يلاحظ المتابع لخطابات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تكراراً لافتاً لذكر جماعة الإخوان المسلمين في مختلف المناسبات، حيث لا يكاد يخلو خطاب رسمي من الإشارة إليهم. وفي آخر ظهور له بمناسبة عيد الفطر، واصل السيسي نهجه في نفي تهمة الخيانة عن نفسه وإسقاطها على الجماعة، محملاً إياهم مسؤولية تخريب البلاد وتعطيل مسيرة التنمية.
ويرى مراقبون أن هذا التركيز المكثف على فصيل معارض واحد يمثل حالة استثنائية في تاريخ الحكم العسكري بمصر، حيث لم يعتد الحكام السابقون جعل المعارضة محوراً دائماً لخطابهم. فبالرغم من الصدامات العنيفة التي خاضتها الأنظمة السابقة مع خصومها، إلا أن ذكرهم في الخطابات الرسمية كان يقتصر عادة على فترات الأزمات الكبرى فقط.
وبالعودة إلى عهد جمال عبد الناصر، نجد أن خطاباته على مدار ستة عشر عاماً نادراً ما ركزت على الإخوان إلا في محطتين رئيستين هما عام 1954 وعام 1965. وكان الإعلام الناصري ينشغل بمشاريع قومية كبرى مثل تأميم القناة وبناء السد العالي، مما جعل قضايا المعارضة تأتي في سياق ثانوي مقارنة بالمشروع العروبي والدولي.
كذلك سار الرئيسان أنور السادات وحسني مبارك على نهج مشابه، حيث كان الهجوم الإعلامي على المعارضة، سواء من اليسار أو الإسلاميين، يرتبط بمواسم سياسية أو محاكمات عسكرية محددة. ولم تكن شيطنة الخصوم تمثل الركيزة الوحيدة التي تقوم عليها شرعية النظام أو تبرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة.
أما في عهد السيسي، فقد تحول الحديث عن 'أهل الشر' إلى استراتيجية ثابتة تتبناها كافة أذرع الدولة الإعلامية والفنية والسياسية. ويبدو أن هذا الخطاب يهدف إلى وصم كل صوت معارض بتبعية الجماعة، مما يسهل عملية تهميش المطالب الشعبية المتعلقة بالحريات أو تحسين الأوضاع المعيشية المتدهورة.
ويعزو محللون هذا الإصرار على استحضار 'خطر الإخوان' إلى رغبة النظام في الحفاظ على شرعية 'الخلاص' التي تأسست في صيف 2013. فبما أن النظام يسوق نفسه محلياً ودولياً كمنقذ للبلاد من حكم الإسلام السياسي، فإن إعلان انتهاء هذا الخطر قد يعني انتفاء الحاجة لاستمرار السياسات الاستثنائية الحالية.
وتشير التقارير إلى أن النظام المصري حصل على تمويلات ومساعدات خارجية غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث، ومع ذلك لم يلمس المواطن تحسناً حقيقياً في حياته الاقتصادية. هذا الفشل في تحقيق منجز مادي ملموس يدفع السلطة للهروب نحو الأمام عبر استدعاء شماعة الإخوان وتحميلها مسؤولية الإخفاقات المتلاحقة.
السيسي بنى شرعيته، ولا يزال، على زعم واحد: بأنه قضى على حكم الإخوان وخلص مصر منهم، وهو يسوق نفسه للعالم بهذا الشأن كذريعة دائمة.
لقد غاب المنجز الاقتصادي والسياسي والثقافي، وحتى روح الفكاهة السياسية التي تميز بها الشعب المصري أصابها الركود نتيجة القبضة الأمنية المشددة. وأصبح الخيال الشعبي محاصراً بين واقع معيشي صعب وبين خطاب رسمي لا يقدم سوى التخويف من عودة الماضي كبديل عن تقديم رؤية للمستقبل.
وتتبنى النخبة المحيطة بالسيسي نفس البوصلة، حيث يتسابق الإعلاميون والمثقفون في اختلاق قصص ونسبها للإخوان لضمان الرضا السيادي. هذا السلوك يعكس عجزاً في الطرح وفراغاً فكرياً، حيث يتم استبدال البرامج التنموية والنقاشات الجادة بـ 'بضاعة' التحريض المستمر ضد الخصوم السياسيين.
ويربط البعض بين هذا الأسلوب وبين منهج وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، الذي كان يصر دائماً على أن خطر الإرهاب لا يزال قائماً رغم الهدوء الأمني. كان الهدف من ذلك هو إقناع السلطة والمجتمع بضرورة بقائه في منصبه وبقاء قوانين الطوارئ، وهو ما يفعله النظام الحالي على مستوى أوسع.
إن استدعاء السيسي الدائم لأحداث رابعة والمواجهات مع الإخوان ليس مجرد تذكير بالتاريخ، بل هو محاولة لترسيخ فكرة أن البديل عن حكمه هو الفوضى. وتزداد هذه النبرة حدة كلما شعر الناس بالفارق بين وعود الرخاء وبين الواقع المرير الذي يعيشونه، مما يهدد شرعية النظام القائمة على الوعود الأمنية.
وفي ظل هذا المشهد، تراجعت أدوار مؤسسات الدولة التقليدية التي كانت تعمل بعقلية احترافية بعيداً عن الاستقطاب السياسي الحاد. ورغم وجود بعض النجاحات في ملفات الوساطة الإقليمية التي تقودها الأجهزة السيادية، إلا أن رأس النظام يصر على حصر 'إنجازه' في نقطة واحدة وهي إزاحة الخصوم.
لقد تحول هدف 'إزاحة الإخوان' إلى ما يشبه 'هدف مجدي عبد الغني' في الذاكرة الكروية المصرية، حيث يتم اجتراره باستمرار رغم مرور سنوات طويلة عليه. هذا الاجترار يعكس حالة من الإفلاس في تقديم منجزات جديدة تواكب التحديات الراهنة التي تواجهها الدولة المصرية على الصعيدين الداخلي والخارجي.
في الختام، يظل خطاب السيسي وأذرعه الإعلامية أسيراً لبوصلة واحدة لا تحيد عن شيطنة المعارضة والتقرب من السلطة عبر بوابة 'مكافحة الإرهاب'. ومع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية، يبدو أن هذه الشماعة بدأت تفقد بريقها أمام تساؤلات الشارع حول المستقبل ومصير الوعود التي لم تتحقق.




