غادِرْ هذي الغابةَ للنَّهرِ الأوّلِ، حيثُ الفَرَسُ تخوضُ لِتَخْرجَ نحوَ التلِّ، وتصهلُ بالفِضَّةِ، أو تنشرُ ما ظَلَّ من البَرْقِ على الأحياءْ.
غبارٌ هذي الغابةُ، أو غَبَشٌ أسودُ..وأرى أنَّ سَبيكَتَها انكسرتْ، أخَذَتها السّاحرةُ إلى بئرِ مغارتِها السوداءْ.
غادِرْ هذي المُتَصابِيةَ الرَّخْوةَ..مَنْ تَضَعُ قِناعاً تلوَ قِناعٍ، وتُراقِصُ أشْباحَ الليلِ الغرباءَ، وتخفي سِحْنَتَها العجفاءْ.
أُتْرُكْ سُوقَ نِفاقِ الأخوةِ؛ مَن كانوا في الخندقِ أو في البَيْرقِ أو بين الأسدافِ.. وراحوا للسوقِ، اندفعوا مثلَ الثيرانِ الوحشيّةِ لمذاوِدِ ربِّ القُطْعانِ السائبةِ.. فَأُطْعمَهُم وَهْمَاً، وتّزَيّا فوقَ رِقابِ الخَلْقِ، وكانَ الآكِلَ والطاعِمَ والكاسيَ، والسّادرَ في السِّيركِ الوطنيِ المُغْلَقِ مِن كلِّ الأنحاءْ.
كلابٌ تنهشُ في لحمِ غزالتِنا اجتمعتْ، لترى ما في القَصْعةِ من مَرَقٍ، خَثّرهُ الجَمْرُ، لتملأَ جَوْفَ جنَّهمَ، وتنامَ على رِيشِ نعامَتِنا الخرقاءْ.
وأَمْعَنَ سيّدُهُم بالسَّلْخِ وبالطَّبْخِ، تَلَمَّظّ، وامتلأَ البطْنُ، وأيْقَنَ أنَّ
القُطْعانَ الموسومةَ تأتيهِ بلا تَعَبٍ، فَلْيَذْبَحْ ما شاءَ من الصُّوفِ، عدا الكبشِ المكحولِ.. فهذا مَن باعَ حظيرَتَه للذّئبِ، وصالَحَ غِربانَ البيداءْ.
أُترُكْ هذا الطَقسَ الوثنيَّ، وأزلامَ المَعْبدِ، وعُكاظَ الخُطَبِ المكرورةِ، وقوافلَ داحِسَ والغبراءْ.
لقد كذبوا! مِن أوَّلِهِم حتى آخرَ مَن تاجرَ بالنّارِ وبالأوجاعِ، وبالنسْوَةِ، حينَ رَقَصْنَ بمنديلِ الأعراسِ المُذْهلةِ، وكَذَّبَ ثانيةً.. فَالكافِرُ مَن رَفَعَ البُهتانَ، وصدَّقَ ما قالَ مُسيلمةُ الكذّابُ، وعادَ مع الصَّنَمِ المهدومِ، لأرضِ الرّومِ.. سأتْرُكُ مملكةَ الخَوفِ أو الزّيفِ، وأَهْجرُ هذي المنهوكةَ والمذبوحةَ، بسيوفِ أشقائي الأعداءْ.
وأتْرُكُ هذي الكُثبانَ القاحِلةَ المَذْرورَةَ، مَن يختَبئُ بها الثعبانُ أو العقربُ، والغولُ، أو المَمْسوخُ.. سأترُكُ هذا التصفيقَ الفجَّ، وصوتَ العتمةِ، والجدرانَ المثقوبةَ.. لفضاءِ السِّجنِ، ومقصلةِ الأضواء، وقُبَّةِ صخرتِنا الشقراءْ.
أُترُكْ هذي الهاويةَ الفاغرةَ الأنيابِ، الشائخةَ الرّيحِ، العاجزةَ ببيتِ الضّبْعِ، وتبدو الضائعةَ الدَرْداءْ.
واترُكْ أنفاسَ المَوْتِ، ورَملَ الوَقْتِ، ولمْعةَ نيِشانِ الجنرالِ المهزومِ.. سأترُكُ هذه الُلعبةَ؛ مَنْ أرْبَكَتِ الأطفالَ، وبدَّلَتِ الأحوالَ، وقالتْ ما قالَ القاتلُ..
سأغادرُ هذا السِّحرَ الأسودَ، والترقيصَ على الأحْبالِ، وعِطرَ الغانيةِ المأجورةِ، ورقابةَ أجهزةِ التسجيلِ، وخنجرَ أصحابِ التأويلِ، وخيطَ عناكِبنا المسمومةِ..سأغادِرُها، لدَمٍ يتفجّرُ في أوردةِ الحقلِ المنسيِّ، وفي الزَّهرِ الشتويِّ، وأتركُ هذي المهزلةَ الخاسرةَ، إلى قلبِ فلسطينَ! ففيها أوَّلُ ما خلقَ اللهُ، وآخرُ ما يبقى في الأرضِ من الحِنّاءْ.
سأترُكُ هذا المرْقصَ! فالإيقاعُ غريبٌ، والليلُ بهيمٌ، والموسيقى عاريةٌ، لا أعرفها، لا تعرفني.. غرباءٌ نحنُ بهذا المحْفلِ..ما عاد لنا ما نطرحُه، بِمَزادِ السيّدةِ العمياءْ.
سأترُكُ هذا الكأسَ، فيكفي ما فعلتْهُ الخمرُ الفوّاحةُ في الرّوحِ، ولا ينقُصها الدَّنَّ النازفَ مِن أعصابِ الكَرْمَةِ، إذْ سَرقَوا العنقودَ، كما سرقَوا الكأسَ وكرسيَّ المشْرَبِ والثلجَ السائحَ في طَيَّاتِ الأضواءِ الحمراءْ.
انطلقوا مثلَ جَرادٍ جاءَ على الحقلِ، وغادرَ بعدَ الجَدْبِ، لأطْلالِ البُومِ وجُحْرِ الحَيَّاتِ الرّقطاءْ.
سأترُكُ هذا التسْطيحَ الساذجَ، والنوْءَ الهائجَ، والقُبْحَ الرائجَ، والتّيهَ الفالجَ، والصدأَ الخارجَ مِن فُولاذِ الحَجَرِ إلى الأجراسِ، ونأتي دونَ حَمامٍ يَزْجلُ برسائلَ مَن ظلّوا فوقَ التَلِّ على أُحُدٍ، وتساوى مَن ماتَ بِمَن جَمعَ غنائمَ معركةِ الثأرِ.. سواءً بسواءْ!
سأترُكُ هذا البحرَ المسجورَ. أنا لستُ بموسى كي أَملكَ منْسَأةً أضربُها في الموجِ، فيَنْشقُّ الماءُ. ولستُ بِيوشَعَ كي أقبضَ بالكَفِّ على الشمسِ. ولستُ بِمَن يجترحَ المُعْجزةَ إذا جاءَ السّاحرُ، أو أبعثَ مَن راحَ إلى الغَيْبِ.. أنا الكَهْلُ المصلوبُ، وموسى المطرودُ، ويوسفُ إذ أَلْقُوهُ إلى الجُبِّ. فَيَا ربِّي ارحَمْني من إخوتيَ المفضوحينَ، بهذا الليلِ المُشْرعِ للأنواءْ.
سأترُكُ هذا المأتمَ دونَ دموعٍ للرّاحلِ، فالثورةُ في قلبِ التابوتِ.. ودون رثاء!
وهل غادَرْتُ لأحملَ باقةَ دمعٍ للشهداءِ؟
هنالكَ سادَ الصمتُ، وغابتْ ألسنةُ الشُّعراءْ.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس
المُوسيقى عاريةٌ في هذا المَرْقَص.. لا أعرفها!
فلسطين
الإثنين 01 يونيو 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس
الدراجة الهوائية شاهد على تاريخ ونضال مرتبطين بمسيرة نضالية ومهنية لشي جي بينغ
الرموز هي "لغة بصرية" تختصر تاريخاً طويلاً من النضال، الثقافة، والهوية، هي لا تمثل فقط الماضي، بل تعمل كجسر يربط الفرد بجماعته ويمنح الأمة صوتاً مسموعاً أمام العالم، حيث تتحول هذه الأدوات والرموز إلى أيقونات عالمية.
كوفية الزعيم الرمز ياسر عرفات تجاوزت كونها قطعة قماش لتمثل "هوية نضالية"، وأسلوب ارتداء عرفات لها (الذي كان يشكل خريطة فلسطين أحياناً) جعلها رمزاً عالمياً للتحرر، حتى أن شباباً في قارات بعيدة ارتدوها كإعلان عن التضامن مع قضايا العدالة، حتى دون الخوض في التفاصيل السياسية.
سور الصين العظيم: في الصين، يمثل السور "العمود الفقري" للأمة، هو ليس مجرد بناء دفاعي، بل رمز للمثابرة، الوحدة، والقدرة على مواجهة الصعاب، بالنسبة للـ 56 قومية صينية، يمثل السور والرموز التراثية الأخرى (مثل التنين أو زهرة اللوتس) مظلة "الوحدة في التنوع"، حيث تساهم كل قومية برمزها الخاص (كالملابس التقليدية أو الآلات الموسيقية) في تشكيل الهوية الصينية الكبرى.
ومن النماذج العالمية الاخرى (مغزل غاندي) الذي كان يرمز للمقاومة السلمية والاعتماد على الذات في وجه الاستعمار البريطاني، و قبعة "اليوشانكا" الروسية، التي ارتبطت بالصمود في وجه البرد والحروب، و نسر بونتشو المكسيكي، الذي يربط الدولة بجذورها من حضارة الأزتيك.
هذه الرموز تتحول بمرور الوقت إلى "قوة ناعمة"؛ فهي تمنح الشعوب شعوراً بالفخر والانتماء، وتسهّل على العالم الخارجي التعرف على قضاياهم بلمحة بصرية واحدة.
وخلال زيارتي الأخيرة إلى الصين في شهر نيسان المنصرم، وخلال اللقاءات مع السياسيين وكوادر الحزب الشيوعي الصيني، والزيارات الميدانية والندوات التي شاركت فيها ضمن وفد استطلاع إعلامي عربي، بدعوة من إدارة غرب آسيا وشمال إفريقيا بدائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، قرأت علينا إحدى الفتيات الصينيات خلال الندوة الدولية للشباب قصة بسيطة عن الدراجة الهوائية التي كان يستخدمها الأمين العام شي جينغ بينغ خلال مسيرته السياسية المبكرة في آذار عام 1982، وقد لفت انتباهي هذا الاعتراز والنبرة القوية في سرد القصة من قبل الفتاة "سامية "، وهو الاسم العربي الذي استخدمته، وذلك لكي تسهل علينا حفظ اسمها، والذي يصعب علينا حفظه بالصينية.
تقول سامية باللغة العربية التي أجادتها، مثل حال الكثير من الصينيين الذين يتقنون لغات العالم المختلفة، ويسهلون بذلك آلية التواصل مع الشعوب، خاصة الإعلاميين منهم، أن الأمين العام شي جين بينج، وعندما كان شاباً، تخلى عن معيشة كريمة في العاصمة بكين، للتفاني في خدمة شعبه في فترة عمله في مقاطعة خبي في أوائل الثمانينيات، وهذا الانخراط والعمل والتفاني والانجاز يعد من مبادئ الحزب الشيوعي الصيني.
وأضافت: "تنازل الأمين العام شي جين بينغ عن سيارته ليستخدمها الكوادر المسنين، مفضلا استخدم دراجته القديمة ذات إطار ب 28 بوصة بانتظام للتنقل بين القرى للقيام بأبحاث ميدانية وزيارة المزارعين، وكان يرتدي زياً عسكرياً بالياً وحذاء عسكرياً قماشياً، ويحمل حقيبة خضراء على كتفه، ويركب الدراجة عبر ضفتي النهر ليتفقد حصاد الحبوب في الحقول، ويتحدث مع المزارعين عن حياتهم لمعرفة دخلهم وأحوالهم المعيشية، وهمومهم اليومية، ومقترحاتهم بشأن تنمية المحافظة، لإيجاد حلول لشكاواهم بجدية، وخلال ثلاث سنوات، ترك أثره في خمسة وعشرين كمونة شعبية، وأكثر من مائتين وعشرين فرقة الإنتاج ريفية، حيث سهل ركوب الدراجة طريق الوصول إلى المناطق الريفية لإجراء زيارة ميدانية والبحث عن الواقع المحلي، بينما ازدادت معرفة الأمين العام شي عن المحافظة والأرياف، وقربًا وألفة بين الشعب، ما ترك انطباعاً عميقاً للجماهير.
بالإضافة إلى ذلك، كان يجلس في الشوارع على الطاولة لتجاذب أطراف الحديث مع الجماهير من أجل معرفة معيشتهم واستطلاع آرائهم، ووزع أول استبيانات الرأي العام في المحافظة، وكان باب مكتبه دائما مفتوحا لاستقبال الجماهير.
توضح سامية في قصتها الحقيقية والمشوقة أن ركوب السيارات الفاخرة بأنف شامخ دون الوصول إلى الجماهير لا يؤدي إلا إلى الابتعاد عنهم، أما الاستفسار عن شكاوى الجماهير بركوب الدراجات البسيطة، فيمكن تلمس همومهم وأقوالهم والتقارب مع قلوبهم، وتكرر مقولة من مقولات الأمين العام شي جينغ بينغ أن يجب لأمين لجنة الحزب بالمحافظة أن يزور جميع القرى ويجب لأمين لجنة الحزب بالمدينة أن يزور جميع المحافظات والقرى، ويجب لأمين لجنة الحزب بمقاطعة أن يزور جميع المدن والمحافظات والقرى.
إن البحث العميق من الواقع أرسى أساسا متينا للأمين العام شي في ممارسة السلطة لاحقا بكل اقتدار وخبرة وشفافية، مما انعكس باهتمامه الدائم بمعيشة الشعب، وسعيه وراء خدمة الشعب وإسعاده.
إن قصة "الدراجة" كرمز دلالي هام في مسيرة الأمين العام شي جين بينغ ابرزت المعاني السامية التي تحملها هذه القصة من اهمها العمل الجاد في فترة الشباب حيث تُشير الدراجة إلى الأيام التي قضاها شي جين بينغ في العمل بالريف (فترة "الشباب المثقف")، حيث كانت وسيلة نقل أساسية وتجسيداً للتجربة الواقعية والعمل الميداني الشاق في القواعد الشعبية.
كذلك الارتباط بمعيشة الشعب، حيث لا تمثل الدراجة مجرد أداة تنقل، بل ترمز إلى قربه من حياة الناس البسيطة، وفهمه العميق لاحتياجاتهم ومعاناتهم اليومية، مما شكل أساساً لاهتمامه الدائم بتحسين معيشة الشعب.
وتُستخدم هذه القصة لتأكيد فلسفة الحكم لدى شي جين بينغ، التي تضع "خدمة الشعب" وسعادته في مقدمة الأولويات، وتعكس أسلوب عمل "واقعي وملموس" بعيداً عن التنظير، وتاتي في اطار تعزيز "التاريخ الحزبي" وإبراز القدوة للقيادة الصينية، بربط مسيرة القائد الشخصية بتاريخ الحزب ونضاله من أجل الشعب.
