للقارة العجوز والعمل على إحياء الثقة المتبادلة. وحذر القادة المشاركون من أن استمرار التراشق الإعلامي والسياسي يضعف الجبهة الغربية أمام التهديدات المشتركة التي تفرضها القوى المنافسة في الشرق.

الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب قدم رؤية تفصيلية حول مجالات التعاون الممكنة مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن حلف شمال الأطلسي يظل المظلة الأساسية للدفاع والتكنولوجيا. وأوضح ستاب أن هناك ملفات حيوية مثل المعادن الاستراتيجية وكاسحات الجليد يمكن العمل عليها بشكل مشترك، رغم وجود خلافات ودية حول قضايا المناخ والمؤسسات الدولية.

وفي سياق متصل، كشف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته عن وجود 'تغيير في الذهنية' داخل أروقة الناتو، حيث بدأت أوروبا تضطلع بدور قيادي أكبر. وأكد روته أن تقوية المكون الأوروبي داخل الحلف لا يعني الانفصال، بل يؤدي إلى تمتين الصلة بين ضفتي الأطلسي وجعلها أكثر مرونة في مواجهة الأزمات العالمية.

وتستمر فعاليات المؤتمر حتى يوم الأحد المقبل، حيث تحتضن عاصمة مقاطعة بافاريا سلسلة من الاجتماعات المغلقة والمباحثات غير الرسمية بين الوفود المشاركة. وتجري هذه اللقاءات وسط تدابير أمنية مشددة في قلب المدينة التاريخي، بهدف التوصل إلى تفاهمات مشتركة حول قضايا الأمن الجماعي والردع الاستراتيجي.

وتعكس النقاشات الدائرة في ميونخ رغبة أوروبية جامحة في تقليل الاعتماد على الضمانات الأمنية التقليدية والتوجه نحو بناء قدرات ذاتية متطورة. ويجمع المراقبون على أن نتائج هذا المؤتمر ستحدد شكل التحالفات الدولية في السنوات القادمة، خاصة في ظل التنافس التكنولوجي والاقتصادي المحموم بين القوى الكبرى.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس

لقاء لإشهار الكتاب ومناقشته في الخليل: "زهرات في قلب الجحيم” يكتب سيرة الأسيرات ويعيد الاعتبار للحكاية الإنسانية في “الدامون”

احتضنت مدينة الخليل لقاءً ثقافيًا وطنيًا خُصص لإشهار ومناقشة كتاب زهرات في قلب الجحيم للكاتب والمحامي الحيفاوي حسن عبادي، بتنظيم من نادي الأسير الفلسطيني، وذلك في قاعة مركز إسعاد الطفولة – بلدية الخليل. وشهد اللقاء حضورًا لافتًا من الأسيرات المحررات، وذوي الأسيرات القابعات في سجن “الدامون”، إلى جانب شخصيات رسمية ووطنية وثقافية من المحافظة. وأدارت الفعالية الإعلامية رزان القواسمة، واستُهلت بالوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء.

وفي كلمته الترحيبية، شدّد مدير عام نادي الأسير أمجد النجار على مركزية قضية الأسيرات في الوعي الوطني، خاصة في ظل تصاعد الانتهاكات بحقهن، وما شهده سجن “الدامون” من تدهور غير مسبوق في الظروف الاعتقالية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، من اكتظاظ قاسٍ وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، إلى سياسات التجويع والعزل والإهمال.

ويشكّل الكتاب شهادة توثيقية حيّة لتجربة خمس وسبعين أسيرة داخل سجن “الدامون”، استند فيها عبادي إلى سلسلة زيارات قانونية امتدت من أيار/مايو 2021 حتى شباط/فبراير 2024. ويغوص العمل في تفاصيل الاعتقال والأحكام واليوميات خلف القضبان، كاشفًا الأبعاد النفسية والاجتماعية لمعاناة الأسيرات، ومبرزًا دور الزيارة القانونية في كسر العزلة، ونقل رسائل الأهل وصور الأبناء، بما يعزز خيوط الصمود في مواجهة القهر.

وخلال اللقاء، قدّمت الدكتورة منى أبو حمدية قراءة نقدية معمّقة، أكدت فيها أن الكتاب نجح في نقل قضية الأسيرات من حيّز الإحصاء إلى فضاء السرد الإنساني، حيث تتحول الأسيرة إلى صوت وحكاية وذاكرة. وأشادت بالمزاوجة بين البعد التوثيقي والنَفَس الأدبي، معتبرة أن العمل يسهم في صون الرواية الفلسطينية وترسيخها في الوعي الجمعي.

من جانبه، أوضح عبادي أن مشروعه يتجاوز حدود المهنة القانونية، ليحمل رسالة وطنية وأخلاقية تهدف إلى تدويل قضية الأسيرات، عبر التواصل مع مؤسسات إعلامية وحقوقية دولية، مؤكدًا أن كل زيارة كانت التزامًا إنسانيًا قبل أن تكون واجبًا مهنيًا.

وتحدث الأسير المحرر راتب حريبات عن أهمية التوثيق في هذه المرحلة، مشيرًا إلى أن ما يدور خلف الجدران يفوق ما يصل إلى العلن، وأن تسليط الضوء على تجربة الأسيرات يعزز حضور القضية في الفضاءين الإعلامي والحقوقي، خاصة في ظل ما تتحمله المرأة الأسيرة من معاناة مركّبة بين قسوة الاعتقال وقلقها الدائم على أسرتها.

بدوره، رأى مدير نادي الندوة الثقافي أحمد الحرباوي أن الكتاب يتجاوز كونه توثيقًا قانونيًا ليغدو نصًا مقاومًا يشتبك مع الذاكرة الوطنية، ويحوّل الزيارة إلى فعل سردي يحمل دلالات رمزية عميقة، ويضيف بعدًا نوعيًا لأدبيات السجن الفلسطينية من خلال إبراز الصوت النسوي المقاوم.

كما قدّمت عدد من الأسيرات المحررات شهادات حية عن التجارب التي وثّقها الكتاب، مؤكدات أن الزيارات القانونية مثّلت لهن نافذة ضوء في عتمة الزنازين، وأسهمت في كسر العزلة المفروضة عليهن، وشددن على أهمية توثيق هذه الحكايات لحماية الرواية الفلسطينية من التغييب.

وفي ختام اللقاء، كرّم ذوو الأسيرات الكاتب حسن عبادي تقديرًا لجهوده في توثيق معاناة بناتهم، مؤكدين أن الكتاب أسهم في إيصال صوتهن إلى المجتمع وتعزيز حضورهـن في المشهدين الإعلامي والحقوقي. وأجمع المشاركون على أن الالتفاف الجماهيري حول “زهرات في قلب الجحيم” يعكس عمق التضامن مع قضية الأسرى والأسيرات، ويؤكد أن كل شهادة تُدوَّن من خلف القضبان تمثل فعل مقاومة وانتصارًا للكرامة الإنسانية والذاكرة الوطنية

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس

لقاء ثقافي للدكتورة سارة الشماس في سبسطية حول التراث

نظمت بلدية سبسطية، بالتعاون مع الجمعية الفلسطينية للسياحة البيئية، لقاءً ثقافيًا بعنوان "التراث الفلسطيني بين المعرفة والمسؤولية الوطنية"، قدمته الباحثة والكاتبة الدكتورة سارة محمد الشماس، وذلك في قاعة بلدية سبسطية، بحضور رئيس بلدية سبسطية محمد العازم، ورئيس الجمعية الفلسطينية للسياحة البيئية أحمد بطاح، وممثل محافظ محافظة نابلس محمد حواري، ومدير عام وزارة السياحة والآثار في نابلس هيثم اشتية، إلى جانب ممثلين عن وزارة الحكم المحلي، وأعضاء بلدية سبسطية، وممثلين عن مجلس قروي برقة ومجلس قروي الناقورة، وعدد من الشخصيات الاعتبارية، وبمشاركة فاعلة من الطلبة والطالبات رواد مكتبة بلدية سبسطية ومختلف فئات المجتمع المحلي.

وخلال اللقاء، قدمت الدكتورة الشماس عرضًا معرفيًا حول مؤلفاتها البحثية التي توثق التراث الفلسطيني، مؤكدة أن التوثيق العلمي يشكل مسؤولية وطنية تسهم في حماية الذاكرة الثقافية وتعزيز وعي الأجيال الجديدة بهويتهم الوطنية. واستعرضت مضامين كتبها التي تناولت التراث بوصفه منظومة حياة متكاملة، موضحة أن توثيق التراث ليس مجرد تسجيل للماضي، بل هو فعل معرفي يعزز الانتماء ويحصن الهوية الوطنية في مواجهة التحديات.

