تتوقف القراءة التحليلية بعمق عند التوصيف القرآني في سورة المنافقين، حيث تبرز صورة 'الخشب المسندة' كاستعارة بليغة تتجاوز الأفراد لتشمل الكيانات والمؤسسات. هذه الصورة ترسم ملامح كل كيان يحرص على إظهار التماسك والقوة في المشهد العام، بينما يفتقر في جوهره إلى الفاعلية والوظيفة الحقيقية التي أُسس من أجلها.
إن الفارق الجوهري بين الهيبة الحقيقية والوقوف الصوري يتجلى في المقارنة بين مشهد النبي سليمان عليه السلام وبين 'الخشب المسندة'. ففي الحالة الأولى كانت هناك حياة وفعل قبل الموت، أما في الحالة الثانية فإن الجسد أو الهيكل يبقى واقفاً بينما تموت الوظيفة تماماً، ويحل الخطاب محل الفعل المنتج.
تتميز هذه المؤسسات 'الخشبية' بأنها لا تسقط بسهولة، بل تظل تشغل حيزاً جغرافياً وإدارياً، مما يجعل مواجهتها أو اقتلاعها أمراً في غاية الصعوبة. نحن هنا أمام حالة من 'الفراغ المقنع' الذي يرفض الانكشاف، ويفضل البقاء كجثة هامدة تمنع ظهور أي بديل حيوي يمكنه ملء المكان.
بالعودة إلى أصل 'الخشب'، نجد أنه كان يوماً شجرة نابضة بالحياة قبل أن تنقطع عنه أسباب النمو ويبقى مجرد هيكل. وبالمثل، تمر المؤسسات بمراحل انحدار تدريجي تنفصل فيها الغاية الكبرى عن الممارسة اليومية، لتتحول الوسيلة الإدارية إلى غاية بحد ذاتها، ويصبح الحفاظ على الكيان أهم من المهمة.
يوضح العلامة الطاهر بن عاشور في 'التحرير والتنوير' أن الخشب المسندة هي تلك التي لا يُنتفع بها في سقف ولا يُشد بها جدار رغم ضخامتها. هذا الوصف ينطبق بدقة على مؤسسات تملأ المشهد بحجمها وضجيجها، لكنها عند لحظات الاختبار الحقيقية تفشل في حماية المجتمع أو إسناد الدولة.
إن سر بقاء هذه الهياكل الفارغة لا يعود لقوتها الذاتية، بل لكونها 'مسندة' بجدار من المصالح المتبادلة. فسقوط المؤسسة الفاشلة يمثل خسارة للموظف المرتبط براتبه، وللمسؤول المستفيد من نفوذه، وللسياسي الذي يستغل رمزيتها، مما يخلق توازناً صامتاً يحمي الفشل.
تطور هذه المؤسسات آلية دفاعية فريدة تعتمد على تضخيم الخطاب الإعلامي والسياسي لتعويض العجز عن تحقيق النتائج. فتكثر الاجتماعات وتتزين السرديات وتُعاد صياغة الخطط مراراً وتكراراً، في محاولة مستمرة لتبرير الوجود أمام الذات وأمام الآخرين دون إحداث أثر ملموس على أرض الواقع.
المؤسسة الفارغة أحياناً أخطر من الفراغ نفسه؛ لأن وجودها الذي يشغل الحيز دون وظيفة يوهم بأن المهمة منجزة، فتُهدر الميزانيات وتُصادر الصلاحيات.
هناك قاعدة مجربة في الواقع العربي تشير إلى أنه كلما ضعف الفعل الحقيقي، ارتفعت الأصوات وكثرت الشعارات الجوفاء. هذا الضجيج ليس إلا محاولة للتغطية على الخواء الداخلي، حيث يصبح الصراخ وسيلة لإثبات الوجود في ظل غياب الإنجازات الحقيقية التي تتحدث عن نفسها.
تعيش المؤسسات الصورية حالة دائمة من القلق والارتباك، وهو ما يفسره قوله تعالى 'يحسبون كل صيحة عليهم'. فهي ترى في كل صوت نقد أو تساؤل تهديداً مباشراً لوجودها، وتتعامل مع الكفاءات الوطنية كمصدر خطر قد يفضح حقيقتها المخفية خلف الجدران المسندة.
إن خطورة المؤسسة الفارغة تكمن في أنها تقتل المبادرة؛ فغياب المؤسسة تماماً قد يدفع المجتمع لابتكار حلول بديلة ومبادرات شعبية. أما وجود مؤسسة 'شكلية' فإنه يعطي انطباعاً زائفاً بأن العمل مستمر، مما يؤدي إلى هدر الموارد ومصادرة الصلاحيات التي كان يمكن أن تُمنح لجهات أكثر كفاءة.
الخشب الساقط يترك خلفه مساحة للنمو من جديد ويفتح الطريق أمام العابرين، أما الخشب المسند فإنه يضيق الأفق ويصادر المستقبل. هو احتلال للمساحة العامة بما لا يحيا ولا يموت، مما يعيق أي عملية إصلاح حقيقية تتطلب إخلاء المكان للعناصر الفاعلة والمنتجة.
يشير المصطلح القرآني 'أنى يؤفكون' إلى الانقلاب عن الصواب والانصراف عن المعنى الجوهري للأشياء. وهذا هو مصير المؤسسات التي تقدم الشكل على الأصل، وتعتمد على ما يسندها من الخارج بدلاً من الاعتماد على جذورها ونموها الطبيعي في خدمة المجتمع.
يبقى السؤال المطروح أمام المجتمعات اليوم حول عدد المؤسسات التي تحولت إلى مجرد هياكل خشبية تستند إلى جدران المصالح. إن كلفة بقاء هذه المؤسسات موزعة على الجميع، وهي كلفة باهظة تُدفع من رصيد التنمية ومستقبل الأجيال التي تنتظر أفعالاً لا مجرد شعارات.
ختاماً إن العبرة من القصص القرآني والتوصيفات الإلهية تكمن في القدرة على تشخيص أمراضنا الاجتماعية والمؤسسية. فالمؤسسة التي لا تسند جداراً ولا تحمل سقفاً هي عبء على البناء، والاعتراف بوجود 'الخشب المسندة' هو الخطوة الأولى نحو التغيير الحقيقي.





شارك برأيك
المؤسسات الصورية.. حين يتحول الكيان الإداري إلى 'خشب مسندة' بلا وظيفة