إذن، الدراجة الهوائية التي استخدمها الأمين العام لم تكن مجرد وسيلة تنقل بسيطة، بل رمز ثقافي وسياسي يحمل دلالات عميقة، تمثل التواضع والتقرب من الشعب، وترمز الدراجة إلى رفضه البروتوكولات المعقدة، وحرصه على النزول إلى الميدان (الجذور والقواعد) والتفاعل المباشر مع المزارعين والبسطاء، وفهم معاناة الناس، حيث إن ركوب الدراجة في طرق ريفية وعرة مكّنه من فهم التحديات اليومية التي يواجهها الناس، وهو ما صقل خبرته الإدارية والسياسية في بداية حياته المهنية، كما وضع أساس لفلسفة "الحكم للشعب"، فهذا الارتباط المبكر بحياة الناس البسيطة شكل الأساس لسياساته اللاحقة، مثل "تخفيف حدة الفقر الشاملة" والتركيز على "الرخاء المشترك"، حيث يشدد دائماً على أن الهدف النهائي هو تحسين معيشة الشعب الصيني، لذلك لم تكن الدراجة مجرد "أداة نقل"، بل هي جزء من سردية سياسية تهدف إلى إظهار القائد كواحد من عامة الشعب، يفهم احتياجاتهم ويعمل من أجلهم.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس
الشوارع في الضفة الغربية
في عيد هذا العام، سافرت إلى يعبد في رحلة يفترض أن تستغرق ما بين ساعة وساعة ونصف تقريبًا. لكن الزمن في الضفة الغربية المحتلة لا يُقاس بالمسافات وحدها، بل بالحواجز العسكرية والبوابات والسواتر والإغلاقات التي تحوّل الطريق القصير إلى رحلة طويلة ومعقدة ومليئة بالتوتر. وما إن يبدأ المرء السفر حتى يكتشف أن الشارع هنا ليس مجرد وسيلة للانتقال بين مكان وآخر، بل جزء من واقع سياسي وجغرافي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية.
خلال رحلتي رأيت كل أنواع الشوارع: شوارع التفافية واسعة، وشوارع هامشية ضيقة، وطرقًا محطمة، وأخرى مضاءة بعناية، وشوارع مستقيمة تمتد لمسافات طويلة، وأخرى ملتوية تتعرج بين التلال والقرى. غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو أنها نتاج هندسة خاصة فرضتها ظروف الاحتلال. فهندسة الشوارع في الضفة الغربية ليست مجرد عملية تخطيط عمراني، بل هي، في كثير من الأحيان، أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان.
أداة سيطرة وتحكم مصممة بطريقة بالغة الدقة.
في الأماكن الطبيعية تكون الطرق جزءًا من حياة الناس؛ ترى على جوانبها حقولًا ومزارعين، أكشاكًا للبطيخ والبندورة، قطعانًا من الأغنام، وعائلات تتنزه تحت الأشجار. أما في كثير من شوارع الضفة الغربية فإن هذه المشاهد تتراجع لصالح فضاء جامد ومراقب، صُمم ليكون ممرًا للحركة أكثر منه مساحة للحياة. يصبح الطريق حادًا وغريبًا، وتتحول تجربة السفر إلى حالة من الترقب والحذر بدل أن تكون فرصة للتواصل مع المكان واكتشافه.
هذه الشوارع لا تؤثر فقط في حركة الأفراد، بل في الاقتصاد والتنمية والعلاقة بالأرض أيضًا. فهي تعيد رسم المسافات بين المدن والقرى، وتفرض مسارات محددة للحركة، وتؤثر في فرص الاستثمار والعمل والسياحة. ومع الوقت، يصبح التحكم بالشارع شكلًا من أشكال التحكم بالمجال العام وبالقدرة على التخطيط للمستقبل. فالطريق لا يصل بين الأمكنة فحسب، بل يحدد أيضًا طبيعة العلاقة بينها.
ومن هنا تبدو شبكة الطرق في الضفة الغربية أكثر من مجرد بنية تحتية. إنها وسيلة لإعادة توزيع السكان، وتعميق العزل بين المناطق، وخلق مزيد من الاعتماد على مسارات محددة تخضع للمراقبة والتحكم. ولهذا يشعر كثير من المسافرين بأن الطريق ليس فضاءً محايدًا، بل تجربة تذكرهم باستمرار بالقيود المفروضة على حركتهم وحياتهم اليومية.
إن السفر في الضفة الغربية يبقى تجربة محفوفة بالاحتمالات غير المتوقعة؛ فالحاجز قد يغلق فجأة، والبوابة قد تعطل الرحلة، والطريق قد يتغير مساره في أي لحظة. لذلك لا تبدو الشوارع هنا مجرد خطوط على الخريطة، بل تعبيرًا عن واقع معقد يترك أثره في الإنسان والمكان معًا. ولهذا فإن أي نقاش حول الطرق في الضفة الغربية لا يمكن أن يقتصر على الهندسة والمواصلات فقط، بل يجب أن يتناول أيضًا أثرها الاجتماعي والاقتصادي والإنساني، ودورها في تشكيل العلاقة بين الناس وأرضهم ومستقبلهم.شبكة الطرق في الضفة الغربية المحتلة رؤية سياسية وتخطيط اقتصادي وخطة امنية،والمعضلة هنا أن هذه الشبكة بهذه الأهداف لن تؤدي إلى المأمول منها، ما لم يحله السلاح لن تحله الشوارع.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس
الحرب لمصلحة المستعمرة
يُصر الرئيس الأميركي ترامب على ربط الهجوم وحربه على إيران بدوافع دعم المستعمرة الإسرائيلية، وتقويتها وإعطائها الأولوية، والتأكيد على أن ما فعله ضد إيران يعود إلى دوافع إسرائيلية وخدمتها، حتى لو تعارضت مع مصالح الولايات المتحدة، مع أن ما فعله ضد إيران لم يتعارض مع التطلعات الأميركية في البقاء في موقع الدولة الأكثر تأثيراً ونفوذاً مقارنة مع دوافع صدامها أو تعارضها أو هيمنتها على العالم، في مواجهة الأطراف الثلاثة: الصين وروسيا وأوروبا، فالأطراف الثلاثة وإن اختلفت أو اتسعت أو تقلصت مظاهر الخلاف بينها وبين المصالح الأميركية، ولكنها تسعى للتخلص من النفوذ والسيطرة والهيمنة الأميركية وسياساتها الأحادية على العالم، بعد أن سادت العقلية الضيقة التي طبعت السياسات الأميركية في عهد الرئيس ترامب.
لقد تطور الموقف الأميركي نحو إيران ماراً بعدة محطات:
1- الهجوم الأميركي على إيران في شهر حزيران 2025.
2- الهجوم العسكري الأميركي الإسرائيلي المشترك على إيران بدءاً من 28 شباط، حتى 7 نيسان 2026.
3- بدء المفاوضات الأميركية الإيرانية برعاية باكستانية منذ توقف الحرب ولا زالت.
4- على الرغم من التفوق الأميركي مقارنة مع قدرات إيران، ورغم القصف والأذى الذي تعرضت له إيران، ولكنها صمدت أمام الهجوم الأميركي متعدد الألوان والأشكال العسكرية جواً وبحراً.
5- لم تُهزم إيران، بدلالة فشل البرنامج الأميركي الذي هدف إلى: إسقاط النظام، وبقي النظام الإيراني صامداً، رغم ما تعرض له من وجع وتدمير، واغتيال للقيادات السياسية والعسكرية والأمنية، كما لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض شروطها، ولم تُذعن إيران لهذه الشروط، وهذا ما يُفسر عدم التوصل إلى اتفاقات نهائية عبر المفاوضات المتعثرة إلى اليوم.
6- لم تنتصر إيران، ولم تتمكن من هزيمة الولايات المتحدة، وانتزاع ما تسعى إليه عبر المفاوضات.
الولايات المتحدة، اضطرت بعد: 1- هجومها العسكري على إيران، 2- وبعد معركة الحصار البحري مقابل إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، كي يستعمل كل منهما قدراته السياسية والتفاوضية، ولا زالت معركة المفاوضات مستمرة انعكاساً للوضع العسكري الذي لم يحسم لصالح طرف على حساب الطرف الآخر.
اضطرار الولايات المتحدة لقبول وقف إطلاق النار يعود إلى عدة أسباب:
أولها ارتفاع أسعار السلع على المواطن الأميركي بسبب ارتفاع أسعار النفط، حيث لم يكن المواطن الأميركي العادي الذي لا يهتم بالسياسة، لم يعرف أن بلاده في حالة حرب إلا بعد أن ارتفعت أسعار السلع عليه.
ثانيها أن لدى الولايات المتحدة مباريات كأس العالم التي تبدأ بعد أيام.
ثالثاً أن لديها انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب في شهر تشرين الثاني نوفمبر المقبل، وسيدفع الحزب الجمهوري والرئيس ترامب فشل وإخفاق معركته ضد إيران.
الرئيس ترامب ربط وقف إطلاق النار بالابتزاز الأميركي نحو بعض الدول العربية المتضررة من هذه الحرب، بمطالبته أولاً دفع تعويضات مالية لإيران مقابل ما تعرضت له من أضرار، وثانياً تطبيع العلاقات مع المستعمرة الإسرائيلية على قاعدة ما يسمى تلفيقاً الاتفاقات الإبراهيمية، وبذلك ربط الحرب ودوافعها لمصلحة المستعمرة الإسرائيلية بداية ونهاية، وبالتالي لم يضع في حساباته مصالح العرب الوطنية والقومية وفي طليعتها القضية الفلسطينية وعدالة تطلعاتها المشروعة القانونية، بل حملهم المسؤولية انه قام بهذه الحرب خدمة لمصالح بعض البلدان العربية وحمايتها.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس
منظمة التحرير الفلسطينية بين استعادة الدور واستنهاض المشروع الوطني
في الذكرى الثانية والستين لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية التي صادفت يوم ٢٨ أيار، لا تبدو المناسبة مجرد استعادة لمحطة تاريخية في مسيرة شعبنا الفلسطيني، بل لحظة مراجعة نقدية وطنية عميقة تتعلق بمصير المشروع الوطني الفلسطيني التحرري نفسه، في ظل أخطر مرحلة يمر بها شعبنا منذ جريمة النكبة المستمرة حتى اليوم بأشكال متعددة.
ففي الوقت الذي ما زالت تتعرض فيه غزة لحرب إبادة مفتوحة وتقسيم فعلي، وتتصاعد عمليات الضم والاستيطان والتفكيك الممنهج في الضفة الغربية بما فيها القدس وإقرار تشريعات استعمارية مثل قانون تسوية الأراضي، وما يتعرض له الأسرى كما وشعبنا بالداخل من سياسات الفوقية اليهودية والتمييز العنصري، وتُستهدف فيه مخيمات اللجوء والوجود الفلسطيني في الشتات بأشكال مختلفة، يعود السؤال الجوهري أمامنا، أين تقف منظمة التحرير اليوم؟ وهل ما تزال قادرة على أداء وظيفتها التحررية والتمثيلية كبيت معنوي جامع للكل الفلسطيني منذ ان تأسست من أجل ذلك بمدينة القدس عام ١٩٦٤؟
لقد شكّلت المنظمة، منذ انطلاقتها، الإنجاز السياسي والمعنوي الأهم في تاريخ شعبنا الفلسطيني المعاصر، باعتبارها الإطار الجامع المعبر عن الهوية والكيان المعنوي الذي وحّد الفلسطينيين في الوطن والشتات تحت راية مشروع تحرري، وقاد معركة تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي. فلم يكن الإعتراف العربي والدولي بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني مجرد قرار سياسي، بل نتيجة تراكم كفاحي وتضحيات هائلة قدمها شعبنا وحركته الوطنية منذ بدايات ثورة عام ١٩٣٦.
غير أن التحولات السياسية التي أعقبت اتفاق أوسلو وملحقاته، وما نتج عنها من انتقال مركز الثقل من المنظمة إلى السلطة الفلسطينية، أدّت تدريجياً إلى تهميش مؤسسات المنظمة وإضعاف دورها السياسي والوطني، حتى باتت في كثير من الأحيان أقرب إلى إطار رمزي منه إلى قيادة فعلية للمشروع الوطني التحرري في وقت لم تتوقف فيه محاولات شطبها السياسي وخلق بدائل لها افشلها شعبنا بتضحياته.
والأخطر من حالة الجمود التي أصابت مؤسسات منظمة التحرير، هو الانتقال تدريجياً إلى التعامل معها وكأنها مجرد إطار تابع للسلطة الفلسطينية كمشروع حكم ذاتي مؤقت، لا مرجعية وطنية عليا لها. وقد تجلى ذلك في الجدل القانوني والسياسي الذي أثارته بعض القرارات المتعلقة بإخضاع مؤسسات المنظمة لولاية السلطة، بما اعتبرته مؤسسات وطنية وحقوقية وقانونية مساساً بمكانة المنظمة كشخصية قانونية دولية، وبطبيعة العلاقة الأصلية التي يفترض أن تكون فيها السلطة إحدى أدوات المنظمة لا بديلاً عنها أو مرجعية فوقها.
اليوم، وفي ظل مشاريع التصفية التي تعود بأشكال مختلفة للمنطقة بعد مسلسل المتغيرات والتحولات، لم يعد ممكناً التعامل مع أزمة منظمة التحرير بوصفها أزمة إدارية أو تنظيمية فقط، بل باعتبارها أزمة تتعلق بمستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني ذاته. فالمشروع الإسرائيلي ـ الأمريكي لم يعد يكتفي بمحاصرة شعبنا ميدانياً، بل يسعى إلى تفكيك وحدة تمثيله السياسي، عبر الإبقاء على الانقسام والتقسيم والفصل الجغرافي والسياسي، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملفات إنسانية وإدارية منفصلة، والتعامل مع غزة باعتبارها مساراً خاصاً منفصلاً عن مرجعية المنظمة واستبدال ذلك بما يسمى "بلجنة أدارة غزة" بإشراف مجلس ترامب للسلام، ومع الضفة باعتبارها مناطق معازل جغرافية وحكم إداري وأمني منزوع السيادة، فيما يُراد للقدس واللاجئين أن يتحولا إلى قضايا مؤجلة ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
كما أن إعادة طرح مشاريع توسيع اتفاقات التطبيع الإقليمي والتي يتحدث عنها ترامب اليوم في سياق المفاوضات الايرانية الأمريكية، تعكس استمرار الرؤية ذاتها التي قامت عليها "صفقة القرن" الأولى، والقائمة على دمج إسرائيل في المنطقة على حساب تجاوز جوهر القضية الفلسطينية ومحاولة إعادة تعريفها كأزمة أدارة سكانية معيشية أو أمنية قابلة للإدارة، لا كقضية تحرر وطني لشعب واقع تحت الاحتلال، من خلال محاولات فرض الرؤية الصهيونية التوراتية المزعومة حول أرض إسرائيل الكبرى.