وشهد اللقاء حوارًا مثريًا وتفاعلًا واسعًا من الحضور، خاصة من الطلبة، حيث عكست المداخلات اهتمامًا واضحًا بقضايا التراث وأهمية ربط المعرفة الأكاديمية بالمسؤولية المجتمعية، ودور البحث العلمي في صون الإرث الحضاري الفلسطيني ونقله إلى الأجيال القادمة.

وأكدت بلدية سبسطية والجمعية الفلسطينية للسياحة البيئية أن تنظيم هذا اللقاء يأتي في إطار جهودهما لتعزيز الحراك الثقافي في البلدة التاريخية، وترسيخ مكانتها كمركز للمعرفة والتراث، وتعزيز ارتباط المجتمع المحلي، خاصة الطلبة، بهويتهم الثقافية والوطنية.

وفي ختام اللقاء، كرمت بلدية سبسطية والجمعية الفلسطينية للسياحة البيئية الدكتورة سارة محمد الشماس تقديرًا لجهودها العلمية والبحثية في توثيق التراث الفلسطيني، وذلك في لفتة تعبر عن الاعتزاز بالدور الثقافي والمعرفي في حماية الهوية الوطنية وصون الذاكرة الحضارية الفلسطينية.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 8:44 صباحًا - بتوقيت القدس

خليل تفكجي لـ "القدس": شارع قلنديا، قاتل صامت للدولة الفلسطينية واعلان حرب عليها

 وصف الخبير  في شؤون الاستيطان خليل تفكجي شارع قلنديا، بأنه قاتل صامت للتواصل الجغرافي لرسم حدود وتواصل الدولة الفلسطينية المنشودة والقضاء على هذه الامكانية . 

وأوضح ان مخطط هذا الشارع قديم جديد، حيث صدر الامر العسكري فيه، عام 1983  تحت رقم  50 للطرق، الذي يقضي بإقامة شوارع طولية وعرضية في قلب الضفة الغربية، هدفها تجسيد وتحقيق بنية تحتية على الارض تخدم المستوطنات في قلب القدس وغلافها وفي نفس الوقت تحقق هدف تقسيم الضفة  الغربية طوليا وعرضيا، لتسهل السيطرة عليها امنيا وعسكريا .

واشار تفكجي الى انه تم الاعتراض على مخطط هذا الشارع في حينه، ليتم تجميده ثم اعيد الحديث عنه زمن قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية في التسعينات ، في اطار الحديث عن ما اسمي خطة اعادة أحياء هذا المشروع، الذي تولد عنه ما يعرف بشارع رقم 9، الذي يبدأ من باقة الغربية في الداخل الفلسطيني باتجاه منطقة الاغوار الفلسطينية، وأطلق عليه " عابر السامرة" والمرتبط بشارع 45 الذي يمر من كفر قاسم ويخترق الضفة الغربية الى الاغوار. 

وسبق ان تم تجميد هذا المخطط حتى شهر أيلول من العام الماضي، لتتم المصادقة عليه بهدف استراتيجي يتمثل بتنفيذ إقامة مستعمرة عطروت بـ 9000 آلاف وحدة استيطانية، حتى يتم ربط هذه المستوطنة بالمستوطنات الواقعة خارج حدود الجدار العنصري مثل مستوطنات " ميغرون" و"كوخاف يعقوب" و "بيت ايل" إضافة الى احداث فصل  للبنية التحتية وخاصة شوارع الضفة عن شوارع المستوطنات. مما يؤدي حسب تخطيط الاحتلال الى حركة سير سريعة للمستوطنين الاسرائيليين دون حواجز او اعاقات في اطار ما يسمونه بالقدس الكبرى بالمفهوم الاسرائيلي والتي تعادل مساحتها 10% من مساحة الضفة الغربية.

واعتبر تفكجي ان شارع قلنديا الذي يبلغ طوله ستة آلاف كم، يلتهم اراضي قلنديا والرام وجبع وتنتشر فيه حفر الانفاق ليتم ربطه مع شارع الطوق الذي يلتف ويحيط بالقدس بما فيه من أنفاق لربط مستوطنات ومستعمرات غوش عتصيون في الجنوب وما يجري الان من تنفيذ متسارع لما بات يعرف بشارع " السيادة"  الذي يتماس مع مناطق العيزرية وابو ديس والسواحرة الشرقية ، بهدف عزل التجمعات الفلسطينية من خلال بنى تحتية للفلسطينيين تختلف عن البنى التحتية للمستوطنين في عزل كامل للبلدات الفلسطينية عن المستوطنات التي تلتهم الاخضر واليابس..؟!

وخلص تفكجي  الى ان شارع قلنديا او شارع 45 هو تعبير مكثف لتوسيع الاستيطان الاسرائيلي وصولا الى فرض الامر الواقع وتحقيق حلم القدس الكبرى واحداث عملية فصل كامل ومنع التواصل الجغرافي بين البلدات الفلسطينية والاسرائيلية.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 8:42 صباحًا - بتوقيت القدس

أوكاسيو-كورتيز: الدعم العسكري الأميركي غير المشروط لإسرائيل "مكّن ألإبادة" في غزة

قالت النائبة الأميركية الديموقراطية، ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز (من ولاية نيويورك) إن المساعدات العسكرية الأميركية "غير المشروطة" لإسرائيل ساهمت في "تمكين إبادة جماعية في غزة"، داعية إلى إعادة النظر في هذا الدعم وربطه بالقانون الأميركي، ولا سيما قانون "ليهي" التي تمنع تمويل وحدات أمنية أجنبية عند توفر معلومات موثوقة عن تورطها في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وجاءت تصريحات أوكاسيو-كورتيز خلال جلسة في مؤتمر ميونيخ للأمن، الجمعة، تناولت مستقبل السياسة الخارجية الأميركية. وفي سؤال طرحته الصحافية الإسرائيلية هاغار شيزاف من صحيفة "هآرتس" حول ما إذا كان ينبغي لمرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات 2028 إعادة تقييم المساعدات لإسرائيل، أجابت النائبة بأن المسألة "لا تتعلق فقط بانتخابات رئاسية"، بل بضرورة التزام الولايات المتحدة بتطبيق قوانينها.

وأوضحت أوكاسيو-كورتيز أنها ترى أن "المساعدات غير المشروطة، مهما فعل الطرف الآخر، لا تبدو منطقية"، معتبرة أن هذا النهج ساهم في سقوط "آلاف النساء والأطفال" في غزة، ووصفت ذلك بأنه كان "قابلاً للتجنب". وأضافت أن تطبيق قوانين ليهي "مناسب" عندما تظهر انتهاكات جسيمة، لأن هذه القوانين تلزم واشنطن بوقف التمويل في مثل هذه الحالات.

وينص قانون ليهي، التي سميت نسبة إلى السيناتور الأميركي السابق باتريك ليهي، على حظر تقديم الدعم من وزارتي الدفاع والخارجية لوحدات من قوات أمن أجنبية إذا توافرت معلومات موثوقة تربطها بارتكاب انتهاكات كبيرة. غير أن تطبيق هذه القوانين على إسرائيل ظل محل جدل طويل في واشنطن، رغم تأكيد وزارة الخارجية أن الوحدات الإسرائيلية تخضع للمعايير ذاتها مثل أي دولة أخرى.

وقال تشارلز بلاها، المدير السابق للمكتب المسؤول عن تدقيق "ليهي" في الخارجية الأميركية، قوله إن خضوع إسرائيل للمعايير نفسها قد يكون صحيحاً "نظرياً"، لكنه "غير صحيح عملياً"، في إشارة إلى ما يراه ازدواجية في التطبيق.

في المقابل، امتنع السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي مات ويتاكر عن الإجابة المباشرة على سؤال بشأن إعادة تقييم المساعدات، مكتفياً بالقول إن إسرائيل "أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة"، وهو رد عكس استمرار الحساسية السياسية داخل المؤسسة الرسمية الأميركية تجاه أي نقاش علني حول شروط الدعم العسكري.

