واشنطن – سعيد عريقات – 26/3/2026
تحليل إخباري
في مشهد يعكس ارتباك الإرث أكثر مما يعكس وضوح المراجعة، عاد أنتوني بلينكن إلى الواجهة من بوابة جامعة هارفارد، حيث طُرح عليه السؤال الذي يلاحقه منذ شهور: ماذا لو تصرّفت واشنطن بشكل مختلف في غزة؟
اللافت أن من أعاد تسليط الضوء على هذا الحوار لم يكن مؤسسة إعلامية كبرى، بل الصحفي جوناثان غاير، الذي نشر خلاصة النقاش عبر منصة "إكس"، مذكّراً بأن القضية لم تُغلق، وأن حساب الإرث لا يزال مفتوحاً.
في ذلك الحوار داخل "كلية كينيدي في جامعة هارفارد Harvard Kennedy School، والذي أداره الصحفي في صحيفة "نيويورك تايمز" ديفيد سانغر، وُضع بلينكن أمام توصيف قاسٍ: غزة كـ"النقطة الأضعف" في مسيرته. لم يكن التوصيف مبالغاً فيه، بل يعكس إدراكاً متزايداً بأن السياسة الأميركية هناك لم تفشل فقط في الحد من الكارثة، بل ساهمت في إدامتها.
بلينكن، من جهته، لم ينكر المأساة. تحدث عن "معاناة إنسانية هائلة" و"خسائر مروعة"، وأقرّ بأن سؤال "هل كان يمكن فعل شيء مختلف؟" سيبقى يطارده. لكن هذا الاعتراف، رغم ثقله الإنساني، بدا خالياً من أي التزام سياسي بمراجعة فعلية. إذ كيف يمكن لمسؤول أن يقرّ بإمكانية الخطأ، ثم يواصل الدفاع عن السياسات ذاتها التي أنتجته؟
المواجهة الأكثر حدة جاءت من طالب استند إلى تقارير "وكالة الولايات المتحدة للتنمية العالمية USAID " التي أشارت إلى عرقلة وصول المساعدات، في تناقض مع إفادات بلينكن أمام الكونغرس. السؤال كان مباشراً: لماذا استمرت واشنطن في تسليح إسرائيل رغم كل المؤشرات؟ ولماذا جرى تجاهل تقييمات الخبراء؟
إجابة بلينكن—"ربما نعم"—مختزلا المأساة في احتمال، لا في مسؤولية.
ودافع الوزير السابق عن نفسه بالحديث عن "ضغوط يومية" لإدخال المساعدات. لكن هذا الدفاع، في جوهره، إدانة غير مباشرة: فإذا كانت واشنطن قادرة على الضغط لزيادة الشاحنات، فلماذا عجزت—أو لم تحاول—الضغط لوقف القصف؟ ولماذا بقيت السياسة الأميركية محصورة في إدارة تداعيات الكارثة، لا منعها؟
الأكثر إشكالية هو تبريره بأن إسرائيل كانت ستواصل الحرب بغض النظر عن الموقف الأميركي، وأن وقف إمدادات السلاح قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي. هذه الحجة لا تبرر القرار، بل تفرغه من مضمونه. فهي تفترض مسبقاً فشل الضغط، لتبرير عدم ممارسته. أي أنها تحوّل النفوذ الأميركي من أداة تأثير إلى ذريعة للامتناع.
ورغم إشاراته إلى دور حماس، بدا خطاب بلينكن أقرب إلى إعادة توزيع اللوم منه إلى مواجهة جوهر السؤال: ماذا فعلت الولايات المتحدة عندما كانت تملك القدرة على التأثير؟ بل ماذا اختارت ألا تفعل؟
ثماني زيارات قام بها بلينكن إلى إسرائيل خلال الحرب—رقم يعكس كثافة دبلوماسية غير مسبوقة—لكنها في النهاية لم تُنتج مطلباً أميركياً واضحاً بوقف إطلاق النار في اللحظات الحاسمة. كانت زيارات لإدارة الأزمة، لا لإنهائها. حضور بلا ضغط، وحراك بلا نتائج حاسمة.
هنا يتكثف التناقض: دبلوماسية نشطة شكلاً، محدودة أثراً. اعتراف أخلاقي متكرر، يقابله ثبات سياسي لافت. والنتيجة أن بلينكن لا يُحاسَب اليوم على ما لم يكن يعرفه، بل على ما كان يعرفه ولم يغيّره.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن وزير الخارجية السابق لم يرَ المأساة في غزة، بل في أنه رآها—واعترف بها—ثم اختار الاستمرار في المسار ذاته. وهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو ما سيحدد إرثه.
ويظهر النص بوضوح الفجوة بين الاعتراف الأخلاقي والفعل السياسي، وهي فجوة ليست جديدة في السلوك الأميركي، لكنها في حالة غزة بدت أكثر حدّة وانكشافاً. فالإقرار بوجود مأساة لا يكتسب معناه إلا إذا ترافق مع تغيير ملموس في الأدوات والسياسات. ما يلفت هنا هو أن بلينكن لم يفتقر إلى المعلومات أو التحذيرات، بل إلى الإرادة السياسية لتوظيف النفوذ الأميركي بشكل مختلف. وهذا يعزز الانطباع بأن واشنطن فضّلت إدارة الأزمة بدل حلّها، تجنباً لكلفة المواجهة مع حليف استراتيجي.
ويثير المقال سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة صنع القرار في السياسة الخارجية الأميركية، حيث غالباً ما تُقدَّم الاعتبارات الإستراتيجية على المبادئ المعلنة. فحجة الخشية من التصعيد الإقليمي تبدو، في هذا السياق، أقرب إلى تبرير لاحق منها إلى تقدير استباقي دقيق. إذ إن عدم اختبار أدوات الضغط فعلياً يُفقد هذا التقدير مصداقيته. كما أن تجاهل تقارير مؤسسات حكومية مثل USAID يعكس خللاً في آلية استيعاب المعلومات داخل الإدارة، ويطرح تساؤلات حول مدى استقلالية التقييمات الإنسانية في مقابل الحسابات السياسية.
واللافت أيضاً هو البعد المتعلق بـ"إدارة الإرث"، حيث يتحول النقاش من مساءلة السياسات إلى محاولة تأطيرها سردياً بعد وقوعها. عودة بلينكن للإجابة عن هذه الأسئلة في محيط أكاديمي تعكس إدراكاً متأخراً لأهمية الرأي العام النخبوي في صياغة الحكم التاريخي. ومع ذلك، فإن الاقتصار على الاعتراف دون مراجعة عملية قد يعمّق الانتقادات بدلاً من احتوائها. فالتاريخ السياسي لا يُكتب فقط بما قيل لاحقاً، بل بما تم فعله-أو لم يتم فعله—في لحظات الحسم، وهو ما يجعل هذا الملف مفتوحاً على تقييمات أكثر صرامة مستقبلا.





شارك برأيك
بلينكن وغزة: اعتراف متأخر… وسياسة لم تتغيّر