في مواجهة ذلك، لا يكفي التمسك الرمزي بمنظمة التحرير، بل المطلوب استعادة دورها ووظيفتها التاريخية السياسية عبر عملية تجديد واستنهاض، وخطة إنقاذ وطني شاملة، تعيد بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية، تبدأ بعقد مجلس وطني فلسطيني جديد مُنتخب يضم الكل الفلسطيني في الوطن والشتات بعيدا عن التعيين والمحاصصة التي فقدت جزء من معانيها وادواتها، بما يضمن مشاركة القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمستقلين، وتمثيل الشباب والمرأة والطاقات الوطنية الحية التي تقود اليوم أشكال الصمود والمواجهة المختلفة وذلك وفق النتائج التي ستفرزها الإنتخابات الديمقراطية المقررة لهذا المجلس في شهر نوفمبر القادم.
كما يتطلب الأمر إعادة صياغة العلاقة بين المنظمة والسلطة الفلسطينية، بحيث تعود المنظمة إلى موقعها الطبيعي كمرجعية عليا فاعلة ومنتخبة الهيئات للمشروع الوطني التحرري، لا أن تبقى خاضعة لوظائف السلطة والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فالسلطة، مهما كانت أهميتها الإدارية في شان أدارة الخدمات المعيشية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن المشروع التحرري الوطني ولا عن الإطار الجامع للشعب الفلسطيني المتمثل بالمنظمة، بل مكملاً له وإداة في خدمته.
إن استعادة منظمة التحرير فعليا وعمليا لا تعني العودة إلى الماضي أو إعادة إنتاج الأشكال والادوات القديمة، بل إعادة بنائها كإطار وطني جبهوي عصري تتجدد به الحركة الوطنية الفلسطينية وتخرج به من أزمتها البنيوية، يكون قادر على الجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية والقانونية والتعامل مع التحولات الجارية بالنظام الإقليمي والدولي على أساس وحدة الأرض والشعب والقضية الوطنية، واستنهاض الطاقات الفلسطينية في كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني ضمن استراتيجية وإرادة سياسية وطنية موحدة تستند إلى حق شعبنا في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال أولاً، وحل قضية اللاجئين في اطار الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف سنداً للقرارات الأممية.
فمنظمة التحرير لم تكن يوماً مجرد مؤسسة إدارية، بل كانت فكرة وطنية كفاحية جامعة، وتجسيداً لإرادة شعب قرر أن يقاوم ويبقى حياً، وأن يواصل نضاله من أجل الحرية والاستقلال الوطني مهما أشتدت التحديات في مواجهة تداعيات المشروع الاستعماري الصهيوني المستمر على حساب حقوقنا التاريخية والسياسية والقانونية.
* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس
جدتي كانت تعرف ما ننساه اليوم
لم أرَها قط. كنت في عامي الأول حين رحلت، وكل ما بقي منها في حياتي هو البوم صور يجمعني بها وتلك الحكايات التي كان أبي يرويها بصوت تتغير نبرته حين يذكرها، وكأن ذكرها وحده يُعيد إليه شيئاً ضاع منذ زمن بعيد. أعمامي أيضاً كانوا يتحدثون عنها بطريقة من يصف شخصاً أكبر من أن تحتويه الكلمات. من هذه الحكايات المتناثرة، رسمت في ذهني صورة لامرأة لم تقرأ ولم تكتب، لكنها كانت تحمل إيماناً بالعلم يفوق كثيراً من المتعلمين. كانت أمية بكل ما تعنيه الكلمة، لكنها كانت تصر، بعناد غريب ومدهش، على أن يتعلم أبي. كانت توقظه في الفجر البارد، تجهز له كسرة خبز، وتدفعه نحو المدرسة التي تبعد أميالاً، وكأنها تدفعه نحو طوق نجاة وحيد في بحر هائج. هذا الإصرار كان فعل وعي استثنائي في زمن قاس لا يرحم الضعفاء.
ما يستوقفني في هذه الصورة التي رسمتها من الحكايات هو أنني لم أحتج أن أراها لأتأثر بها. الجدة التي لم أعرفها تركت أثرها في حياتي عبر ما رواه عنها أبي وأعمامي، وهذا وحده يقول شيئاً عميقاً عن قوة الأثر الإنساني حين يكون حقيقياً. وحين أتأمل اليوم في حالنا، نحن الذين نغرق في بحر من الشاشات المضيئة والأجهزة الذكية والفرص المتاحة بضغطة زر، أجدني أقف أمام مفارقة موجعة جيلها، الذي لم يملك شيئاً، كان يملك إيماناً صلباً بالعلم، وجيلنا، الذي يملك كل شيء، يبدو أحياناً وكأنه فقد البوصلة، أو ربما فقد الرغبة ذاتها.
جدتي التي لم أعرفها لم تكن شخصية في حكايات العائلة. كانت، بالنسبة لي، رمزا للإرادة التعليمية في أنقى صورها وأكثرها تجرداً. الأمية لم تمنعها من إدراك قيمة المعرفة. كانت تفهم، بغريزة الأمومة وذكاء الفطرة الصافية، أن التعليم هو طريق النجاة الوحيد، وهو الباب الذي يُفتح على الكرامة الإنسانية. في تلك الأيام الخوالي التي يصفها أبي، كانت المدرسة تعني القسوة، وقلة الموارد، والكتب المهترئة التي تتوارثها الأجيال طالباً بعد طالب، ومع ذلك، كان هناك توق حقيقي، جوع حقيقي للتعلم. كانوا يمشون حفاة أحياناً، تحت شمس حارقة أو مطر غزير، ليصلوا إلى المعرفة. أما اليوم، فالمعرفة هي التي تمشي إلينا، تطرق أبوابنا، وتتسلل إلى جيوبنا عبر هواتفنا الذكية، ومع ذلك، نجد أنفسنا نتثاءب أمامها بملل.
لماذا ضعفت الرغبة اليوم؟ هل المشكلة في قلة الوسائل؟ قطعاً لا. المشكلة، ربما، تكمن في الراحة المفرطة. الراحة التي قد تُنتج، دون أن نشعر، خمولاً معرفياً يتسلل إلى عقولنا ببطء. التوافر الدائم للأجهزة، والملخصات الجاهزة التي تُعد في ثوانٍ، والنسخ السريعة بـ “نسخ ولصق”، يعطينا وهماً لذيذاً بأننا نمتلك المعرفة، بينما نحن في الحقيقة لا نمتلك سوى “الوصول” إليها. سهولة الوصول إلى المعلومة لا تعني بالضرورة عمقاً في الفهم. حين تحصل على الإجابة في ثانية واحدة عبر محرك بحث، فإنك تفقد متعة البحث، وتفقد ذلك الجهد العقلي الذي يحفر المعلومة في تلافيف الدماغ ويجعلها جزءاً من تكوينك.
وهنا، أجد نفسي أعود إلى تفصيل صغير، تفصيل يبدو تقنياً لكنه في صميمه تربوي وإنساني عميق الكتابة باليد. في عصرنا هذا، أصبحت الكتابة باليد تبدو وكأنها عادة قديمة، طقس من طقوس الماضي الذي نتخلى عنه تدريجياً لصالح لوحات المفاتيح السريعة والشاشات اللمسية. لكن العلم الحديث، ويا للمفارقة العجيبة، يعود ليؤكد ما كانت تعرفه الأجيال السابقة بالفطرة. الدراسات العصبية الحديثة، مثل تلك التي أجراها باحثون في جامعة برينستون وجامعة كاليفورنيا، تشير بوضوح إلى أن الكتابة باليد ليست فقط حركة عضلية ميكانيكية بسيطة. إنها تنشط مناطق أوسع بكثير في الدماغ مقارنة بالطباعة. حين تمسك القلم، وتجبر يدك على تشكيل الحروف بانحناءاتها وزواياها، فإنك تبطئ إيقاع عقلك قليلاً، وتجبره على معالجة المعلومات، وفهمها، وإعادة صياغتها قبل تدوينها. هذا الجهد، هذا التباطؤ المتعمد، هو الذي يثبت المعلومة ويخلق الفهم العميق. الجهد هنا ليس عائقاً للتعلم، بل هو جزء أصيل من بنائه وهندسته.
ما الذي يعنيه هذا تربوياً؟ يعنيه الكثير جداً. إنه يضعنا أمام أسئلة قاسية لا مفر من مواجهتها هل نحن نربي الطالب اليوم على الفهم العميق أم على النسخ السريع؟ هل نجعل التعلم تجربة ذهنية وجسدية متكاملة، أم نحوله إلى مجرد ضغط أزرار باردة لا روح فيها؟ العودة إلى الورقة والقلم، خاصة في المراحل التعليمية الأولى، ليست ارتداداً إلى الماضي أو رفضاً للتقدم، بل هي حماية لمستقبل العقل البشري. إنها محاولة جادة لإنقاذ التعلم من سطحية السرعة التي تبتلع كل شيء جميل.
الرسالة الأوسع التي يجب أن نلتقطها اليوم هي أننا لا نحتاج إلى المزيد من الوسائل التقنية ، بل نحتاج، وبشكل ملح، إلى إحياء قيمة “الجهد”. الماضي لم يكن مثالياً، كانت فيه قسوة وحرمان وألم، لكنه كان حاملاً لدرس مهم نسيناه في زحمة التكنولوجيا الإنسان يتعلم حقاً حين يتعب قليلاً من أجل المعرفة. الطريق الأبطأ، الطريق الذي يتطلب ورقة وقلماً وتركيزاً وانتباهاً، قد يكون هو الأرسخ أثراً والأبقى في الذاكرة على المدى الطويل.
كانت الأمية عند جدتي شكلاً من أشكال الحرمان القسري، لكن الوعي لم يكن غائباً عنها لحظة واحدة، هكذا كان يقول أبي حين يذكرها. أما اليوم، فقد يكون الامتلاك المادي كاملاً، الشاشات تضيء في كل زاوية من زوايا بيوتنا ومدارسنا، لكن الوعي هو الذي يضعف ويتلاشى وسط هذا الزحام. هل نحن نمتلك الأدوات الكثيرة أم نملك الإصرار الذي يجعلها مفيدة حقاً؟ جدتي التي لم أعرفها، ولم تكتب ولم تقرأ كتاباً في حياتها، تركت في من جاء بعدها درساً لم يُكتب في أي مقرر: العلم لا يُهدى في علبة أنيقة، بل يُطلب بالجهد، ويُحفر في العقل بالتعب.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس
“عايز حقي”…
يرسم الكاتب طارق عبد الجليل في قصته "عايز حقي”، (والتي تحولت إلى فيلم سينمائي) صورة دقيقة ومؤلمة لحال الناس، وخاصة الشباب، نتيجة العوز والفقر والحاجة التي أصابت المجتمع وأضعفت أركانه.
ثم تجلت دقة المعالجة عند الكاتب عندما جسدها من خلال معرفة المواطن "الغلبان" المحتاج (صابر)، أن في الدستور مادة تتحدث عن الملكية العامة وحق كل مواطن فيها، فيقرر هذا المواطن العمل على حل ضائقته المالية عن طريق "بيع حقه" في تلك الملكية.
إن الناظر لحال أمتنا اليوم، من مشرقها إلى مغربها، يجد أن جل أبنائها يعيشون في فقر وعوز مدقع. وقد انعكس هذا الحال سلبًا على كل مناحي وجوانب حياة الناس، ولا سيما فئة الشباب، أمل هذه الأمة ومستقبلها. هذا العنصر الحيوي من الأمة الذي ما زال يملك الطاقة والحيوية، يدفع ثمنًا غاليًا من أجل تأمين حاجاته وخاصة سني عمره، مما جعل هذه الفئة الهامة تائهة وغير قادرة على تحقيق أبسط متطلباتها.
الحقيقة الدامغة هي أن بلادنا ليست فقيرة، وليست جدباء أو عقيمة في ثرواتها، بل الحقيقة الثابتة أن من يرعى شؤون هذه البلاد هم من أوجدوا واقع العوز والفقر بنهب الثروات، وإعطاء الامتيازات للدول الاستعمارية لترضى عنهم. فكان الطرف الذي يدفع الثمن هم أهل البلد. فأمتنا تكتوي بنار الفقر، وتتلظى على جمر الحرمان، وهي تملك من النعم ما يجعلها في قمة رغد العيش.
إذاً، الناس في بلادنا يُحرَمون من نعم بلادهم بفعل فاعل وسياسة مقصودة، ولو أخذوا حقهم في الملكية العامة وحدها لكفتهم، ولأخرجت الناس من هذه الحالة المظلمة إلى حالة اليسر والاستقرار.
ولما كان فقرنا وعوزنا وحالنا المأساوي المزري ليس نتاج "جنحة طارئة"، بل هو نتاج سياسات تهدف لإبقاء الناس يركضون خلف رغيف الخبز ولا يفكرون بسواه، وجب على الناس التحرك لانتزاع حقهم المسلوب انتزاعًا، والتحرر تحررًا كليًا يعيد السلطان للمبدأ والسيادة للأمة، لتعيش في أرقى درجات العيش الهانئ والرغيد.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس
فيصل الحسيني أمير القدس الذي لم يغادرها
ثمة رجال يرحلون فتبتلعهم السنوات، وثمة رجال يعبرون إلى الغياب لكنهم يبقون عصيين على الرحيل.
يبقون في الذاكرة، وفي اللغة، وفي الأمكنة التي أحبوها حتى صاروا جزءًا منها.
وكان فيصل الحسيني واحدًا من هؤلاء.
في ذكرى رحيله، لا نستعيد رجلًا بقدر ما نستعيد معنى. ولا نتذكر سيرة شخصية بقدر ما نستحضر مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني، كان فيها الانتماء التزامًا أخلاقيًا، وكانت القدس بوصلة لا تحيد، وكانت الوطنية فعلًا يوميًا من الصبر والكرامة لا مادة للاستهلاك السياسي.
وحين يُذكر اسم فيصل الحسيني، تحضر القدس تلقائيًا. لا بوصفها مدينة فحسب، بل بوصفها قدرًا.
فقد كانت العلاقة بين الرجل والمدينة أعمق من علاقة سياسي بقضية، أو قائد بعاصمة وطنه المحتلة. كانت علاقة نادرة بين روحين تشبه إحداهما الأخرى؛ كلتاهما مثقلة بالجراح، وكلتاهما عصية على الانكسار.
بعض المدن تُنجب أبناءها. أما القدس، فكانت كلما ضاقت بها المحن تنجب رجالًا يشبهون حجارتها؛ صامتين في الظاهر، راسخين في العمق، وعنيدين في مواجهة الزمن.
وكان فيصل الحسيني واحدًا من أكثر أبنائها شبهًا بها. لم يكن أمير القدس لأن أحدًا منحه لقبًا. فالقدس لا توزع ألقابها، ولا تمنح مكانتها إلا لمن يدفع ثمن الانتماء كاملًا. وقد دفع الرجل عمره كله في هذا الطريق. لم يحمل القدس كشعار، بل كمسؤولية. ولم يتحدث عنها كقضية عامة، بل كجزء من كيانه الشخصي.