وفي سياق آخر، كانت أوكاسيو-كورتيز قد هاجمت في وقت سابق الرئيس دونالد ترمب، متهمة إياه بالسعي إلى إدخال الولايات المتحدة في "عصر من السلطوية"، عبر سياسة خارجية تقوم على الانكفاء وإعادة توزيع النفوذ العالمي. وقالت إن ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو يعملان على "سحب الولايات المتحدة من العالم" لخلق نظام يسمح له بالهيمنة على نصف الكرة الغربي وأميركا اللاتينية، بينما يمنح روسيا هامشاً أوسع للضغط على أوروبا.

وقدمت النائبة ما سمته "رؤية بديلة" لسياسة خارجية يسارية، تدعو إلى العودة إلى "نظام قائم على القواعد"، لكن من دون "نفاق" السياسة الأميركية التقليدية، في إشارة إلى ازدواجية المعايير بين الخطاب الأميركي حول حقوق الإنسان وبين سياساته الفعلية تجاه حلفائه.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ملف الحرب على غزة بات مرشحاً لأن يلعب دوراً متزايداً في حسابات الحزب الديمقراطي الانتخابية. فبينما لا يزال حجم تأثير القضية على انتخابات 2028 غير واضح، فإن عدداً من الأسماء الديمقراطية التي تُطرح كمرشحين محتملين بدأوا بالفعل يتعرضون لأسئلة محرجة حول المساعدات لإسرائيل، وسط انقسام داخلي بين تيار تقليدي يفضل استمرار النهج السابق، وآخر أكثر نقداً يتبنى خطاباً قريباً من أوكاسيو-كورتيز.

وتعكس تصريحات أوكاسيو-كورتيز انتقال النقاش داخل الحزب الديمقراطي من مستوى الاعتراض الأخلاقي إلى مستوى المساءلة القانونية. فاستدعاء قوانين ليهي لا يطرح سؤالاً سياسياً فقط، بل يضع واشنطن أمام اختبار تطبيق القانون على الحلفاء كما على الخصوم. وهذا التحول قد يفتح الباب أمام ضغط مؤسسي وإعلامي متزايد، خصوصاً مع اتساع التوثيق الدولي لضحايا الحرب في غزة، وصعوبة استمرار خطاب "الدعم غير المشروط" دون كلفة داخلية.

وبحسب المراقبين، فإن ما يربك الديمقراطيين أن غزة أصبحت نقطة تقاطع بين السياسة الداخلية والخطاب الدولي. فمن جهة، يهاجم الحزب ترمب باعتباره تهديداً للنظام العالمي القائم على القواعد، ومن جهة أخرى يجد نفسه متهماً بازدواجية المعايير بسبب استمرار الدعم العسكري لإسرائيل. وإذا لم ينجح الحزب في إنتاج صيغة جديدة توازن بين التحالف والمساءلة، فإن الملف قد يتحول إلى عبء انتخابي متجدد في 2028، خصوصاً لدى الشباب والتيار التقدمي في الحزب.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 8:41 صباحًا - بتوقيت القدس

الأمم المتحدة تدافع عن ألبانيزي وتحذّر من حملة تشويه تستهدف المقررين المستقلين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف عن "قلق بالغ" إزاء تصاعد الدعوات الأوروبية المطالبة باستقالة المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، معتبراً أن ما تتعرض له من هجمات شخصية وتهديدات وحملات تضليل لا يخدم النقاش الحقوقي، بل يهدف إلى صرف الانتباه عن جوهر القضية: الانتهاكات الجسيمة والمستمرة في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وقالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، مارتا هورتادو يوم الجمعة، إن المفوضية تشعر بقلق متزايد من استهداف مسؤولي الأمم المتحدة والخبراء المستقلين والقضاة بهجمات شخصية وتهديدات ومعلومات مضللة. وأضافت أن هذا النمط بات يتكرر في أكثر من ملف، بما يعكس سعياً منظماً لإضعاف أدوات المساءلة الدولية، وإحلال المعركة الإعلامية مكان النقاش القانوني والحقوقي.

وتأتي هذه التطورات في وقت يذكّر فيه مسؤولون أمميون بأن المقررين الخاصين ليسوا موظفين تابعين للأمم المتحدة بالمعنى الإداري، بل خبراء مستقلون يكلّفهم مجلس حقوق الإنسان لرصد الأزمات وتوثيقها، ويتمتعون باستقلالية كاملة. كما أن عزل مقرر خاص خلال فترة ولايته لم يحدث كسابقة، رغم أن دبلوماسيين أشاروا إلى أن الدول الأعضاء في المجلس، المكون من 47 دولة، يمكنها نظرياً تقديم اقتراح بهذا الشأن. غير أن كثيرين يستبعدون تمرير أي قرار ضد ألبانيزي، نظراً لوجود كتلة معتبرة داخل المجلس ترى أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية جزء أساسي من التفويض الأممي.

وما يلفت في موقف مفوضية حقوق الإنسان ليس فقط دفاعها عن ألبانيزي كشخص، بل دفاعها عن فكرة "الخبير المستقل" نفسها. فحين تُستبدل تقارير الرصد القانوني بحملات تشهير، يصبح أي مقرر مستقبلي عرضة للإسكات بمجرد أن يقترب من خطوط سياسية حساسة. هذه ليست معركة حول مصطلح أو خطاب، بل حول من يملك حق تعريف "الشرعية" في النقاش الدولي: القانون الإنساني وحقوق الإنسان، أم ميزان القوة والتحالفات.

وتصاعدت الدعوات لاستقالة ألبانيزي بعد تصريحات أدلت بها عبر تقنية الفيديو في منتدى عقد في الدوحة، قالت فيها إن "عدواً مشتركاً" مكّن إسرائيل من ارتكاب "إبادة جماعية" في غزة، وهو توصيف ترفضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي. وقد نشرت ألبانيزي لاحقاً مقطعاً غير مُعدّل لتصريحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقاً بتعليق يؤكد أن "العدو المشترك للبشرية هو النظام الذي مكّن من الإبادة الجماعية في فلسطين"، بما يشمل رأس المال الذي يمولها والخوارزميات التي تخفيها والأسلحة التي تُمكّنها.

غير أن وزراء خارجية أوروبيين اعتبروا هذه اللغة غير مقبولة، إذ نقل وزير خارجية التشيك بيتر ماسينكا عنها قولها إن إسرائيل "عدو مشترك للبشرية"، وهو ما لم تقله ألبانيزي بهذه الكلمات، ودعا إلى استقالتها. كما قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن منصبها "لا يمكن الدفاع عنه"، بينما وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو تصريحاتها بأنها "شائنة ومستهجنة". وذهبت النمسا وإيطاليا إلى اعتبار أن تصريحاتها تُظهر عدم أهليتها للاستمرار.

في المقابل، يرى المدافعون عن ألبانيزي أن جزءاً كبيراً من الهجوم لا يتصل بتقييم مهني لتقاريرها بقدر ما هو محاولة لإسكات صوت أممي يتحدث بوضوح عن مسؤوليات دولة الاحتلال، ويصر على إدخال الجرائم المحتملة ضمن الإطار القانوني الدولي. ويشير هؤلاء إلى أن ما يُقدَّم بوصفه "اعتراضاً أخلاقياً" غالباً ما يتحول إلى حملة سياسية تُستخدم فيها تهمة معاداة السامية كسلاح جاهز ضد أي خطاب يقترب من نقد إسرائيل أو من توصيف سلوكها في غزة والضفة الغربية.

كما استُحضرت ضد ألبانيزي سلسلة اتهامات تتعلق بتصريحات سابقة اعتُبرت معادية للسامية أو متطرفة ضد إسرائيل أو متساهلة مع حماس. ومن بين ذلك تشكيكها في 11 تشرين الأول 2023 في تقارير عن الاغتصاب والعنف الجنسي (وهو ما ثبت في ما بعد أن ألبانيزي كانت على حق)، وقولها إن الولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان تلك الادعاءات لتصعيد التوتر. كما نُقل عنها أنها اعتبرت إسرائيل غير مخوّلة بالحديث عن "الدفاع عن النفس" فور هجوم حماس، ودعت إلى التعامل مع الإسرائيليين كمشتبه بهم عند سفرهم، وإلى وقف صادرات أدوية إلى إسرائيل، ووصفها بأنها "مجتمع إبادة جماعية" وعائق أمام العدالة العالمية.

وتضمنت الانتقادات أيضاً موقفها من اتهامات طالت موظفين في الأونروا بالمشاركة في أحداث 7 تشرين الأول، واعتبارها تلك الاتهامات "مضللة"، فضلاً عن نشرها رسماً كاريكاتورياً قيل إنه يعكس صوراً نمطية معادية للسامية. كما فرضت الحكومة الأميركية عليها عقوبات العام الماضي بسبب "معاداة السامية الصريحة"، ضمن حملة أوسع استهدفت شخصيات قانونية دولية تنتقد إسرائيل.

وزادت الضغوط بعد رسالة وجهتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حزيران إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، طالبت فيها بإقالة ألبانيزي، واعتبرت أنها متورطة في “معاداة سامية حادة ودعم للإرهاب”. وتلقفت عواصم أوروبية هذه الرسالة بوصفها سنداً سياسياً، في وقت يقرأ فيه مراقبون أن أوروبا تحاول ضبط خطاب المؤسسات الأممية بما لا يحرج مواقفها الداخلية أو تحالفاتها التقليدية.

وردت ألبانيزي على الهجوم بلهجة حادة، معتبرة أن حكومات أوروبية تتهمها "استناداً إلى تصريحات لم تقلها قط"، وبـ"شراسة وقناعة" لم تستخدمها ضد من "ذبحوا أكثر من 20 ألف طفل خلال 858 يوماً" منذ هجوم 7 تشرين الأول 2023. واستندت في ذلك إلى أرقام وزارة الصحة في غزة التي تقول إن عدد القتلى تجاوز 72 ألفاً، من بينهم أكثر من 500 منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، وهي الأرقام التي أقرت بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي الأسبوع الماضي .

ويعتقد الخبراء أن المفارقة أن جزءاً من أوروبا يتعامل مع ألبانيزي كخطر على "الخطاب المعتدل"، بينما يتجاهل أن اللغة القاسية غالباً ما تكون انعكاساً لواقع قاسٍ. فحين تتضخم أعداد القتلى ويُغلق أفق المساءلة، يصبح الصدام بين القانون والسياسة أكثر حدة. استقالة المقررة لن تغيّر الوقائع على الأرض، لكنها قد تغيّر شيئاً أخطر: سقف ما يمكن أن يقوله أي مسؤول أممي عن إسرائيل دون أن يتعرض للتجريم. كما أن السجال حول ألبانيزي يعكس صراعاً أوسع: هل تُترك المؤسسات الحقوقية لتقوم بدورها الطبيعي في النقد والمساءلة، أم تُحاصر سياسياً كلما اقتربت من ملفات تعتبرها دول نافذة "محظورة"؟

وبين دفاع مفوضية حقوق الإنسان عن المقررين المستقلين، وتصاعد حملة أوروبية ضد ألبانيزي، تبدو المعركة أبعد من شخص واحد. إنها اختبار مباشر لقدرة منظومة حقوق الإنسان الدولية على حماية أدواتها من الابتزاز السياسي، وإبقاء النقاش مركزاً على الضحايا والوقائع، لا على حملات التشهير والاتهامات الجاهزة بحسب الخبراء.

أقلام وأراء

السّبت 14 فبراير 2026 8:38 صباحًا - بتوقيت القدس

بين خطاب التحذير وخطاب الصدمة: أي طريق أمام المالية الفلسطينية؟

حين يخرج وزير المالية ليحذر من أن عام 2026 سيكون الأصعب في تاريخ السلطة الوطنية، وحين يرد صوت قانوني مطالبا بإعلان الطوارئ والتأميم ووقف الديون وبيع الأصول، فنحن لا نكون أمام اختلاف عابر في وجهات النظر، بل أمام مقاربتين متكاملتين في تشخيص الخطر ومختلفتين في وصف العلاج. الأولى تحاول إدارة الانهيار ومنعه عبر تثبيت السردية السياسية والمالية بأن جوهر الأزمة خارجي سببه احتجاز أموال المقاصة، والثانية ترى أن لحظة "التهديد الوجودي" تستوجب قرارات صادمة تعيد تعريف قواعد اللعبة بالكامل. وبينهما تتحدد مساحة المسؤولية الحقيقية.

خطاب وزير المالية اسطفان سلامة جاء مدعوما بالأرقام: عشرة أشهر دون تحويل المقاصة، عجز تضاعف، مديونية ارتفعت، ومؤسسات تعمل دون الحد الأدنى. الرسالة المركزية واضحة: ليست أزمة سوء إدارة بل نتيجة قرار الاحتلال الاسرائيلي بتجفيف الموارد. هذا الخطاب مهم لأنه لا يجمّل الواقع، ويضع الرأي العام أمام حقيقة قاسية، لكنه يظل في إطار التفسير والتحذير أكثر مما ينتقل إلى إعادة تعريف النموذج المالي نفسه إذا استمر الحجز أو تصاعدت الضغوط.

في المقابل، خطاب المحامي صلاح موسى لا يكتفي بالتوصيف، بل يدعو إلى سلوك استثنائي بحجم الأزمة: إعلان حالة الطوارئ، تأميم المرافق، وقف سداد الديون، تجميد السفر، تخفيض رواتب القيادات، بيع الأصول، وإنشاء صندوق عالمي للرواتب. قوته تكمن في أنه يكسر منطق الاعتياد الإداري، ويطالب بعدالة تقشفية واضحة، ويرفض استمرار نمط الدولة "الطبيعية" تحت ظرف استثنائي. غير أن بعض مقترحاته، إن نُفذت حرفيا، قد تنقلنا من أزمة سيولة إلى أزمة نظام مالي ومصرفي شامل، وهو ما لا يحتمله المجتمع في هذه اللحظة.

الحقيقة أن كلا الخطابين يلتقيان في توصيف الخطر ويفترقان في منهج التعامل معه. الوزير يسعى إلى الاحتواء ومنع الذعر، وصلاح موسى يدفع نحو صدمة تعيد ترتيب الأولويات. ومن منظور استراتيجي، لا يكفي أحدهما وحده. المطلوب ليس إدارة عجز ولا قفزة في المجهول، بل مسارًا عمليا متدرجا يجمع بين الشجاعة والانضباط، وبين الإصلاح البنيوي والحفاظ على الاستقرار. ويمكن صياغة هذا المسار على النحو التالي:

1-إعلان حالة مالية استثنائية محصورة في القطاع العام، دون المساس بالقطاع الخاص أو ضرب الثقة الاستثمارية.

2-تقشف قيادي فوري وعلني يشمل تخفيض رواتب ومخصصات القيادات العليا، ووقف النثريات والامتيازات غير الضرورية وتجميد التعيينات الجديدة.

3-إعادة هيكلة الإنفاق العام عبر دمج المؤسسات المتكررة ووقف المشاريع غير ذات الأولوية، وتوجيه الموارد حصريا إلى الصحة والتعليم والأمن والخدمات الأساسية.

4-حماية الجهاز المصرفي كخط أحمر، وفتح حوار لإعادة جدولة مدروسة بدل اللجوء إلى قرارات شعبوية بوقف السداد.

5-تعزيز الإيرادات المحلية بعدالة صارمة عبر مكافحة التهرب والتهريب وضبط المعابر وتحويل الالتزام الضريبي إلى قيمة وطنية.

6-مراجعة العقود والتسويات السابقة بشفافية من خلال فريق قانوني-مالي مستقل لاسترداد أي أموال مهدورة.

7-تحريك مسار سياسي-دولي مكثف بشأن أموال المقاصة وربط الاستقرار المالي الفلسطيني بالاستقرار الإقليمي.

8-إنشاء آلية دعم طارئ مؤقتة للقطاعات الحيوية، تحت إشراف سيادي فلسطيني واضح يمنع تفريغ الخزينة من دورها المركزي.

9-إطلاق حوار وطني اقتصادي شامل لإعادة التفكير في نموذج اقتصادي أقل اعتمادا على المقاصة وأكثر قدرة على الصمود.

10-الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تعريف نموذج السلطة ليكون أخف كلفة، أعلى كفاءة، وأكثر عدالة في توزيع الأعباء.