ولهذا بقي اسمه ملتصقًا بها حتى بدا، في الوعي الفلسطيني، وكأن أحدهما لا يُذكر إلا ويستدعي الآخر. كان يدرك أن الاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها. فالأرض قد تُصادر، والبيوت قد تُهدم، والأسوار قد تُحاصر. أما الخطر الأكبر فيكمن في استهداف الذاكرة؛ في محاولة اقتلاع شعب من روايته، ومدينة من حقيقتها، وتاريخ من جذوره.
لهذا، كانت معركته دفاعًا عن المعنى قبل أن تكون دفاعًا عن المكان. دفاعًا عن حق الفلسطيني في أن يروي حكايته بنفسه، وعن حق القدس في أن تبقى حاضرة في الوعي كما هي حاضرة في التاريخ.
لم يكن الأعلى صوتًا في زمن الضجيج، لكنه كان من أولئك الذين يمنحون الكلمات وزنها، والمواقف قيمتها، والحضور معناه، وكان يدرك أن الأوطان لا تحتاج دائمًا إلى من يتحدث باسمها، بقدر ما تحتاج إلى من يحملها بأمانة، لذلك بدا مختلفًا. لا لأن زمنه خلا من الرجال، بل لأنه كان من ذلك الطراز النادر الذي يزداد وضوحًا كلما ابتعدت به المسافة عن زمنه. فالأيام لا تصنع قيمة الكبار.
إنها تكشفها فقط.
ولهذا تتراجع أسماء كثيرة كانت تملأ المشهد صخبًا، بينما تبقى أسماء أخرى تنمو بهدوء داخل الذاكرة الوطنية حتى تتحول إلى جزء من وجدان شعب كامل.
وكان فيصل الحسيني من هؤلاء. بعض الرجال يتركون خلفهم مناصب وسيرًا ذاتية وصورًا مؤطرة على الجدران. أما الرجال الكبار حقًا، فيتركون أثرًا. والأثر هو الشكل الأرقى للخلود. لهذا لا يبدو الحديث عن فيصل الحسيني اليوم حديثًا عن الماضي.
فثمة أشخاص يتحولون، بعد رحيلهم، إلى قيمة أخلاقية ومعيار وطني يُقاس به ما بعده.
وحين نفتقدهم، لا نفتقد حضورهم الشخصي فقط، بل نفتقد تلك الطمأنينة التي كانت تمنحها معرفتنا بأن بينهم وبين القدس عهدًا لا ينكسر.
سلام على روحك يا أمير القدس.
سلام على قلبٍ ظلّ وفيًا لها حتى آخر نبضة.
وسلام على اسمٍ لم تحفظه الوثائق الرسمية بقدر ما حفظته محبة الناس.
تمر الأعوام، وتتبدل الوجوه والخطابات والرايات، لكن أسماء قليلة فقط تنجو من قسوة الزمن.
أسماء لا تعيش في الأرشيف، بل في الضمير.
وكان فيصل الحسيني واحدًا منها.
لم يكن أمير القدس لأنه عاش فيها.
بل لأنه عاش لها.
وحين رحل، لم تأخذه القدس إلى ذاكرتها فحسب، بل إلى روحها. وهناك، في ذلك المقام الذي لا تصل إليه قوة احتلال
ولا تطوله خرائط الطامعين، ما زال يقيم.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:31 صباحًا - بتوقيت القدس
فيصل الحسيني.. رجل المدينة الباقي
يبدو لي أنني أمام اختبار صعب، حين أكتب عن رجلٍ بات مع الأيام جزءًا من جغرافيا المعنى.
ولأن بعض الراحلين يتركون خلفهم سيرة. وبعضهم يتركون ظلًا. أما فيصل الحسيني فترك شيئًا أشد التباسًا وأبعد غورًا، فقد ترك أثرًا يشبه ذلك العطر الذي يبقى في البيت بعد أن يغادر أصحابه بسنوات طويلة، فلا يُرى ولا يُلمس، لكنه يواصل حضوره في الذاكرة.
يمرّ عبق الرحيل، فتخطر القدس على البال قبل أن يخطر هو. وكأن الرجل الذي سكن المدينة، كانت المدينة تسكنه حتى قبل ولادته.
كان يمشي في أزقتها القديمة كما يقرأ العارف في كتابه المفضل. يعرف مواضع الضوء على الحجارة قبيل الضحى، ويعرف كيف تتغير رائحة الأسواق حين تهبّ الريح من الجهات الست. يسمع صمت القباب حين يخلو المكان من الضجيج، ويدركُ الحزن الذي تخفيه النوافذ العتيقة خلف خشبها المتعب.
كانت القدس بالنسبة له أشمل من قضية سياسية بالمعنى الذي تعرفه القاعات المغلقة والبيانات الرسمية، إذ إنها كانت حالًا مستمرًا، ومقامًا للنجوى و تحولت إلى امتحانٍ يوميّ للوفاء.
لهذا ظلّ متعلقًا بها كما يتعلق المتصوف باسم الله، لم يطلب مكسبًا، ولا جزاءً لانتظار، لأن محبة القدس نفسها صارت قدرًا لا فكاك منه.
في الأزمنة التي كانت فيها الكلمات تكثر وتقلّ المعاني، اختار الحسيني الطريق الأصعب، طريق العمل الصامت الذي يشبه جريان الدم في الأوردة. لا يُرى دائمًا، لكنه يبقى ليصنع أثره في نبض القلب.
وفي حركة فتح، كان حثيث البحث عن موطئ قدم لفلسطين في عالم يتسع للقوة أكثر مما يتسع للحق. فهو يعرف أن السياسة، حين تنفصل عن الناس، تتحول إلى حوار معتل بالبرودة.
لذلك ظلّ منحازًا إلى دفء البشر، ووجوه المقدسيين البسطاء، وأصحاب الدكاكين الصغيرة، وخروب المدينة وكعكها المنغمس بالحليب النقي، كما كان ملتصقًا بأولئك الذين كانوا يرون في القدس أكثر مما تراه الخرائط.
ولعل سرّه الحقيقي أنه لم يتعامل مع الحجارة بوصفها إرثًا تاريخيًا، عايشها وكأنها كائن حيّ يبكي ويضحك ويثور.
كان يصغي إليها، كأنها حديث الجدّة وهذه موهبة نادرة.
فالمدن، مثل البشر، لا تبوح بأسرارها إلا لمن يحبها بما يكفي. وحين رحل، بدا الأمر لكثيرين كأن بابًا من أبواب الأقصى قد أغلق، ذلك لأن الرجال لا يُعوَّضون، حيث أن بعض الأرواح تمتلك بصمتها الخاصة التي لا تتكرر.
ومع ذلك، لم ينقطع حضوره. ثمة رجال يواصلون حياتهم بعد الموت بطرقٍ أخرى.
يتحولون من أشخاص في الذاكرة إلى ذاكرة بحد ذاتها. ثم من ذاكرة إلى معنى.
ومن معنى إلى جزء من السردية الكبرى التي تسردها الشعوب عن نفسها.
وفي رحاب المسجد الأقصى، حيث يرقد جسده إلى جانب والده، تنهض البداية لسيرة لم تكتمل بعد.
هناك، تحت سماء القدس التي أحبها حتى ذاب فيها، يستريح الرجل الذي أمضى عمره كله كأنه يحرس شعلةً من الريح.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في ذكراه أنه حارس القدس الذي أحبها.
والحراسة يمكن تفرضها الواجبات. لكن المحبة فلا يمكن فرضها. إنها اصطفاء الروح. ولهذا بقي اسمه عالقًا في ذاكرة المدينة كما تعلق نواقيس المساء في الهواء بعد انقضاء الرنين.
تمر الأعوام تتعاقب الفصول على حجارة القدس. يتبدل القادمون والراحلون، لكن بعض الرجال يظلون هناك، في مكان لا تطاله الشيخوخة ولا الغياب.
يقبعون في طبقات المعنى العميقة، حيث يقيم الذين منحوا أعمارهم لما هو أكبر من أعمارهم.
وهناك، في تلك المسافة بين التراب والذكرى، ما زال فيصل الحسيني حاضرًا، كأن القدس كلما نادت أبناءها المخلصين، جاء صوته من بعيد، هادئًا وواثقًا، مثل بوح مؤذنٍ يعرف دربه للعروج إلى السماء.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:30 صباحًا - بتوقيت القدس
ترمب.. من الفاشل إلى التلاعب في المنطقة
أثار طلب الرئيس الأمريكي، في المكالمة الجماعية مع زعماء دول عربية وإسلامية، الانخراط في اتفاقات إبراهيم ردود فعل واضحة من قبل المملكة العربية السعودية والباكستان بعدم الربط في أي اتفاق بتعلق بالحرب الإيرانية الإسرائيلية- الإيرانية، بل الارتباط الممكن هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967 أو وجود مسار موثوق لإقامة الدولة الفلسطينية، أي التركيز على لُب الصراع في المنطقة المتعلقة بالأساس في الاحتلال الإسرائيلي.
كما أشار هذا الطلب إلى أن ترمب ما زال متعلقا بتحقيق نصر سياسي لنتنياهو من أجل القبول بالمعادلة الجديدة التي ترسمها الولايات المتحدة لمصالحها في المنطقة، وربما إعادة العلاقة مع إيران.
ويبدو أن القراءة الخاطئة للإدارة الامريكية التي بدأت حرباً دون النظر إلى مصالح الدول العربية في الخليج العربي، ألحقت الضرر بمجمل دول الخليج العربي من الناحية الأمنية؛ بسبب استهداف إيران لأراضيها ومنشأتها الاقتصادية خاصة النفطية، وإغلاق مضيق هرمز، ما أثر بشكل كبير على المصالح الاقتصادية لهذه الدول بسبب منع التدفق الحر للتجارة بما فيها تصدر النفط الخليجي إلى دول العالم.
يرتبط طلب ترمب، المذكور أعلاه، بمسألتين الأولى؛ توظيف هذه الحرب للقول إنه حقق السلام في الشرق الأوسط كإنجاز له- أي لترمب- على طريق توسيع اتفاقيات إبراهيم بتوظيف القوة العسكرية الأمريكية لإخضاع المنطقة، وهي إحدى شعاراته السياسية. والثانية؛ محاولة كسب دعم اللوبي الصهيوني في الولايات الأمريكية لصالح مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني المقبل؛ وذلك بسبب فشله في إخضاع كلي لإيران عبر الحرب أو القوة المسلحة.
في ظني، أن أركان الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أن إحداث تغيير في منطقة الشرق الأوسط يتطلب إعادة تموضع لمصالح القوى الإقليمية فيها؛ وبخاصة ما يتعلق بأطماع إسرائيل في المنطقة ووقف عدوانها على دول وشعوب المنطقة نحو تحقيق السلام الشامل المبني على الحقوق وفي مقدمتها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، لتعزيز الاستقرار والأمن والازدهار في المنطقة.
لكن حتى الآن الرئيس الأمريكي ترمب لم يدرك جوهر العلاقات المتشابكة والمتداخلة في منطقة الشرق الأوسط القائمة على التاريخ والهوية والحقوق والجغرافيا والدين والاقتصاد؛ فالعيش المشترك لا يرتبط بالاقتصاد والازدهار وحده، بل الاعتراف بالمكانة دون إهدار لأي من العوامل المتداخلة الكامنة في المنطقة واعتبارات كل طرف من الأطراف.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:29 صباحًا - بتوقيت القدس
"الشهداء يعودون إلى رام الله" ... الفن الفلسطيني في معركة الرواية والوعي
في سجن جلبوع عام 2021، لم يخرج النص من خلف القضبان بوصفه عملاً أدبياً فقط، بل خرج كفعل مقاومة حيّ، وكجزء من معركة الفلسطيني على الرواية والذاكرة والوعي. نص وليد دقة “الشهداء يعودون إلى رام الله” لم يكن مجرد كتابة مسرحية، بل شهادة وطنية وإنسانية تؤكد أن الفلسطيني، حتى وهو في الزنزانة، قادر على تحويل الألم إلى معنى، والقيد إلى صوت، والغياب إلى حضور.
هذا العمل يعيد إلى الواجهة واقع الأسرى، والأسرى الشهداء، والشهداء المحتجزة جثامينهم؛ أولئك الذين يحاول الاحتلال حتى بعد استشهادهم أن يواصل السيطرة على أجسادهم وذاكرتهم ورمزيتهم السياسية. لكن الفن الفلسطيني المقاوم يكسر هذا الاحتجاز الرمزي، ويعيدهم إلى الحياة الوطنية والوجدان الجمعي. فالمسرح هنا لا يقدم قصة فقط، بل يعيد بناء الوعي، ويحفظ الذاكرة من التآكل والنسيان.
القضية الفلسطينية لم تكن يوماً صراعاً على الأرض وحدها، بل أيضاً صراع على الرواية: من يروي الحكاية؟ وكيف تُقدَّم للعالم؟ ومن هنا تأتي أهمية الفن المقاوم باعتباره أحد أهم أدوات الدبلوماسية العامة الفلسطينية. فالمسرح، والسينما، والشعر، والرواية، والأغنية، والإخراج ليست أدوات ترفيه فقط، بل أدوات نضال وصناعة إدراك وتأثير. إنها تخاطب القلوب والعقول معاً، وتتجاوز الحدود السياسية واللغوية لتصل مباشرة إلى الإنسان.
في عالم اليوم، لم تعد الدبلوماسية محصورة في قاعات التفاوض والبيانات الرسمية. القوة الناعمة أصبحت جزءاً أساسياً من معارك القرن الحادي والعشرين، والفلسطيني أدرك مبكراً أن الكلمة والصورة والمشهد المسرحي يمكن أن تكون أدوات مقاومة لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال المشروع.
من مسرح الحرية في جنين، إلى مسرح عشتار، إلى القصبة، تشكلت عبر العقود جبهة ثقافية فلسطينية مقاومة، آمنت أن حماية الرواية الوطنية جزء من معركة التحرر. هذه المسارح لم تكن مجرد منصات فنية، بل مساحات وطنية حافظت على الصوت الفلسطيني حياً رغم الحصار والقمع والاستهداف.
مسرح الحرية حمل صوت المخيم والأسرى والشهداء إلى العالم، وعشتار قدّم المسرح التفاعلي كأداة وعي ومساءلة مجتمعية، بينما حافظ القصبة على دوره كمؤسسة ثقافية وطنية تربط الفن بالهوية والصمود، وقدّم نموذجاً متجذراً في الأرض والذاكرة الشعبية والإنسان. هذه المؤسسات الثقافية لعبت وما زالت تلعب دوراً مركزياً في معركة الوعي الفلسطيني، لأنها لا تقدم الفلسطيني كضحية فقط، بل كإنسان يمتلك رواية وهوية وحقاً وصوتاً وقدرة على الإبداع والحياة. وهذه هي جوهر الدبلوماسية العامة الحقيقية: التأثير بالرواية الإنسانية والرمز الثقافي، لا بالشعارات فقط.
إن أخطر ما يواجه الشعوب الواقعة تحت الاستعمار ليس فقط القمع المادي، بل محاولات محو الذاكرة وصهر الوعي وتجريد الإنسان من قصته. لذلك تصبح القصيدة موقفاً سياسياً، والمسرحية شكلاً من أشكال المقاومة، والكاميرا شاهداً، والأغنية ذاكرة جماعية تحفظ ما يحاول الاحتلال طمسه.