بهذا التدرج يمكن الجمع بين تحذير الوزير ونداء الصدمة، دون الوقوع في فخ الإنكار أو المغامرة غير المحسوبة. الأزمة حقيقية ووجودية، لكن إدارتها تحتاج إلى شجاعة محسوبة لا إلى اندفاع غير مدروس، وإلى إصلاح بنيوي عميق لا إلى خطابات مؤقتة. عام 2026 لن يكون مجرد عام مالي صعب، بل لحظة فاصلة تُحدد إن كنا قادرين على التحول من إدارة الاعتماد إلى بناء نموذج صمود مستدام، أم سنبقى رهائن لدورة الأزمات ذاتها.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 7:22 صباحًا - بتوقيت القدس

وثائق رسمية تكشف تورط الملياردير ليون بلاك في جرائم اغتصاب قاصرات بقصر إبستين

أظهرت وثائق قضائية جديدة أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية تفاصيل صادمة حول تورط الملياردير ليون بلاك في اعتداءات جنسية استهدفت قاصرات. وتكشف هذه الملفات المرتبطة بقضية جيفري إبستين عن تورط بلاك، الذي يعد من المقربين للدائرة الضيقة لتاجر الجنس الراحل، في ممارسات غير قانونية داخل قصور فارهة في مانهاتن.

وأشارت التحقيقات التي أجراها مكتب المدعي العام في مانهاتن إلى شهادات أدلت بها امرأة تعرضت للمتاجرة لأغراض جنسية حين كانت في السادسة عشرة من عمرها. وأكدت الضحية في إفادتها أن إبستين وشريكته غيسلين ماكسويل قاما بتقديمها لعدة أشخاص نافذين، كان من بينهم ليون بلاك الذي اتهمته باغتصابها بشكل مباشر.

وتضمنت الوثائق إفادات لثلاث فتيات أخريات وجهن اتهامات مماثلة لبلاك، الذي كان يعتبر أحد الركائز المالية الأساسية لإمبراطورية إبستين المشبوهة. وكشفت إحدى الوثائق أن عمليتي اغتصاب على الأقل وقعتا داخل قصر إبستين في مانهاتن خلال عام 2002، حيث استغل المتهم نفوذه وسطوته المالية.

وروت إحدى الناجيات تفاصيل محاولة هربها من منزل إبستين بعد أن طُلب منها تقديم خدمات تدليك لبلاك، حيث حاول الأخير إجبارها على إقامة علاقة جنسية. وتصف الوثائق حالة من الرعب عاشتها الضحايا نتيجة السلوكيات العدوانية التي كان يمارسها الملياردير الأمريكي خلف الأبواب المغلقة.

ونقلت مصادر قضائية عن شهادة المرأة أن بلاك استخدم عنفاً مفرطاً أثناء الاعتداء عليها، مما أدى إلى إصابتها بجروح قطعية ونزيف حاد في أعضائها التناسلية. وأضافت الشهادة أن المعتدي استخدم أدوات حادة تسببت في آلام مبرحة للضحية التي كانت لا تزال قاصراً في ذلك الوقت، دون أن تُقدم لها أي إسعافات.

ويُعرف ليون بلاك في الأوساط الاقتصادية كأحد أباطرة الاستثمار في قطاع الأسهم الخاصة بالولايات المتحدة، حيث قاد شركة 'أبولو جلوبال مانجمنت' لسنوات طويلة. كما تمتع بمكانة اجتماعية وثقافية مرموقة، تجلت في رئاسته لمجلس إدارة متحف الفن الحديث في نيويورك لفترة استمرت حتى عام 2021.

وإلى جانب نشاطه الاقتصادي، يبرز اسم بلاك كأحد أكبر الممولين والداعمين للمؤسسات الصهيونية وجيش الاحتلال الإسرائيلي عبر تبرعات بملايين الدولارات. وقد ارتبط اسمه بشكل وثيق بتمويل الأنشطة التي تهدف إلى تعزيز القدرات اللوجستية لجنود الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتشير التقارير إلى أن بلاك قدم دعماً مالياً سخياً لما يُعرف بمنظمة 'أصدقاء جيش الدفاع'، وهي هيئة تنشط في جمع التبرعات لتوفير الرفاهية والدعم المعنوي واللوجستي للوحدات العسكرية الإسرائيلية. هذا الارتباط الوثيق يضع الملياردير في واجهة الانتقادات الحقوقية نظراً لتناقض نشاطه الخيري المزعوم مع الاتهامات الجنائية الخطيرة.

تأتي هذه التسريبات لتفتح فصلاً جديداً من فضائح شبكة إبستين التي لا تزال تلاحق شخصيات عالمية بارزة في مجالات السياسة والمال. ومن المتوقع أن تثير هذه الوثائق ضغوطاً قانونية واجتماعية متزايدة على المؤسسات التي لا تزال ترتبط بعلاقات مالية أو تكريمية مع ليون بلاك في ظل هذه الحقائق المروعة.

عربي ودولي

السّبت 14 فبراير 2026 5:52 صباحًا - بتوقيت القدس

البشرية على حافة الهاوية: 85 ثانية تفصل العالم عن 'ساعة الفناء'

تعود الذاكرة التاريخية إلى عام 1945 حين تنبأ عالم الذرة روبرت أوبنهايمر بأن انتشار الأسلحة النووية لن يكون عائقاً تقنياً بقدر ما هو قرار سياسي بيد القادة والساسة. ورغم توقعات الرئيس الأمريكي الأسبق جون كندي في الستينيات بأن العالم سيشهد بروز عشرين دولة نووية بحلول منتصف السبعينيات، إلا أن الخارطة النووية الحالية لا تزال محصورة في تسع دول فقط، وهو ما يصفه مراقبون بالمعجزة السياسية التي حافظت على توازن الرعب لعقود طويلة.

تبرز التجربة الأوكرانية كأحد أكثر الدروس قسوة في تاريخ العلاقات الدولية، حيث تخلت كييف عام 1994 عن ترسانة ضخمة ورثتها عن الاتحاد السوفيتي تضم نحو خمسة آلاف رأس نووي. هذا القرار الذي جاء بضغط وإقناع من إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون مقابل ضمانات أمنية، بات اليوم محل ندم صريح؛ إذ أقر كلينتون في تصريحات حديثة بأن تجريد أوكرانيا من درعها النووي هو ما شجع الطموحات الروسية وأدى في نهاية المطاف إلى الغزو العسكري.

يشهد النظام الدولي حالياً تصدعاً في 'المظلة النووية الأمريكية' التي كانت تمنع الحلفاء من تطوير قدراتهم الخاصة، وذلك نتيجة التحولات في السياسة الخارجية الأمريكية وتراجع الالتزام بمعاهدات الحد من التسلح الاستراتيجي مثل 'ستارت'. هذا الفراغ الأمني دفع دولاً مثل بولندا للتعبير علانية عن رغبتها في دخول النادي النووي، بل وامتدت الدعوات لتشمل الدول الإسكندنافية وعلى رأسها السويد، مما ينذر بسباق تسلح جديد ينهي حقبة 'عدم الانتشار'.

في ظل هذه المعطيات، أطلقت 'نشرة علماء الذرة' إنذاراً هو الأخطر من نوعه، حيث زحفت عقارب 'ساعة يوم القيامة' لتستقر عند 85 ثانية فقط قبل منتصف الليل، وهو التوقيت الرمزي لنهاية البشرية. ويعكس هذا التقريب المستمر للعقارب حجم المخاطر الوجودية التي لا تقتصر على الرؤوس النووية فحسب، بل تمتد لتشمل الفشل الدولي في مواجهة التغير المناخي المتسارع والتهديدات الناشئة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي غير المنضبطة.

بالنظر إلى تاريخ هذه الساعة المجازية التي تأسست عام 1947 بمشاركة علماء كبار مثل أينشتاين، نجد أن العالم كان أكثر أماناً حتى في ذروة الحرب الباردة مقارنة باليوم. فبينما كان الفارق يصل إلى 17 دقيقة عقب توقيع اتفاقيات خفض التسلح عام 1991، فإن الواقع الراهن يشير إلى أن البشرية تعيش 'منتصف ليلها' في ظل انتشار أنظمة الاستبداد وغياب لغة الحوار بين القوى العظمى، مما يجعل هامش الخطأ المتاح ضيقاً للغاية.

عربي ودولي

السّبت 14 فبراير 2026 5:22 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يكشف عن سلاح 'المُربك': تقنية سرية شلت الدفاعات الروسية والصينية في فنزويلا

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خلال لقاء مع القوات الخاصة في قاعدة فورت براغ العسكرية بولاية كارولاينا الشمالية، عن وجود سلاح أمريكي سري للغاية أطلق عليه اسم 'المُربك'. وأكد ترمب أن هذا السلاح يمتلك قدرات تقنية متطورة تمكنه من شل وتعطيل أنظمة الدفاع الجوي الروسية والصينية بشكل كامل، مما يمنح القوات الأمريكية تفوقاً ميدانياً حاسماً.

وأوضح الرئيس الأمريكي أن فعالية هذا السلاح ظهرت بوضوح خلال العملية العسكرية التي نفذتها القوات الخاصة في فنزويلا يوم الثالث من يناير الماضي، والتي أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. وأشار إلى أن الأنظمة الدفاعية التي كانت تحمي المقرات الحساسة في فنزويلا، وهي من صنع روسي وصيني، توقفت عن الاستجابة تماماً لحظة بدء الهجوم.

وفي حديثه أمام الجنود وعائلاتهم، سخر ترمب من فشل التكنولوجيا العسكرية لمنافسي الولايات المتحدة، قائلاً إن القوات الفنزويلية لم تتمكن من إطلاق قذيفة واحدة أو تفعيل منصات الصواريخ. وأضاف أن الخبراء في تلك الدول يحاولون جاهدين فهم الأسباب التقنية وراء هذا التعطل المفاجئ، واعداً بأن العالم سيعرف المزيد عن هذه القدرات في الوقت المناسب.

ووصف ترمب عملية القبض على مادورو، التي نُقل على إثرها إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات، بأنها واحدة من أسرع وأكثر العمليات العسكرية فتكاً في التاريخ الحديث. وأثنى على 'الوطنيين الموهوبين' من القوات الخاصة الذين اقتحموا قاعدة عسكرية محصنة دون أن تنجح أجهزة العدو في رصدهم أو صدهم.

وفي تفاصيل إضافية كشفها لوسائل إعلام أمريكية، قال ترمب إنه اختار اسم 'المُربك' لهذا السلاح شخصياً، مشيراً إلى أن مبدأ عمله يعتمد على 'الضغط على الأزرار' لتتوقف كافة أجهزة الطرف الآخر عن العمل. ورفض الإفصاح عن الآلية العلمية الدقيقة للسلاح، مكتفياً بالقول إن السرية تحيط بهذا الابتكار الذي يغير قواعد اللعبة العسكرية.

من جانبها، أشارت مصادر تحليلية إلى أن هذا السلاح قد يكون تطوراً نوعياً في مجال الحروب الإلكترونية أو أسلحة الطاقة الموجهة. وذكرت المصادر أن الولايات المتحدة استثمرت مليارات الدولارات في تطوير تقنيات قادرة على إرسال نبضات كهرومغناطيسية أو موجات صوتية عالية التردد لتعطيل الدوائر الإلكترونية للأسلحة التقليدية.

وفي سياق متصل، أوضح خبراء عسكريون أن ما يُعرف بـ'أسلحة الطاقة الموجهة' ليست فكرة وليدة اليوم، بل بدأ العمل عليها منذ ستينيات القرن الماضي. إلا أن الوصول إلى مرحلة 'المُربك' يعكس قفزة تقنية في تصغير حجم هذه الأسلحة وزيادة دقتها لتستهدف أنظمة بعينها دون التأثير على القوات الصديقة.

ويرى مراقبون أن تصريحات ترمب العلنية حول هذا السلاح تحمل رسائل سياسية وعسكرية موجهة مباشرة إلى موسكو وبكين، مفادها أن التفوق التكنولوجي الأمريكي لا يزال يسبق الأنظمة الدفاعية الأكثر تطوراً في العالم. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية توتراً متصاعداً حول مناطق النفوذ والتسلح النوعي.

يُذكر أن عملية اعتقال مادورو شكلت صدمة في الأوساط الدولية، حيث تمت في قلب العاصمة الفنزويلية رغم وجود مستشارين عسكريين وأنظمة رادار متقدمة. وتؤكد الرواية الأمريكية الجديدة أن 'المُربك' كان البطل الخفي الذي مهد الطريق للقوات الخاصة لتنفيذ مهمتها والانسحاب دون وقوع خسائر في صفوفها.

عربي ودولي

السّبت 14 فبراير 2026 3:52 صباحًا - بتوقيت القدس

جريمة تنكيل تهز القليوبية: إجبار شاب على ارتداء ملابس نسائية والاعتداء عليه ببنها

سادت حالة من الاستياء الشديد في محافظة القليوبية المصرية عقب تداول مقاطع فيديو توثق اعتداءً وحشياً على شاب بقرية ميت عاصم التابعة لمركز بنها. وأظهرت التسجيلات قيام مجموعة من الأشخاص بمحاصرة الشاب والتعدي عليه بالضرب المبرح، قبل إجباره على ارتداء ملابس نسائية والتجول به في شوارع القرية وسط صيحات الاستهجان والسب.

وبحسب شهادات محلية، فإن الواقعة بدأت حينما توجه نحو 15 شخصاً إلى منزل أسرة الشاب صباح يوم الخميس، مدعين رغبتهم في توفير فرصة عمل له لإخراجه من المنزل. وفور خروجه، قام المعتدون باقتياده بالقوة تحت تهديد الأسلحة البيضاء، مما حال دون قدرة الجيران أو المارة على التدخل لإنقاذه خشية التعرض للأذى.

وأوضح والد المجني عليه في تصريحات صحفية أن نجله كان يتواجد لدى شقيقته حينما حضرت أسرة فتاة تربطه بها علاقة عاطفية بدعوى مناقشة تفاصيل الزواج. إلا أن الأمور تطورت سريعاً إلى هجوم مسلح، حيث أخرج المعتدون أسلحة بيضاء كانت بحوزتهم واختطفوا الشاب إلى الشارع العام لتنفيذ مخططهم في إذلاله وتصويره.

وأشارت مصادر ميدانية إلى أن المعتدين تعمدوا إهانة الشاب علناً وتصوير الواقعة بهواتفهم المحمولة لنشرها على منصات التواصل الاجتماعي بهدف التشهير به. وقد تسببت هذه المشاهد في صدمة كبيرة داخل المجتمع المحلي، خاصة مع استخدام التهديد بالسلاح لمنع أي محاولة من الأهالي لفض النزاع أو حماية الضحية من التنكيل.

وعلى الرغم من التهديدات التي تلقتها أسرة الضحية لمنعهم من اللجوء إلى القضاء، أكد والد الشاب أنهم أصروا على تحرير محضر رسمي فور انتشار المقاطع المصورة. وشددت الأسرة على ضرورة محاسبة المتورطين في هذا العمل الذي وصفوه بالبربري، والذي انتهك كرامة نجلهم وحرمة الشارع العام بشكل صارخ.

من جانبها، تحركت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن القليوبية بشكل فوري عقب رصد الفيديوهات المتداولة، حيث تم تشكيل فريق بحث نجح في تحديد هوية كافة المتورطين. وأسفرت العمليات الأمنية عن ضبط المتهمين خلال ساعات قليلة، وبمواجهتهم أقروا بارتكاب الواقعة بدافع الانتقام لما وصفوه بالدفاع عن الشرف بسبب العلاقة العاطفية.

وباشرت النيابة العامة تحقيقات موسعة في الحادثة، حيث استمعت لأقوال المجني عليه وعدد من شهود العيان الذين تواجدوا في مسرح الجريمة. وقررت النيابة حبس المتهمين أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع تكليف الأجهزة الفنية بفحص المقاطع المصورة كدليل إدانة، تمهيداً لإحالة القضية إلى المحاكمة الجنائية العاجلة.

اسرائيليات

السّبت 14 فبراير 2026 3:52 صباحًا - بتوقيت القدس

ذهول في أوساط الاحتلال من دقة بنك أهداف حزب الله البحرية

أفادت تقارير صحفية عبرية بوجود حالة من الذهول والصدمة داخل أروقة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وذلك عقب الكشف عن حجم ونوعية المعلومات الاستخباراتية التي تمكن حزب الله من جمعها. وتأتي هذه التطورات بعد استجواب قيادي بارز في الجناح البحري للحزب كان قد اعتُقل قبل نحو عام، حيث أدلى بمعلومات أثارت دهشة المسؤولين الأمنيين حول قدرات الحزب الرصدية.