"الشهداء يعودون إلى رام الله" ليس مجرد عمل فني؛ إنه تذكير بأن المقاومة بكل السبل يجب أن تبقى حيّة. فالرواية التي لا تُروى تُسرق، والذاكرة التي لا تُحمى تُمحى. لذلك يواصل الفلسطيني نضاله بالكلمة، وبالمسرح، وبالفيلم، وبالقصيدة، وبكل أدوات الثقافة والفن، لأن معركة الحرية ليست فقط معركة حدود وسياسة، بل معركة وعي وإنسانية وحق في الوجود.
وشعب يناضل من أجل الحرية، لا يملك رفاهية الصمت.
اقتصاد
الإثنين 01 يونيو 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس
سكاي البريطانية تنهي شراكتها في "سكاي نيوز عربية" وتكتفي بترخيص العلامة التجارية
أعلنت مؤسسة سكاي البريطانية رسمياً عن إنهاء شراكتها الاستراتيجية والتشغيلية في المشروع الإخباري المشترك الذي يجمعها بقناة سكاي نيوز عربية، التي تتخذ من العاصمة الإماراتية أبوظبي مقراً لها. ويأتي هذا القرار ليسدل الستار على علاقة استمرت لسنوات طويلة منذ انطلاق القناة، حيث تقرر تحويل العلاقة إلى اتفاق ترخيص يسمح للجانب الإماراتي باستخدام العلامة التجارية فقط.
وبموجب الاتفاق الجديد، ستنتقل كافة الصلاحيات التشغيلية والملكية الكاملة إلى شركة الاستثمارات الإعلامية الدولية (آي إم آي)، المملوكة للشيخ منصور بن زايد آل نهيان. ووفقاً لمصادر صحفية، فإن هذا التحول يعني خروج المؤسسة البريطانية من دائرة اتخاذ القرار التحريري أو الإداري داخل القناة التي تبث على مدار الساعة، مكتفية بالعوائد المالية مقابل الاسم التجاري.
وكانت القناة قد أبصرت النور في عام 2010 كمشروع طموح يهدف لمنافسة القنوات الإخبارية الكبرى في المنطقة العربية، وبدأت بثها الفعلي في عام 2012. وخلال العقد الماضي، سعت القناة لترسيخ مكانتها كمنصة إخبارية رائدة، إلا أن التغييرات الأخيرة في استراتيجية سكاي العالمية دفعت نحو إنهاء هذا التحالف التشغيلي.
من جانبه، صرح ديفيد رودس، الرئيس التنفيذي لمجموعة سكاي نيوز، بأن المؤسسة تعتز بالإنجازات التي حققتها مع الشريك الإماراتي خلال الفترة الماضية. وأوضح رودس أن قرار التغيير جاء في توقيت مناسب للطرفين، مؤكداً أن العلاقة ستستمر في إطارها الجديد بما يضمن استمرارية العمل الإعلامي للقناة في المنطقة العربية.
في المقابل، أشارت تقارير دولية إلى أن هذا الانفصال يأتي في ظل تزايد الانتقادات الموجهة للخط التحريري للقناة، لا سيما في تغطيتها للنزاعات الإقليمية المعقدة. وبرزت هذه الانتقادات بشكل واضح خلال تغطية الحرب الدائرة في السودان، حيث واجهت القناة اتهامات بتبني روايات تخدم أطرافاً محددة في الصراع المسلح هناك.
وكانت الحكومة السودانية قد اتخذت قراراً حاسماً في نوفمبر الماضي بحظر عمل القناة داخل أراضيها، وذلك عقب بث تقرير ميداني من مدينة الفاشر بدارفور. واعتبرت السلطات السودانية حينها أن التقرير قدم صورة مغايرة للواقع الميداني والإنساني الصعب الذي تعيشه المدينة المحاصرة، مما أثار موجة من الجدل الرسمي والشعبي.
وتواجه القناة اتهامات من قبل مراقبين دوليين بأن تغطيتها كانت تميل للتقليل من حجم الانتهاكات المنسوبة لقوات الدعم السريع في السودان. وتأتي هذه الاتهامات في وقت تزايدت فيه الضغوط الدولية لتوثيق الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور، والتي وصفتها بعثات أممية بأنها قد ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية ضد أقليات عرقية.
الوقت قد حان لهذا التغيير، ونحن فخورون بما تحقق عبر الشراكة مع آي إم آي خلال السنوات الماضية وبالحضور الإعلامي الذي تم بناؤه في المنطقة.
كما لفتت تقارير إعلامية إلى وجود تضارب في المصالح لدى بعض الكوادر الصحفية التي عملت على الملف السوداني داخل القناة، مما أضعف من صدقية التقارير الميدانية. وزعمت تلك التقارير أن صلات عائلية ربطت بعض العاملين بمسؤولين في هياكل سياسية داعمة لأطراف النزاع، وهو ما زاد من حدة الهجوم على السياسة التحريرية للمؤسسة.
ورغم هذه الانتقادات، دافعت القناة عن مهنيتها في أكثر من مناسبة، مؤكدة التزامها بنقل الحقائق كما هي على الأرض دون انحياز. وأشارت في ردودها المنشورة إلى أن بعض المزاعم التي تروجها تقارير حقوقية أو صور الأقمار الصناعية تفتقر إلى الأدلة الميدانية القاطعة التي تدعم وقوع انتهاكات ممنهجة في المناطق التي شملتها تغطيتها.
وعلى الصعيد السياسي، نفت دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل متكرر أي تورط لها في دعم أطراف النزاع بالسودان، مؤكدة وقوفها على مسافة واحدة من الجميع. وشددت التصريحات الرسمية الإماراتية على أن الأولوية تكمن في وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب.
وفي سياق التحول الجديد، أكدت نخلة الهج، رئيسة التحول في شركة (آي إم آي) أن الشركة ستتولى المسؤولية الكاملة عن مستقبل المنصة الإعلامية. واعتبرت الهج أن سكاي نيوز عربية تمثل قصة نجاح ملهمة في الإعلام العربي، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد استثمارات ضخمة لتطوير المحتوى والتقنيات المستخدمة.
وتهدف الخطة الجديدة للشركة الإماراتية إلى تعزيز الحضور الرقمي والتلفزيوني للقناة، بما يضمن بقاءها كمصدر رئيسي للأخبار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأوضحت الإدارة الجديدة أن الاستقلال التشغيلي سيعطي القناة مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات المتسارعة في المشهد الإعلامي العالمي.
ويأتي انسحاب سكاي من المشروع الإماراتي كجزء من إعادة هيكلة شاملة تقوم بها الشركة الأم (كومكاست) لاستثماراتها الدولية. فقد سبق لسكاي أن أنهت اتفاقات مشابهة في السوق الأسترالية، كما تراجعت عن خطط طموحة لإطلاق قناة إخبارية عالمية مشتركة مع شبكة إن بي سي الأمريكية في عام 2020.
بهذا التحول، تدخل سكاي نيوز عربية مرحلة جديدة من تاريخها، حيث ستعتمد بشكل كامل على الإدارة والتمويل الإماراتي مع الاحتفاظ بالهوية البصرية والاسم الذي عرفت به. ويبقى التحدي الأكبر أمام الإدارة الجديدة هو الحفاظ على التوازن بين الطموحات التوسعية وبين الالتزام بالمعايير المهنية التي تطلبها الجماهير في منطقة تموج بالصراعات.
فلسطين
الإثنين 01 يونيو 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس
"الفراديس الملغومة" للكاتبة نسب أديب حسين رواية تناقش الجراح الفلسطينية في أمسية في الرامة
شهدت قاعة مركز حنا مويس الثقافي في الرامة أمسية أدبية راقية ومميزة، احتفت بإشهار وتوقيع رواية "الفراديس الملغومة” للكاتبة المبدعة نسب أديب حسين، وسط حضور كمّي ونوعي من المهتمين بالأدب والثقافة والفكر، مساء السبت الموافق 30/5/2026.
افتتح الأمسية المهندس نديم حلو، عضو إدارة المركز بكلمة ترحيبية قدّم فيها الكاتبة ومسيرتها الأدبية، واهتمام المركز بالاحتفاء بإصدارها التاسع، وهو العمل الروائي الثاني بعد مجموعة من الإصدارات في القصة القصيرة واليوميات والرسائل والأبحاث. تلت كلمته كلمة شكر من الكاتبة، ليتولى الشاعر أسامة ملحم إدارة الأمسية، بمحاورة شيقة مع نسب وتوجيه أسئلة لها وللناقد الأديب د.
نبيه القاسم الذي نشر دراسة مهمّة حول الرواية. هذا أتاح للجمهور التعرف على جوانب خفية في العمل الروائي من قضايا حساسة مثل المهجرين في الداخل الفلسطيني، إشكالية الهوية عند الدروز والبدو، مصادرة الأراضي والقرى غير المعترف بها، وآثار الحواجز والأفكار المسبقة بين المناطق الفلسطينية وغيرها الكثير.
كما قرأت الكاتبة مقاطع مختارة من الرواية، لاقت تفاعلًا واستحسانًا كبيرين من الحضور. واختُتمت الأمسية بلفتة وفاء وتقدير، حيث قامت إدارة المركز ممثلة برئيس المجلس الملي الأرثوذكسي ناصيف مويس والسيد عبود عازر، إلى جانب كوكبة من الأصدقاء والمعارف، بتكريم الكاتبة تقديرًا لعطائها الثقافي وإسهامها الأدبي.
هذا ويجدر الذكر أنّ الرواية صدرت عن دار طباق للنشر والتوزيع في رام الله في آذار 2026، وتتوفر في دار طباق في رام الله، والبيت القديم متحف د. أديب القاسم حسين في الرامة، وعلى منصة أبجد، وسيُعلنان عن نقاط بيع أخرى للرواية.
* الصور المرفقة تصوير الاعلاميان محاسن ناصر ومفيد مهنا





أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 9:25 صباحًا - بتوقيت القدس
عيد تحت النار: غزة بين التهجير والتجويع وإعادة رسم الخريطة
لم يعد السؤال في غزة كم شهيداً سيسقط اليوم، بل أي منطقة ستكون الهدف التالي، ومن سيُجبر على النزوح مرة أخرى، وأين سيجد الناس مكاناً ينصبون فيه خيمة جديدة فوق ركام حياة لم يبق منها شيء.
حلّ عيد الأضحى هذا العام على قطاع غزة مثقلاً بالحزن والخوف والجوع. لم تكن هناك أسواق مكتظة، ولا أصوات أطفال ينتظرون ملابس العيد، ولا عائلات تستعد لاستقبال الأقارب. كان المشهد مختلفاً تماماً، طائرات في السماء، وقصف متواصل، وأخبار عن شهداء وجرحى، وعائلات تستعد لاحتمال نزوح جديد في أي لحظة.
في الليالي التي سبقت العيد وخلال أيامه، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية في مناطق مختلفة من القطاع. قصف المنازل في مخيم الشاطئ ومدينة غزة لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل جزءاً من سياسة متواصلة تقوم على التدمير الواسع للأحياء السكنية، وتحويل حياة السكان إلى جحيم يومي يدفعهم إلى الرحيل تحت وطأة الخوف وانعدام الأمان.
ما يجري اليوم يتجاوز فكرة الحرب التقليدية. فبعد أكثر من عامين ونصف العام من القتل والتدمير والحصار، بات واضحاً أن غزة تواجه مشروعاً لإعادة تشكيل واقعها الجغرافي والديموغرافي. الحديث الإسرائيلي المتكرر عن السيطرة على 70% من مساحة القطاع لا يمكن فصله عن واقع المناطق التي أصبحت بالفعل تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. فهذه المناطق تحولت عملياً إلى أراضٍ خالية من سكانها، بعد أن أُجبر أهلها على النزوح مرات متتالية تحت القصف والتهديد.
السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يعني الانتقال من السيطرة على 60% من القطاع إلى 70%؟ الجواب ليس في الأرقام، بل في البشر. وفي ظل التقديرات المتداولة، فإن ذلك يعني مناطق جديدة ستُفرغ من سكانها، وموجات نزوح إضافية، وآلاف العائلات التي ستغادر البريج والمغازي وأجزاء واسعة من شرق دير البلح وغيرها من المناطق التي يُخشى أن تكون الهدف المقبل للعمليات العسكرية. إنه توسيع لمساحة الفراغ السكاني أكثر مما هو توسيع لمساحة السيطرة العسكرية.
في الوقت نفسه، تتواصل سياسة التجويع والحصار باعتبارها وجهاً آخر للحرب. ويبدو أن هدف هذه السياسة يتجاوز الضغط المعيشي المباشر، ليصل إلى محاولة كسر إرادة الفلسطينيين واستنزاف قدرتهم على الصمود، عبر تحويل الجوع والعوز إلى أدوات حرب موازية للقصف والتدمير. فقد حُرم الفلسطينيون للعام الثالث على التوالي من أداء ركن الحج وشعيرة الأضحية، بعد أن منع الاحتلال إدخال عشرات آلاف رؤوس الماشية المخصصة للعيد. ولم يكن ذلك مجرد حرمان من شعيرة دينية، بل امتداداً لسياسة التجويع التي طالت مختلف جوانب الحياة، وحرمت مئات آلاف الأسر من مصدر غذاء كانت تنتظره في ظل المجاعة المتفاقمة وانهيار القدرة الشرائية وانعدام مصادر الدخل.
حتى الأعياد لم تعد بمنأى عن الحرب. فكل ما يرمز إلى الحياة الطبيعية بات هدفاً مباشراً أو غير مباشر. المدارس دُمرت، والجامعات دُمرت، والمستشفيات استُهدفت، والأسواق انهارت، واليوم تُحاصر الأعياد نفسها. وكأن المطلوب ألا يبقى في غزة أي مظهر من مظاهر الحياة أو الاستقرار أو الأمل.
الأرقام والمعطيات تعكس جانباً من حجم الكارثة فقط. عشرات الشهداء خلال أيام العيد، ومئات الشهداء منذ إعلان وقف إطلاق النار، وآلاف الخروقات والجرائم العسكرية، وعشرات آلاف الشاحنات التي مُنعت من الوصول إلى القطاع. وإلى جانب نقص الغذاء، تتفاقم أزمة المياه بصورة خطيرة، مع تراجع مصادر مياه الشرب وتدمير البنية التحتية المائية، الأمر الذي يدفع كثيرين للحديث عن سياسة تعطيش ممنهجة تزيد من معاناة السكان وتضاعف المخاطر الصحية والإنسانية. لكن ما لا تقوله الأرقام هو حجم الخوف المتراكم في نفوس الناس، وحجم الإرهاق النفسي الذي يعيشه مجتمع كامل يعيش بين النزوح والجوع والقصف وانتظار المجهول.
الأخطر أن هذه السياسات لا تبدو مؤقتة أو مرتبطة بظرف عسكري عابر، بل تبدو جزءاً من رؤية إسرائيلية تشكلت بعد السابع من أكتوبر، تقوم على إعادة هندسة قطاع غزة أمنياً وجغرافياً وسكانياً. ولهذا فإن التهجير والتجويع والتدمير ليست أحداثاً منفصلة، بل أدوات مختلفة تخدم الهدف نفسه: تقليص الحيز الذي يستطيع الفلسطينيون العيش فيه، وتحويل بقائهم إلى معركة يومية من أجل البقاء.