ووفقاً لما نشرته صحيفة معاريف، فإن المعلومات التي حصل عليها الحزب تتسم بدقة عالية وتتعلق بمواقع المنشآت الاستراتيجية الحساسة في عرض البحر. كما شملت البيانات المسربة تفاصيل دقيقة حول تحركات السفن والقطع البحرية في المناطق التي يصنفها الاحتلال ضمن مياهه الاقتصادية، مما يعكس خرقاً أمنياً واسعاً لم يكن متوقعاً بهذا الحجم.

وفي سياق الرد على هذه التهديدات، نفذت بحرية الاحتلال مناورة عسكرية واسعة النطاق خلال الأيام القليلة الماضية، شاركت فيها وحدات نخبوية من الأساطيل الثالث والـ13 والـ14. وانتهت هذه التدريبات يوم الثلاثاء الماضي، حيث ركزت بشكل أساسي على رفع الجاهزية لمواجهة أي استهداف محتمل للمواقع البحرية الحيوية أو السفن التجارية والعسكرية.

ونقلت مصادر عسكرية أن كمية المعلومات التي كشف عنها الجانب الآخر شكلت أساساً جوهرياً لبناء سيناريوهات التمرين الأخير، حيث تم التدرب على صد هجمات معقدة. وشملت المناورات محاكاة لعمليات مداهمة بحرية وحماية الحدود من تسللات محتملة، بمشاركة فاعلة من سلاح الجو وشعبة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لضمان التنسيق بين مختلف الأذرع.

وأكد جيش الاحتلال أن هذه المناورات جرت في مياه البحر الأبيض المتوسط واستمرت لعدة أيام متواصلة، وتضمنت تدريبات على القتال في مواقع متعددة وبظروف جوية وميدانية متغيرة. ويهدف هذا التحرك العسكري المكثف إلى تعزيز الدفاعات حول حقول الغاز والمنشآت البحرية التي باتت ضمن دائرة استهداف صواريخ ومسيرات حزب الله.

وتشير هذه التطورات إلى تحول في موازين الردع البحري، حيث بات الاحتلال يدرك أن تفوقه التكنولوجي لم يمنع الحزب من بناء بنك أهداف دقيق وحساس. وتستمر الأجهزة الأمنية في مراجعة بروتوكولات حماية السفن والمنشآت الاستراتيجية في ظل التهديدات المتزايدة التي كشفت عنها التحقيقات الأخيرة مع الكوادر الميدانية للحزب.

فلسطين

السّبت 14 فبراير 2026 3:37 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة استراتيجية في أداء المقاومة الفلسطينية: طوفان الأقصى كمنعطف تاريخي

يعد التقييم الموضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية ضرورة استراتيجية لاستخلاص الدروس وتطوير الأداء وتجاوز الثغرات الميدانية. هذا المنهج العلمي يهدف إلى حماية المنجزات من محاولات التشويه التي تقودها قوى متربصة تسعى لإبراز السلبيات وتجاهل الظروف القاسية التي تعمل فيها المقاومة.

تتسم المقاومة في فلسطين بسلوك موجي يتصاعد ويهبط لكنه لا يتوقف أبداً منذ انطلاق أول تنظيم عسكري عام 1919. إن اعتبار 'طوفان الأقصى' نهاية للمقاومة هو خطأ منهجي، فالتاريخ يثبت أن كل موجة تكون عادة أقوى مما سبقتها، كما حدث بين انتفاضتي 1987 و2000 وصولاً إلى المعركة الحالية.

أي تقييم استراتيجي يعتمد فقط على معطيات اللحظة الراهنة أو قسوة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة سيكون قاصراً وفاشلاً. يجب النظر إلى المسارات الكلية التي أحدثت هزة عنيفة في أصل فكرة وجود الاحتلال ودوره الوظيفي وسقوط مشروعيته الأخلاقية أمام العالم أجمع.

حققت المعركة نتائج غير مسبوقة على صعيد الهجرة العكسية، حيث غادر نحو 550 ألف يهودي في الأشهر الستة الأولى فقط. كما تصدرت القضية الفلسطينية الأجندة العالمية، وارتفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 159 دولة، مما وضع الاحتلال في عزلة دولية خانقة.

قبل انطلاق الطوفان، كانت حكومة الاحتلال تسعى لتنفيذ 'خطة الحسم' عبر تسريع التهويد وضم المسجد الأقصى والضفة الغربية. وقد ظهر ذلك جلياً في خطاب نتنياهو بالأمم المتحدة قبل أسبوعين من المعركة، حين عرض خريطة تلغي وجود الضفة وغزة تماماً.

جاء قرار عملية طوفان الأقصى ليعطل محاولات الشطب الهادئ والمجاني للقضية الفلسطينية في ظل بيئة تطبيع إقليمي متسارعة. وبالرغم من الأثمان الباهظة، إلا أن العملية أثبتت للعالم استحالة تجاوز إرادة الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره.

يرى مراقبون أن الذين ينتقدون المقاومة 'بحكمة أثر رجعي' يتجاهلون أن البديل كان سيكون استفراداً صهيونياً كاملاً بالقدس والأقصى. فالمقاومة قدرت المخاطر وفق الإمكانات المتاحة في ظل حصار خانق وتواطؤ دولي، وقامت بواجبها الدفاعي لمنع تصفية القضية.

تؤكد الوقائع الميدانية أن المقاومة لم تُهزم، حيث اعترف الاحتلال بفشله في تحقيق أهدافه المعلنة بسحق قدراتها العسكرية. كما عجز الجيش الإسرائيلي عن تحرير أسير واحد بالقوة، وظلت السيطرة الميدانية للمقاومة في المناطق التي ينسحب منها الاحتلال.

تشير تقديرات مصادر مطلعة إلى أن المقاومة تمكنت من تعويض عديدها البشري، حيث بدأت الهدنة بامتلاك أكثر من 30 ألف مقاتل. هذا الصمود دفع برئيس الأركان إيال زامير للتوصية بالذهاب إلى حل سياسي نتيجة غياب أفق الحسم العسكري في قطاع غزة.

لا ينبغي تقييم الأمور وكأن الصفحة قد طويت، فالتاريخ الفلسطيني شهد محطات صعبة في أعوام 1948 و1967 و1982، وفي كل مرة كانت المقاومة تنهض من جديد. إنها قضية حق وعدل وحرية، وحركة التاريخ تسير في نهاية المطاف لصالح الشعوب المناضلة.

يجب الحذر من تكريس 'عقدة الكارثة' أو محاولات 'كي الوعي' التي يسعى الاحتلال لترسيخها عبر التركيز فقط على حجم الخسائر. التقييم في حركات التحرر ينبع من مركزية التضحية لتحقيق الغايات الكبرى، وليس من منطق الاستسلام للأمر الواقع.

المقاومة الفلسطينية ليست حالة محلية ضيقة، بل هي خط الدفاع الأول عن الأمة العربية والإسلامية في مواجهة المشروع الصهيوني. وهي عندما تدافع عن القدس والهوية الفلسطينية، فإنها تنوب عن الأمة وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية.

إن المشاريع السياسية الدولية، ومنها خطة ترامب، ليست قدراً محتوماً، فهي تحمل بذور فشلها في ظل التغيرات الإقليمية والعالمية الراهنة. المطلوب هو استجماع عناصر القوة لدى الشعب الفلسطيني وأحرار العالم لاستئناف مسيرة التحرير بكافة أشكالها المتاحة.

في الختام، تظل المراجعات النقدية ضرورة للبناء والارتقاء، بشرط ألا تتحول إلى معول هدم يخدم رواية العدو. إن الملحمة التي سطرها الشعب الفلسطيني ستبقى مدرسة إنسانية كبرى في الصبر والثبات والإبداع العسكري والسياسي.

اسرائيليات

السّبت 14 فبراير 2026 3:25 صباحًا - بتوقيت القدس

هرتسوغ يؤكد استمرار مراجعة طلب العفو عن نتنياهو ويرفض الضغوط الخارجية

أصدر مكتب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بياناً توضيحياً حاسماً، أكد فيه أن طلب العفو الخاص برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يزال في طور المراجعة والتدقيق. وأوضح البيان أن مؤسسة الرئاسة تلتزم بالإجراءات القانونية المتبعة، ولن تصدر قراراً نهائياً إلا بعد استلام الرأي القانوني المفصل من وزارة العدل. تأتي هذه الخطوة في ظل ترقب سياسي وقانوني واسع النطاق لمصير القضايا التي تلاحق نتنياهو منذ سنوات.