وفي غزة، حيث يختلط العيد بالمأتم، والفرح بالحزن، والأمل بالخوف، لا تبدو المأساة مجرد أزمة إنسانية عابرة أو جولة تصعيد عسكري يمكن أن تنتهي باتفاق تهدئة مؤقت. ما يجري هو محاولة مستمرة لإعادة رسم خريطة القطاع وتغيير واقعه السكاني والاجتماعي تحت ضغط النار والجوع والنزوح. وبينما تتآكل مقومات الحياة يوماً بعد يوم، يواصل الفلسطينيون تمسكهم بحقهم في البقاء فوق أرضهم رغم كل ما يتعرضون له من قتل وحصار وتشريد. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوجود نفسه، وعلى قدرة الناس على الصمود، وعلى حماية ما تبقى من المجتمع الفلسطيني من مشاريع الإفراغ والتدمير التي تستهدف الإنسان والمكان والذاكرة معاً.
ورغم هول الكارثة وما خلّفته من دمار وموت ونزوح وتجويع، ما زالت إسرائيل ماضية في سياساتها الهادفة إلى إعادة تشكيل واقع غزة وسكانها بالقوة، فيما نواصل نحن، بدرجات متفاوتة، ممارسة سلوك الإنكار وتأجيل مواجهة الأسئلة الكبرى المتعلقة بمصيرنا ومستقبلنا الوطني. تتراكم المآسي يوماً بعد يوم، وتتسع الفجوة بين حجم الكارثة وحجم الفعل المطلوب لمواجهتها، حتى يبدو الخلاص أبعد من أي وقت مضى.
فالمشهد الراهن لا يشي باحتمالات قريبة أو عقلانية للخروج من هذا الواقع المأساوي، بل يترك شعوراً ثقيلاً بأن النكبة الفلسطينية لم تنتهِ يوماً، وإنما تتجدد بأشكال أكثر قسوة واتساعاً. وما يجري اليوم في غزة، ومعها ما يتعرض له الفلسطينيون في أماكن أخرى، لا يبدو حدثاً عابراً أو أزمة مؤقتة، بل حلقة جديدة من مسار تاريخي طويل من الاقتلاع والتدمير ومحاولات محو الوجود الفلسطيني وكسر إرادته.
ومع ذلك، فإن غزة التي تعيش الفرح والحزن والموت في وقت واحد ما زالت تقاوم بطريقتها الخاصة. يقاوم أهلها بالبقاء، وبمحاولة حماية أسرهم، وبإصرارهم على التمسك بما تبقى من حياة وسط هذا الخراب الهائل. ورغم قسوة المشهد وثقل الحرب والجوع والنزوح، فإن الرهان الإسرائيلي على كسر إرادة الناس لم يتحقق. ولعل هذه الحقيقة هي ما يفسر استمرار غزة حتى اليوم؛ فبعد كل ما تعرضت له من قتل وتدمير وتجويع وتشريد، ما زالت تتمسك بحقها في الحياة والبقاء، وتصر على أن تكون شاهداً على فشل محاولات اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه وذاكرته ومستقبله.
عربي ودولي
الإثنين 01 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس
تصعيد إسرائيلي واسع في جنوب لبنان وواشنطن تطرح خطة للتهدئة التدريجية
صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي من وتيرة عملياته العسكرية في الأراضي اللبنانية اليوم الإثنين، موجهاً إنذارات إخلاء جديدة لسكان عدة بلدات في العمق الجنوبي. وتأتي هذه التطورات في ظل سعي تل أبيب الواضح لتوسيع رقعة المواجهة البرية وتجاوز التفاهمات السابقة التي أُعلنت قبل أسابيع.
وكشفت مصادر دبلوماسية عن تحرك أمريكي مكثف يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي أجرى اتصالات رفيعة المستوى مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ويهدف هذا التحرك إلى الدفع بخطة تتيح 'تهدئة تدريجية' للأعمال القتالية التي بلغت ذروتها في الساعات الأخيرة.
وتقوم المبادرة الأمريكية المقترحة على معادلة تبادلية تبدأ بوقف حزب الله لهجماته الصاروخية على الأهداف الإسرائيلية، مقابل تعهد إسرائيل بالامتناع عن شن غارات أو عمليات تصعيد في العاصمة بيروت. وتهدف واشنطن من هذه الخطوة إلى إفساح المجال أمام وقف فعلي وشامل للعمليات القتالية في مرحلة لاحقة.
من جانبه، أبدى الرئيس اللبناني جوزيف عون رغبة في المضي قدماً نحو التهدئة لاستعادة استقرار مؤسسات الدولة وإنهاء معاناة المواطنين. وفي سياق متصل، نقلت مصادر أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أكد ضمان التزام حزب الله بوقف إطلاق النار، محملاً إسرائيل مسؤولية أي خرق قادم في حال بادرت بالهجوم.
وعلى الرغم من المساعي الدبلوماسية، حذرت أوساط أمريكية من أن فشل مقترح روبيو قد يدفع واشنطن لرفع القيود عن استهداف إسرائيل لمواقع في بيروت. وأشارت تقارير إلى وجود انفتاح أمريكي جزئي على طلب إسرائيل بتوسيع العمليات العسكرية، بعد ادعاء تل أبيب أن حصر النشاط في المناطق الحدودية لم يعد كافياً.
ميدانياً، أصدر جيش الاحتلال أوامر إخلاء فورية لسكان سبع بلدات جنوبية شملت العاقبية والزرارية والمروانية وصنيبر والنجارية والعدوسية وخربة بصل. وطالب البيان العسكري السكان بالتوجه فوراً إلى شمال منطقة الزهراني، محذراً من البقاء في تلك المناطق التي صنفها كأهداف عسكرية.
كما شملت التهديدات الإسرائيلية سكان بلدتي مليخ وكفرحونة، حيث طُلب منهم الابتعاد لمسافة لا تقل عن كيلومتر واحد عن منازلهم بشكل فوري. وتعكس هذه الإنذارات نية الاحتلال تعميق التوغل البري في مناطق لم تصلها القوات البرية بشكل مكثف خلال الأسابيع الماضية.
لبنان يواجه عدواناً إسرائيلياً شرساً ومداناً، وماضون في طريق العمل لإنهاء معاناة اللبنانيين ووضع حد لعذاباتهم.
وفي تطور ميداني بارز، أعلن جيش الاحتلال سيطرته الكاملة على قلعة الشقيف التاريخية والتلال الاستراتيجية المحيطة بها في جنوب لبنان. وتعد هذه القلعة التي يعود تاريخها لقرون مضت نقطة حاكمة تشرف على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني والمناطق الحدودية.
وجاءت السيطرة على القلعة بعد يوم شهد تبادلاً عنيفاً للنيران، حيث نفذ حزب الله هجمات مكثفة وصفت بأنها الأقوى منذ أبريل الماضي. وقد أدت هذه الهجمات إلى شلل تام في شمال إسرائيل، مما دفع السلطات هناك لإغلاق المدارس وفرض قيود مشددة على حركة المستوطنين.
وتشير التقارير الواردة من الميدان إلى أن قوات الاحتلال تمارس ضغطاً نارياً مكثفاً للسيطرة على المرتفعات الواقعة شمال نهر الليطاني. ويسعى الجيش الإسرائيلي من خلال هذه التحركات إلى تثبيت واقع ميداني جديد يوسع ما يسمى بـ 'الخط الأصفر' الذي رسمه عبر تدمير القرى والبلدات.
وبالتزامن مع التوغل البري، كثف الطيران الحربي الإسرائيلي غاراته الجوية على مدينة صور وبلدات دير الزهراني وأرنون. وتثير كثافة القصف تساؤلات حول رغبة الاحتلال في خلق منطقة عازلة أعمق مما كان مخططاً له في البداية، وسط صمت دولي حيال تدمير المعالم التاريخية.
وعلى الصعيد الإنساني، ارتفعت حصيلة الشهداء في لبنان إلى 3412 شهيداً منذ تصاعد العدوان في مارس الماضي، وفقاً لبيانات رسمية. كما تسببت العمليات العسكرية بنزوح أكثر من مليون لبناني من قراهم ومدنهم، مما خلق أزمة إنسانية متفاقمة في مراكز الإيواء المكتظة.
في المقابل، اعترف جيش الاحتلال بمقتل 25 جندياً في صفوفه منذ بدء المواجهات البرية الأخيرة، وسط تكتم شديد على أعداد الجرحى. وتؤكد المصادر الميدانية أن المقاومة في الجنوب لا تزال تخوض اشتباكات عنيفة لمنع تقدم الآليات الإسرائيلية نحو مرتفعات 'علي الطاهر' ووادي برغز.
ومن المقرر أن تستضيف واشنطن في الثاني والثالث من يونيو الجاري جولة جديدة من المباحثات غير المباشرة بين وفدين عسكريين من لبنان وإسرائيل. وتأتي هذه الاجتماعات في البنتاغون كمحاولة أخيرة لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة، في وقت يصر فيه لبنان على وقف فوري وشامل لإطلاق النار.
فلسطين
الإثنين 01 يونيو 2026 9:09 صباحًا - بتوقيت القدس
رحيل الطبيب الفلسطيني جمال نعيم.. رحلة صبر بدأت بفقد 'الأقمار السبعة' وانتهت في الغربة
سادت حالة من الحزن العميق في الأوساط الفلسطينية ومنصات التواصل الاجتماعي، عقب الإعلان عن وفاة الدكتور جمال نعيم (أبو أحمد)، عميد كلية طب الأسنان في جامعة فلسطين ونقيب أطباء الأسنان السابق. وقد وافت المنية الفقيد في العاصمة القطرية الدوحة يوم الأحد، بعد رحلة طويلة من الصراع مع مرض عضال ألزمه الفراش في الغربة، بعيداً عن مدينته التي دمرها الاحتلال.
ونعى الدكتور باسم نعيم شقيقه الأصغر بكلمات مؤثرة، واصفاً إياه بالرجل الصالح ووالد الشهداء الذي لم يُعرف عنه إلا الثبات وحب فلسطين رغم عظم الابتلاء. وأشار في تدوينته إلى أن الراحل جسد نموذجاً فريداً في الصبر على المرض وفقدان الأحبة، وظل متمسكاً بإيمانه حتى اللحظات الأخيرة من حياته التي قضاها مدافعاً عن حقوق شعبه ومهنته.
واستذكر رواد مواقع التواصل الاجتماعي الفاجعة التي ألمت بالطبيب الراحل في السادس من يناير عام 2024، حين استهدفت طائرات الاحتلال منزلاً نزحت إليه عائلته في دير البلح. وأسفرت تلك المجزرة عن استشهاد سبعة من أفراد أسرته، من بينهم والدته المسنة رسمية وبناته الثلاث وأحفاده، في جريمة هزت الرأي العام الفلسطيني والدولي آنذاك.
وكان الدكتور جمال قد سطر كلمات بماء الذهب عقب استشهاد عائلته، حيث أطلق عليهم وصف 'أقماري السبعة'، مؤكداً احتسابه لهم عند الله ورضاه بالقدر رغم مرارة الفقد. وكتب حينها بصلابة نادرة أن الموت ليس نهاية المطاف، بل هو جسر نحو خلود لا ينتهي، معرباً عن فخره بدفع هذا الثمن الباهظ في معركة العزة والكرامة التي يخوضها الشعب الفلسطيني.
أخذوا مني أقماري السبعة، ولكنني بإذن الله ربحت جناناً سبعاً في الآخرة، وكرامة وعزة وفخراً في الدنيا.
وتداول الناشطون مقاطع فيديو وصوراً توثق اللحظات القاسية التي عاشها الطبيب الراحل وهو يودع حفيدته الشهيدة عقب قصف سابق استهدف مكان نزوحهم في خان يونس. وأظهرت تلك المشاهد حجم المعاناة الإنسانية التي كابدها نعيم، الذي فقد منزله وعيادته وكل ما يملك في قطاع غزة، لكنه ظل صامداً يبث الأمل في نفوس المحيطين به بقرب الفرج وزوال الاحتلال.
وعلى الصعيد المهني، يُعد الراحل أحد أبرز أعمدة طب الأسنان في فلسطين، حيث ساهم في تأسيس كلية طب الأسنان بجامعة فلسطين وتخرج على يديه المئات من الأطباء. وعُرف في قطاع غزة بمهارته العالية وأخلاقه الرفيعة، وكانت عيادته مقصداً للفقراء والمحتاجين قبل الميسورين، مما جعل رحيله خسارة كبيرة للمنظومة الصحية والأكاديمية الفلسطينية.
وأجمع المعزون على أن رحيل الدكتور جمال نعيم يمثل نهاية رحلة من الصبر الأسطوري الذي ضرب به مثلاً يحتذى به في مواجهة ويلات الحرب والمرض. وقد تحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى دفتر عزاء مفتوح، استذكر فيه زملاؤه وطلابه مواقفه الإنسانية، مؤكدين أن ذكراه ستظل حية كأيقونة للصمود الفلسطيني الذي لا ينكسر أمام آلة القتل والتهجير.
فلسطين
الإثنين 01 يونيو 2026 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس
عنف المستوطنين يتجاوز الخطوط الحمراء: اعتداءات منظمة تستهدف النشطاء في الضفة والأغوار
لم يعد عنف المستوطنين الإسرائيليين محصوراً في استهداف الفلسطينيين وممتلكاتهم فحسب، بل امتد ليشمل الأصوات الإسرائيلية واليهودية التي اختارت الوقوف في وجه التوسع الاستيطاني وتوثيق جرائمه. وشهدت منطقة عين سامية شمال شرق رام الله حادثة اعتداء خطيرة تعرض لها وفد من النشطاء المناهضين للاستيطان، مما يعكس تحولاً في استراتيجية العصابات الاستيطانية التي باتت تستهدف كل من يعارض مشروعها.
تعرض مدير عام حركة 'السلام الآن'، ليئور عميحاي، للضرب المبرح والاعتداء الجسدي واللفظي خلال جولة ميدانية في منطقة الينابيع التي استولت عليها مجموعات استيطانية مؤخراً. ويرى مراقبون أن هذا الهجوم ليس مجرد حادث عابر، بل هو نتيجة طبيعية لمسار متصاعد من التحريض الذي تدعمه قوى سياسية داخل الحكومة الإسرائيلية تهدف إلى فرض سيطرة مطلقة على الأراضي الفلسطينية.
الاعتداء الذي وقع في عين سامية استهدف وفداً يضم نشطاء عرباً ويهوداً، من بينهم أعضاء في حزب 'الديمقراطيين' الذي يرأسه يائير غولان. وقد حاصر المستوطنون المشاركين ومنعوهم من مغادرة المكان لساعات، في مشهد يعيد للأذهان عشرات الهجمات التي استهدفت المتضامنين في الأغوار والقرى المهددة بالاقتلاع والتهجير القسري.
أفادت مصادر ميدانية بأن المستوطنين حولوا منطقة ينابيع عين سامية إلى مزار سياحي خاص بهم، ونصبوا فيها أعلاماً وشعارات تدعو لبناء 'الهيكل' المزعوم. هذا التحول المكاني يعكس حجم السيطرة التي فرضتها المجموعات الاستيطانية بدعم وإسناد من قوات الاحتلال، خاصة في ظل انشغال الرأي العام العالمي بتداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة.