وشدد هرتسوغ في بيانه على أن مؤسسة الرئاسة ستعمل باستقلالية تامة وبعيداً عن أي تأثيرات أو ضغوط خارجية أو داخلية. ويُنظر إلى هذا التصريح كبرد غير مباشر على الانتقادات الحادة التي وجهتها الإدارة الأمريكية الحالية للتعامل مع ملف نتنياهو. وأكدت مصادر أن هرتسوغ يسعى للحفاظ على هيبة القضاء واستقلالية القرار السيادي بعيداً عن التجاذبات السياسية المحتدمة.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد شن هجوماً لاذعاً على هرتسوغ خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، واصفاً موقفه بأنه يدعو للخجل. ويرى ترمب أن المحاكمات التي يواجهها نتنياهو منذ عام 2019 ليست سوى عائق أمام الاستقرار الإقليمي الذي تسعى واشنطن لتحقيقه. وبحسب الرؤية الأمريكية، فإن حماية الحلفاء الاستراتيجيين تتطلب تجاوز ما وصفه بالقيود البيروقراطية لإتمام التفاهمات الكبرى.

ويواجه بنيامين نتنياهو، وهو أول رئيس وزراء في تاريخ الاحتلال يحاكم أثناء وجوده في السلطة، تهماً ثقيلة تشمل الرشوة وخيانة الأمانة. وتتركز التحقيقات في ثلاث قضايا أساسية تتعلق بقبول هدايا فاخرة من رجال أعمال تقدر قيمتها بمئات آلاف الدولارات. كما تشمل الاتهامات محاولات للتأثير على التغطية الإعلامية من خلال صفقات مع أباطرة الصحافة لضمان ولائهم السياسي.

ورغم إسقاط إحدى القضايا في وقت سابق، إلا أن الملفات المتبقية لا تزال تشكل مصدر قلق كبير في الأوساط السياسية والأمنية. وترى الإدارة الأمريكية أن استمرار هذه الملاحقات القضائية يضعف الجبهة الداخلية للحليف الأقوى لها في المنطقة. وتسعى واشنطن للضغط باتجاه إغلاق هذه الملفات لضمان تفرغ القيادة في تل أبيب للمشاريع الاستراتيجية المشتركة.

في المقابل، تسود حالة من القلق داخل أجهزة سلطات الاحتلال من تزايد سطوة التدخل الأمريكي في الشؤون القضائية الداخلية. ويخشى مراقبون من أن تؤدي 'دبلوماسية الصفقات' التي ينتهجها ترمب إلى تقويض استقلالية المحاكم الإسرائيلية. ويحاول نتنياهو استثمار هذا الزخم الدولي للترويج لفكرة أن العفو عنه يمثل 'ضرورة قومية' تقتضيها الظروف الراهنة.

وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية، وقع نتنياهو مؤخراً على مذكرة للانضمام إلى ما يسمى 'مجلس السلام' خلال لقائه بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. ويعكس هذا التحرك عمق التحالف بين واشنطن وتل أبيب، حيث يعتبر ترمب أن أي اهتزاز في قيادة الاحتلال يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية. ويبقى قرار هرتسوغ المرتقب هو الفيصل في تحديد مستقبل نتنياهو السياسي والقانوني.

عربي ودولي

السّبت 14 فبراير 2026 3:24 صباحًا - بتوقيت القدس

بين التهديد العسكري والمناورات الدبلوماسية: هل تتجه واشنطن لضربة جديدة ضد إيران؟

في ظل تصاعد التوترات المتسارعة بين واشنطن وطهران وتعثر المسارات الدبلوماسية التقليدية، يعود تساؤل الضربة العسكرية الأمريكية المحتملة ليتصدر المشهد السياسي الدولي. ويرى مراقبون أن الخيار العسكري لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل بات احتمالاً قائماً في ظل التحركات الميدانية الأخيرة في مياه الخليج العربي.

أشار عمر رحمان، الباحث في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، إلى أن موجة النشاط الدبلوماسي التي شهدتها العواصم الإقليمية مؤخراً كانت تهدف بالأساس لتجنب حرب شاملة. وقد توجت هذه الجهود بمحادثات غير مباشرة في سلطنة عمان مطلع فبراير الجاري، حيث وصفها الجانب الأمريكي بالإيجابية بينما اعتبرتها طهران خطوة للأمام.

رغم هذه الإشارات الدبلوماسية، فإن تحرك الأصول البحرية الأمريكية، وعلى رأسها حاملة الطائرات 'أبراهام لينكولن'، يرسم صورة مغايرة تماماً للواقع الميداني. هذا الحشد العسكري الضخم قد يكون تمهيداً لعملية عسكرية وشيكة، أو محاولة محسوبة لترهيب القيادة الإيرانية ودفعها لتقديم تنازلات جوهرية في الملف النووي.

تتسم السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الحالية بالارتجال وعدم السير وفق منطق خطي واضح، مما يجعل التنبؤ بالخطوة التالية أمراً معقداً. فالقرار الواحد قد يحمل في طياته تهديداً عسكرياً وورقة تفاوضية في آن واحد، وهو ما يعزز حالة الغموض الاستراتيجي التي يفضلها البيت الأبيض.

يبرز في واشنطن معسكر صقور قوي ومنظم يدفع باتجاه المواجهة المباشرة وتغيير النظام في طهران، ويضم هذا التحالف محافظين جدد ولوبيات مؤيدة لإسرائيل. ويرى هؤلاء أن إيران تمثل العقبة الأخيرة أمام ترسيخ نظام إقليمي جديد تهيمن عليه الرؤية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة.

يلعب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دوراً محورياً في تحريض الإدارة الأمريكية، مستفيداً من وصوله غير المقيد للبيت الأبيض وتكرار زياراته الرسمية. وينجح نتنياهو باستمرار في تصوير أي تحرك إيراني، مهما كان محدوداً، على أنه تهديد وجودي يستوجب رداً عسكرياً حاسماً وفورياً.

في المقابل، يظهر تيار أمريكي واسع يرفض الانخراط في حروب مكلفة جديدة في الشرق الأوسط بعد عقود من التدخلات الفاشلة في العراق وأفغانستان. هذا التيار الشعبي يضغط على الإدارة للتركيز على القضايا الداخلية الملحة، محذراً من أن أي مغامرة عسكرية قد تؤدي إلى تآكل القاعدة الشعبية للرئيس.

يبدو أن ترامب يميل إلى العمليات العسكرية المحدودة والمبهرة التي لا تتطلب التزاماً طويلاً على الأرض، مثل ضرب المنشآت النووية أو العمليات الخاطفة. هذه الاستراتيجية تتيح له الظهور بمظهر القوي أمام ناخبيه دون الانزلاق إلى مستنقع الاحتلال الفوضوي الذي يخشى تكراره.

تدرك طهران جيداً أن سياسة الحذر التي اتبعتها سابقاً قد فُسرت كضعف، مما دفع خصومها لتصعيد الضغوط بشكل أكثر جرأة. لذا، يتحدث القادة الإيرانيون الآن عن استراتيجية الردع الاستباقي، مهددين بردود غير منضبطة تستهدف المصالح الأمريكية والبنية التحتية للطاقة في المنطقة.

حذر المرشد الأعلى الإيراني بوضوح من أن أي هجوم سيؤدي إلى 'حرب إقليمية' شاملة، تهدف لتطويل أمد الصراع وتدويله لإجبار القوى الدولية على التدخل. هذا التهديد يضع أمن دول الخليج وأسواق النفط العالمية في مهب الريح، وهو ما تخشاه القوى الإقليمية مثل السعودية وتركيا.

تعاني إيران من ضغوط داخلية خانقة، بدءاً من العقوبات الاقتصادية التي تضرب بعمق، وصولاً إلى أزمات المياه والاضطرابات الاجتماعية المتزايدة. ويرى بعض المحللين أن هذه الأزمات قد تشجع واشنطن على اختبار صمود النظام عبر عملية عسكرية محدودة تسرع من وتيرة انهياره الداخلي.

ختاماً، تبقى الحرب خياراً غير حتمي طالما أن الغرائز التفاوضية للرئيس الأمريكي تبحث عن صفقات يمكن تسويقها كانتصارات سياسية. وتستمر الوساطات العربية، لاسيما العمانية، في البحث عن صيغة تحفظ كرامة طهران وتمنح واشنطن مشهد النجاح المطلوب لتجنب الانفجار الكبير.