يروي ليئور عميحاي تفاصيل الاعتداء موضحاً أن مستوطنين ظهرا بشكل مفاجئ ووجها له ضربات مباشرة على الرأس والوجه لمنع المجموعة من التقدم. ورغم استدعاء الشرطة الإسرائيلية بشكل فوري، إلا أنها لم تصل إلى الموقع، بينما حضرت بسرعة وحدات الحراسة التابعة للمستوطنين والتي تضم عناصر مسلحة تعمل تحت غطاء المهام العسكرية.
المفارقة الصادمة تمثلت في إجراءات الشرطة اللاحقة، حيث خضع عميحاي للتحقيق في مركز شرطة 'بنيامين' للاشتباه بارتكابه اعتداءً غير مبرر، بدلاً من اعتقال المهاجمين الموثقين بالكاميرات. كما طلبت منه السلطات التوقيع على تعهد يمنعه من دخول الضفة الغربية لمدة أسبوعين، وهو ما اعتبره النشطاء محاولة واضحة لإبعاد الشهود عن مناطق الانتهاكات.
تؤكد التحركات الميدانية أن الهدف من هذه الاعتداءات هو منع التوثيق والنشر، وعزل التجمعات الفلسطينية عن أي تضامن خارجي أو داخلي. ويرى نشطاء أن المجموعات الاستيطانية تسعى لإخفاء سياسات التهجير القسري والاستيلاء على الموارد المائية، عبر ترهيب كل من يحاول إيصال الحقيقة إلى الرأي العام العالمي أو المجتمع الإسرائيلي.
العنف الاستيطاني بات جزءاً من عمل منظم يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وإسكات كل من يحاول توثيق الجرائم أو التصدي لها.
حذرت الناشطة الميدانية يفعات ماهل من أن ما يجري في الضفة يمثل تسارعاً لمشروع اليمين المتطرف الذي استغل أحداث السابع من أكتوبر لتنفيذ مخططاته المؤجلة. وأوضحت أن المجموعات الاستيطانية لا تتسامح مع أي صوت يعارض مشروعها، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً، مما يخلق بيئة من القمع الممنهج تحت غطاء الحرب.
تتصاعد المخاوف داخل الأوساط الليبرالية في إسرائيل من انتقال هذا العنف إلى داخل الخط الأخضر والمدن المختلطة، خاصة مع تنامي نفوذ التيارات الدينية والقومية المتشددة. ويرى خبراء أن هذه المجموعات قد تُستخدم كأداة في الصراعات السياسية الداخلية، مما يهدد بتآكل ما تبقى من الطابع الديمقراطي لصالح مشروع ديني متطرف.
من جانبه، أشار المحامي سامح عراقي، مدير عام حركة 'حرية'، إلى أن هذه الاعتداءات هي جزء من مشروع سياسي متكامل يهدف إلى كسر قدرة الفلسطينيين على الصمود. وأكد أن وجود النشطاء في القرى المهددة ضمن مشروع 'الحضور الحامي' يزعج المستوطنين لأنه يكسر حالة الاستفراد بالفلسطيني ويمنع الاستفراد به كهدف وحيد للعنف.
الواقع في الأغوار الشمالية يزداد تعقيداً مع تزايد ملاحقة الرعاة الفلسطينيين ومحاصرة مساكنهم، في وقت تروج فيه المجموعات الاستيطانية لمشاريع سكنية جديدة. هذا الضغط الميداني يهدف إلى خلق بيئة طاردة للسكان الأصليين، واستبدالهم بمستوطنين يحملون رؤى أيديولوجية متطرفة تجاه الأرض والإنسان.
ارتبط تنامي قوة المستوطنين بمحاولات التأثير المباشر على مؤسسات الدولة وأجهزتها القضائية والأمنية، مما جعلهم يتصرفون كقوة فوق القانون. وأصبحت الاعتداءات في التلال والقرى تجد صداها داخل المؤسسات الإسرائيلية، عبر استهداف المعارضين السياسيين والمؤسسات الحقوقية التي تفضح ممارسات الاحتلال.
إن حالة الانقسام العميق التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي توفر بيئة خصبة لتصاعد التوتر، خاصة إذا شعرت القوى الاستيطانية بتهديد لنفوذها السياسي. هذا الوضع يدفع شرائح واسعة من العلمانيين إلى التفكير في الهجرة، خوفاً من تحول البلاد إلى نظام ثيوقراطي قومي يقوده قادة المستوطنين وميليشياتهم المسلحة.
في نهاية المطاف، يبقى الصمود الفلسطيني في الأغوار والضفة هو العائق الأساسي أمام اكتمال مشروع التهجير، رغم كل محاولات الترهيب والاعتداء. وتستمر حركات السلام والنشطاء الميدانيون في محاولاتهم لتوثيق هذه الانتهاكات، مؤكدين أن المعركة على الأرض هي معركة وجود وحقيقة لا يمكن طمسها بقوة السلاح أو التحريض السياسي.
عربي ودولي
الإثنين 01 يونيو 2026 7:40 صباحًا - بتوقيت القدس
ترامب يقر بخطأ التدخل في إيران ويؤكد تدمير قدراتها العسكرية بالكامل
أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات مثيرة للجدل خلال مقابلة تلفزيونية مع لارا ترامب، حيث أقر بأن الولايات المتحدة ارتكبت أخطاءً استراتيجية بوجودها العسكري في المنطقة. وأوضح ترامب أن التدخل في العراق كان أمراً أحمقاً وتصرفاً سيئاً للغاية، مشيراً إلى أن هذا التقييم ينطبق أيضاً على الحالة الإيرانية التي ما كان ينبغي لواشنطن الانخراط فيها عسكرياً منذ البداية.
ورغم اعترافه بخطأ الوجود العسكري، دافع ترامب بقوة عن الضربات الجوية التي استهدفت المنشآت الإيرانية، زاعماً أنها كانت ضرورية لمنع طهران من الحصول على القنبلة النووية. وأكد أن استخدام قاذفات 'بي-2' الاستراتيجية أحبط المسار النووي الإيراني، مشدداً على أن طهران كانت ستمتلك سلاحاً نووياً في الوقت الراهن لولا التدخل العسكري الأمريكي المباشر.
وشهدت المقابلة تناقضاً لافتاً في توصيف ترامب لحالة القوات المسلحة الإيرانية، حيث ادعى في البداية أن واشنطن تركت الجيش الإيراني وشأنه ولم تستهدفه بشكل مباشر. وبرر هذا التوجه بأن قيادات الجيش تعد أكثر اعتدالاً مقارنة بأطراف أخرى داخل النظام، وهو ما يمثل محاولة لفتح قنوات تواصل أو تحييد لبعض القوى الداخلية في طهران.
وفي ذات السياق، انتقل ترامب إلى نبرة أكثر حدة مؤكداً أن القوات البحرية الإيرانية قد 'انتهت تماماً' بنسبة مئة بالمئة جراء العمليات العسكرية الأخيرة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شملت ادعاءاته سلاح الجو الإيراني الذي وصفه بأنه أصبح خارج الخدمة بشكل كامل، مما يثير تساؤلات حول حجم الدمار الفعلي مقارنة بالتصريحات السياسية.
ما كان ينبغي لنا أن نكون في إيران أساساً، لكننا دمرنا قدراتها البحرية والجوية بنسبة 100% لمنعها من امتلاك السلاح النووي.
وحول المسار الدبلوماسي، كشف الرئيس الأمريكي أن المفاوضات الجارية حالياً تقترب من الوصول إلى 'اتفاق جيد' يرضي التطلعات الأمريكية. ومع ذلك، لم يخلُ حديثه من التهديد، حيث حذر من أنه في حال فشل الدبلوماسية في تحقيق النتائج المرجوة، فإن الولايات المتحدة مستعدة لإنهاء الملف بطرق أخرى، في إشارة واضحة لاستئناف العمليات العسكرية الواسعة.
تأتي هذه التصريحات في ظل تعقيدات ميدانية وإنسانية كبيرة، حيث تشير التقارير الواردة من مصادر طبية في طهران إلى سقوط آلاف الضحايا جراء التصعيد المستمر. وأفادت البيانات الرسمية بأن الهجمات المشتركة التي شنتها القوات الأمريكية والإسرائيلية منذ نهاية فبراير الماضي أدت إلى خسائر بشرية فادحة في صفوف المدنيين والعسكريين على حد سواء.
وبحسب إحصاءات وزارة الصحة الإيرانية، فقد بلغ عدد القتلى جراء هذه الهجمات نحو 3468 شخصاً، من بينهم مئات النساء والأطفال الذين سقطوا في الغارات الجوية. وتعكس هذه الأرقام حجم التوتر المتصاعد في المنطقة، في وقت يحاول فيه البيت الأبيض موازنة الضغط العسكري مع الرغبة في التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الصراع الدائر.
عربي ودولي
الإثنين 01 يونيو 2026 6:09 صباحًا - بتوقيت القدس
تحذيرات من 'اندماج عسكري' غير مسبوق بين واشنطن وتل أبيب عبر تشريع جديد في الكونغرس
كشفت تقارير بحثية عن إدراج بند جديد ومثير للجدل في نسخة مجلس النواب من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي (NDAA) لعام 2027، يهدف إلى دفع العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل نحو مستوى غير مسبوق من التكامل. وحذر خبراء من أن هذا التوجه يتجاوز مجرد تقديم المساعدات التقليدية التي بلغت قيمتها مئات المليارات منذ عقود، ليؤسس لشراكة عضوية في البنية التحتية العسكرية والصناعية.
تتضمن المادة 224 من المشروع، والتي عُرفت باسم 'مبادرة التعاون في تكنولوجيا الدفاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل'، إطاراً واسعاً للعمل المشترك في مجالات البحث والتطوير المتقدمة. ويهدف هذا البند إلى تعزيز الإنتاج المشترك للأسلحة واتفاقيات الترخيص، مما يربط المصالح الصناعية الدفاعية للبلدين بشكل وثيق يصعب فكه مستقبلاً.
أفادت مصادر بأن المبادرة تسعى لتوسيع التنسيق الثنائي ليشمل قطاعات التكنولوجيا الفائقة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والأنظمة الذاتية. كما تشمل الخطط المقترحة التعاون في مجالات الطاقة الموجهة والأمن السيبراني والتقنيات الحيوية، مما يضع إسرائيل في مرتبة متقدمة تقنياً ضمن المنظومة الدفاعية الأمريكية.
يشير مراقبون إلى أن التعاون القائم حالياً في مجال الدفاع الصاروخي سيتوسع ليشمل 'دمج الشبكات' و'دمج البيانات' العسكرية بشكل كامل. هذا المستوى من التنسيق سيتيح تبادلاً أوسع للمعلومات الاستخباراتية والعملياتية، مما يجعل الجيشين يعملان ضمن بيئة تقنية موحدة في العديد من الجوانب.
يرى باحثون أن هذا التكامل سيمنح الحكومة الإسرائيلية نفوذاً سياسياً إضافياً داخل الولايات المتحدة من خلال استثمارات ومرافق إنتاج مشتركة في ولايات أمريكية مختلفة. ومن شأن هذه المشاريع أن توفر فرص عمل محلية، مما يعزز الروابط بين تل أبيب وأعضاء الكونغرس الذين يمثلون تلك الدوائر الانتخابية المستفيدة اقتصادياً.
حذرت دراسات صادرة عن معاهد بحثية من أن التحول من نموذج المساعدات العسكرية التقليدي إلى نموذج التكامل المباشر قد يقلص من آليات الرقابة السياسية والدبلوماسية. هذا المسار قد ينقل العلاقة العسكرية إلى إطار أقل شفافية داخل منظومة المشتريات الدفاعية المعقدة، بعيداً عن المساءلة العلنية المعتادة.
تطبيق هذه المبادرة سيجعل مستوى التكامل العسكري والصناعي بين واشنطن وتل أبيب أعلى من نظيره مع أي دولة أخرى في العالم، بما في ذلك حلفاء الناتو.
تأتي هذه التحركات التشريعية في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات دولية ومحلية متزايدة بشأن استخدام الأسلحة الأمريكية في الحرب المستمرة على قطاع غزة. وتتصاعد الاتهامات الموجهة لجيش الاحتلال بانتهاك القانون الإنساني الدولي، مما يضع الإدارة الأمريكية في مواجهة ضغوط حقوقية وشعبية متنامية.
أظهرت استطلاعات رأي حديثة تراجعاً ملحوظاً في التأييد الشعبي الأمريكي للسياسات العسكرية المرتبطة بإسرائيل، حيث دعا 38% من المشاركين في استطلاع حديث إلى وقف الإمدادات العسكرية بالكامل. كما أيدت نسبة أخرى ربط هذه المساعدات بكيفية استخدام الأسلحة ومدى التزامها بالمعايير الدولية.
رغم المعارضة الشعبية، لا تزال القيادات الرئيسية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي تدعم هذه التوجهات التشريعية بشكل كبير. وينعكس هذا الدعم في صياغة مشاريع القوانين التي تسبق النقاشات العامة والتعديلات داخل أروقة الكونغرس، مما يشير إلى وجود فجوة بين التوجه الرسمي والنبض الشعبي.
برزت أصوات منتقدة داخل الحزب الديمقراطي، مثل السيناتور كريس فان هولين، الذي اعتبر أن الدعم غير المشروط للحكومات الإسرائيلية بات يتعارض بشكل متزايد مع المصالح القومية الأمريكية. كما لفتت مصادر إلى وجود تيار من اليمين واليسار ينتقد نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل وتأثيرها على القرار السيادي.
يشدد المعارضون للمادة 224 على ضرورة إسقاطها من مشروع قانون الدفاع الوطني لمنع حدوث هذا الاندماج العميق. ويرى هؤلاء أن تمرير المادة سيجعل السياسة الخارجية الأمريكية رهينة للسياسات الإسرائيلية في المنطقة، في وقت يحتاج فيه العالم إلى تفعيل أدوات الضغط لوقف التصعيد العسكري.
في الختام، يمثل هذا المشروع القانوني نقطة تحول استراتيجية قد تعيد صياغة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب للعقود القادمة. فإذا ما تم إقرار هذا التكامل، فإن إسرائيل ستصبح جزءاً لا يتجزأ من المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، مما يعقد أي محاولات مستقبلية لفرض شروط على الدعم العسكري المقدم لها.
فلسطين
الإثنين 01 يونيو 2026 6:09 صباحًا - بتوقيت القدس
خطة إسرائيلية لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة في الضفة الغربية
أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن كشفها لمخطط إسرائيلي جديد يستهدف بناء 2721 وحدة استيطانية إضافية في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة. وأوضحت الهيئة أن ما يسمى بمجلس التخطيط الأعلى التابع للإدارة المدنية للاحتلال يعتزم عقد اجتماع يوم الأربعاء المقبل، الموافق الثالث من يونيو الجاري، لإقرار هذه الحزمة الواسعة من المشاريع التوسعية.
وتتوزع الوحدات السكنية المقترحة على عدة كتل استيطانية كبرى، حيث نالت مستوطنة 'جفعوت' الواقعة غرب بيت لحم الحصة الأكبر بواقع 1006 وحدات سكنية. وتأتي هذه الخطوة في سياق مساعي الاحتلال لتحويل 'جفعوت' إلى مستوطنة مستقلة تماماً، وذلك بعد قرار فصلها إدارياً عن مستوطنة 'ألون شفوت' في مطلع العام الجاري.
وفي شمال الضفة الغربية، تشمل الخطة بناء 922 وحدة استيطانية في مستوطنة 'هار براخا' الجاثمة على أراضي المواطنين جنوب مدينة نابلس، بالإضافة إلى 455 وحدة في مستوطنة 'ميفو دوتان' غرب جنين. كما تضمنت المقترحات تخصيص 234 وحدة جديدة لمستوطنة 'كريات أربع' المقامة على أراضي شرق مدينة الخليل، مما يعزز الطوق الاستيطاني حول المدن الفلسطينية الرئيسية.
وأكدت مصادر رسمية أن الجلسة المرتقبة لن تقتصر على إقرار وحدات بناء فحسب، بل ستناقش تعديلات هيكلية وتنظيمية تهدف إلى تغيير استخدامات الأراضي الفلسطينية المصادرة. وتهدف هذه الإجراءات القانونية إلى شرعنة التوسع العمراني للمستوطنات وتوفير غطاء تخطيطي يسهل عملية الضم الزاحف التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية في عمق الأراضي المحتلة.
هذه المخططات تعكس مضي سلطات الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية من خلال توسيع المستعمرات القائمة واستحداث مراكز حضرية.
وحذرت الهيئة من التداعيات الخطيرة لهذه المخططات التي تهدف إلى تقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية ومنع إقامة أي تواصل بين التجمعات السكانية العربية. وأشارت إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الخطوات إلى تحويل البؤر الاستيطانية الصغيرة إلى مراكز حضرية ضخمة، مما يهدد بمصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والرعوية التي تعتمد عليها العائلات الفلسطينية.
وتشير البيانات الإحصائية الأخيرة إلى تصاعد غير مسبوق في النشاط الاستيطاني، حيث بلغ عدد المستوطنات والبؤر في الضفة نحو 542 موقعاً يقطنها أكثر من 780 ألف مستوطن. ومنذ أكتوبر 2023، تم رصد استحداث أكثر من 165 بؤرة استيطانية جديدة، منها 59 بؤرة أقيمت خلال الأشهر القليلة الماضية من عام 2025، في ظل انشغال العالم بحرب الإبادة المستمرة.
ويتزامن هذا التوسع الاستيطاني مع تصاعد حاد في وتيرة العنف والاعتداءات التي ينفذها المستوطنون بحماية مباشرة من جيش الاحتلال ضد القرى والبلدات الفلسطينية. وقد أسفرت هذه الاعتداءات والعمليات العسكرية المتواصلة في الضفة عن استشهاد 1168 فلسطينياً وإصابة الآلاف، إلى جانب حملات الاعتقال والتهجير القسري التي طالت عشرات الآلاف من المواطنين.
اقتصاد
الإثنين 01 يونيو 2026 5:09 صباحًا - بتوقيت القدس
استقرار حذر للدولار وسط تصعيد عسكري في لبنان وترقب لبيانات الوظائف الأمريكية
استهل الدولار الأمريكي تعاملات الأسبوع بحالة من الاستقرار النسبي، محاولاً التماسك بعد الخسائر التي مني بها الأسبوع الماضي. وتراقب الأسواق المالية العالمية عن كثب مسار المحادثات الدبلوماسية المتعلقة بالصراعات في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى البحث عن إشارات واضحة حول توجهات البنوك المركزية الكبرى بشأن أسعار الفائدة.
وسجل مؤشر الدولار، الذي يقيس قوة العملة أمام سلة من ست عملات رئيسية، مستوى 99.00 نقطة، وذلك بعد تراجع بلغت نسبته 0.4% خلال الأسبوع المنصرم. ويأتي هذا الهدوء الحذر في وقت تزداد فيه المخاوف من اتساع رقعة المواجهات العسكرية وتأثيرها المباشر على سلاسل إمداد الطاقة العالمية.
وفي سوق العملات الأجنبية، شهد اليورو تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.08% ليصل إلى مستوى 1.165 دولار، بينما انخفض الين الياباني بنفس النسبة ليتم تداوله عند 159.41 للدولار. كما لم ينجُ الجنيه الإسترليني من موجة التراجع الطفيفة، حيث هبط بنسبة 0.07% مسجلاً 1.3449 دولار في التعاملات المبكرة.
وعلى صعيد التطورات الميدانية، قفزت أسعار النفط بشكل ملحوظ بعد صدور أوامر عسكرية إسرائيلية بزيادة التوغل في الأراضي اللبنانية ضمن المواجهة المستمرة مع حزب الله. وتخشى الأوساط الاقتصادية أن يؤدي هذا التصعيد إلى اضطرابات في حركة الملاحة البحرية، خاصة في المناطق الحيوية لنقل الخام.
سيتأثر الدولار بشدة بالتطورات في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة لشهر مايو.
من جانبه، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه بصدد اتخاذ قرار وشيك يتعلق بمقترح لتمديد وقف إطلاق النار مع إيران، وهو ما قد يغير قواعد اللعبة في الأسواق. وتأمل المصادر الاقتصادية أن تسفر هذه التحركات عن فتح مضيق هرمز أمام شحنات النفط، مما قد يساهم في تهدئة أسعار الطاقة التي تلهب التضخم.
وتتجه أنظار المستثمرين في وقت لاحق من هذا الأسبوع إلى تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة لشهر مايو، والذي يعد مؤشراً حاسماً لمجلس الاحتياطي الاتحادي. ويشير مسؤولو البنك المركزي الأمريكي إلى احتمالية رفع أسعار الفائدة مجدداً إذا ما تسببت الحرب في تسريع وتيرة التضخم المرتفعة أصلاً.
وأوضح خبراء في بنك كومنولث أستراليا أن العملة الأمريكية ستبقى رهينة التطورات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران من جهة، وبيانات سوق العمل من جهة أخرى. وأشاروا إلى أن إعادة فتح الممرات المائية الحيوية سيؤدي تدريجياً إلى تراجع أسعار النفط، مما يعيد التركيز مجدداً على فوارق أسعار الفائدة كمحرك أساسي للدولار.
عربي ودولي
الإثنين 01 يونيو 2026 5:09 صباحًا - بتوقيت القدس
كولومبيا تتجه لجولة إعادة رئاسية بين اليميني دي لا إسبرييّا واليساري سيبيدا
تتجه كولومبيا رسمياً نحو جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية المقررة في الحادي والعشرين من يونيو/ حزيران الجاري، وذلك بعد تعذر حسم السباق من الجولة الأولى. وأظهرت النتائج الجزئية منافسة محتدمة بين القطبين اليميني واليساري في البلاد، حيث فشل أي منهما في تجاوز عتبة الـ 50% المطلوبة للفوز المباشر.
وبحسب ما أوردته مصادر رسمية بعد فرز نحو 57% من الأصوات، فقد تصدر المحامي المليونير أبيلاردو دي لا إسبرييّا النتائج بنسبة بلغت 44%. ويعد دي لا إسبرييّا، البالغ من العمر 47 عاماً، وجهاً يمينياً صاعداً يتبنى سياسات مشابهة لنهج الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، ويطرح نفسه كبديل من خارج المؤسسة التقليدية.
في المقابل، حل السيناتور اليساري إيفان سيبيدا في المرتبة الثانية بحصوله على 41% من أصوات الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في مراكز الاقتراع. ويُنظر إلى سيبيدا على أنه الوريث السياسي للرئيس الحالي غوستافو بيترو، الذي يمنعه الدستور الكولومبي من الترشح لولاية رئاسية ثانية متتالية.
وتأتي هذه الانتخابات في وقت حساس تعيش فيه كولومبيا أسوأ موجات العنف منذ توقيع اتفاق السلام التاريخي مع القوات المسلحة الثورية (فارك) في عام 2016. وقد شهدت الفترة الماضية تصاعداً في عمليات الاغتيال التي استهدفت قادة مجتمعيين، بالإضافة إلى هجمات بسيارات مفخخة وطائرات مسيرة استهدفت مدنيين.
ورغم هذه التوترات الأمنية والمخاوف من إراقة الدماء، أكدت السلطات أن يوم الاقتراع مر بهدوء نسبي في معظم أنحاء البلاد. وقد عززت الحكومة من تواجدها الميداني عبر نشر أكثر من 400 ألف عنصر من قوات الأمن والجيش لضمان سلامة الناخبين وسير العملية الديمقراطية.
تعهد دي لا إسبرييّا بمواجهة الجماعات المسلحة في الجو والبر والبحر، بينما يسعى سيبيدا لتحقيق السلام الشامل وتوسيع البرامج الاجتماعية.
ويعتمد المرشح اليميني دي لا إسبرييّا، الملقب بـ 'النمر'، في خطابه على الوعود الأمنية الصارمة، حيث خاض حملته من خلف زجاج مضاد للرصاص. وقد تعهد في حال فوزه بملاحقة الجماعات المسلحة والمنشقة التي لا تزال تسيطر على مساحات واسعة من البلاد وتدير تجارة الكوكايين.
أما إيفان سيبيدا، وهو ابن زعيم شيوعي تعرض للاغتيال سابقاً، فيرتكز برنامجه على استكمال مسار 'السلام الشامل' الذي بدأه سلفه بيترو. ويسعى سيبيدا إلى معالجة قضايا عدم المساواة الاجتماعية المتجذرة في المجتمع الكولومبي عبر توسيع نطاق البرامج الحكومية الموجهة للفقراء والمهمشين.
وتشير التقارير إلى أن جيوباً عديدة في كولومبيا لا تزال تعاني من غياب سلطة الدولة، حيث تهيمن عصابات مسلحة على مناطق إنتاج المخدرات. ويمثل هذا التحدي الأمني حجر الزاوية في برامج المرشحين، وسط انقسام شعبي حول الطريقة الأمثل للتعامل مع هذه الجماعات المنشقة.
ومع اقتراب موعد جولة الحسم، يسعى كل مرشح لاستقطاب أصوات المترددين والقوى السياسية التي خرجت من السباق في الجولة الأولى. وستكون الأسابيع الثلاثة القادمة حاسمة في تحديد هوية الرئيس القادم الذي سيقود كولومبيا في ظل ظروف اقتصادية وأمنية معقدة للغاية.
فلسطين
الإثنين 01 يونيو 2026 3:55 صباحًا - بتوقيت القدس
مخطط 'القدس 2050': هندسة استيطانية لعزل المدينة وحسم مصير الضفة الغربية
يمر ملف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة بمنعطف هو الأخطر منذ عقود، حيث تجاوزت السياسات الإسرائيلية فكرة التوسع العمراني التقليدي نحو الحسم الجغرافي الشامل. وأعلنت حكومة الاحتلال مؤخراً عن طرح مناقصات لبناء 3400 وحدة استيطانية جديدة ضمن المشروع الاستراتيجي المعروف بـ (E1)، والذي يقع في المنطقة الشرقية للمدينة المقدسة.
ويرى خبراء ومختصون في شؤون الاستيطان أن هذه التحركات تهدف إلى رسم هندسة إحلالية جديدة تمحو حدود المدينة وتعزلها عن محيطها الفلسطيني بالكامل. وأكد الباحث خليل التفكجي أن الاحتلال يسعى لتحويل القدس إلى 'القدس الكبرى' من خلال إنشاء حزام من المستعمرات الضخمة يشغل مساحة طولية تصل إلى 35 كيلومتراً وعرضاً يقارب 20 كيلومتراً.
ويهدف هذا التمدد الاستيطاني المكثف إلى إغلاق المنطقة الشرقية للقدس بشكل محكم، مما يؤدي عملياً إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وتدمير أي إمكانية للاتصال الجغرافي الفلسطيني. وتأتي هذه الخطوات تنفيذاً لرؤية صهيونية تاريخية تسعى لتقويض مقومات الدولة الفلسطينية المستقبلية وتحويل التجمعات السكانية إلى معازل منفصلة.
من جانبه، حذر الدكتور مصطفى البرغوثي، رئيس المبادرة الوطنية الفلسطينية، من أن المشهد الاستيطاني الحالي وصل إلى مراحل التطبيق النهائي والفعلي على الأرض. وشدد البرغوثي على أن أي مراهنة على ضغوط دولية أو أمريكية لوقف هذه المخططات هي 'وهم كبير'، خاصة في ظل التبني الكامل للمشروع الاستعماري من قبل الإدارات المتعاقبة في واشنطن.
الاحتلال الإسرائيلي لا يتعامل مع القدس كمدينة حدودية ضيقة، بل يهدف لتحويلها إلى 'القدس الكبرى' عبر حزام مستعمرات يمتد لعشرات الكيلومترات.
ويرتبط هذا التصعيد الاستيطاني بمخطط شامل يُعرف بـ 'القدس 2050'، وهو مشروع ضخم يسعى لإعادة صياغة هوية المدينة ديموغرافياً واقتصادياً تحت السيادة الإسرائيلية. ويتضمن المخطط إنشاء مطار دولي في منطقة 'النبي موسى'، بالإضافة إلى بناء بنية تحتية سياحية هائلة تضم نحو 12 ألف غرفة فندقية تمتد بين القدس الشرقية وحواف منطقة الغور.
وفي سياق القراءة السياسية لهذه التطورات، أشارت مصادر بحثية إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تستغل حالة الصمت الدولي المطبق وتراجع الاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية. وأوضح الباحث مهند مصطفى أن تل أبيب ترى في الظروف الإقليمية الراهنة فرصة ذهبية لتسريع وتيرة البناء في مشروع (E1) دون خشية من أي ردع أو عقوبات دولية حقيقية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال يسابق الزمن لفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها في المستقبل، مستفيداً من غياب الضغوط الجدية. وتؤكد هذه التحركات أن المعركة في القدس والضفة الغربية انتقلت من صراع على الأراضي إلى مرحلة الحسم المكاني والسكاني النهائي، بما يخدم الرؤية الاستراتيجية للاحتلال في السيطرة الكاملة.
GENERAL
الإثنين 01 يونيو 2026 3:54 صباحًا - بتوقيت القدس
جريمة تهز الإسكندرية: مقتل محامية مصرية استُدرجت بحجة رؤية طفلتها
شيعت جموع غفيرة من أهالي مدينة رشيد بمحافظة البحيرة، جثمان المحامية نهاد السيد الرشيدي، في موكب جنائزي مهيب خيم عليه الحزن والغضب. وجاءت مراسم الدفن بعد صدور قرار رسمي من نيابة غرب الإسكندرية بتسليم الجثمان لذويها، عقب انتهاء الإجراءات القانونية والطبية اللازمة للكشف عن ملابسات مقتلها في منطقة العامرية.
وتعود تفاصيل الواقعة الأليمة إلى نزاع قضائي مستمر بين الضحية وطليقها حول حضانة ابنتهما الوحيدة، وهو الخلاف الذي تصدر واجهة الأحداث مؤخراً. وكانت المحامية الراحلة قد ظهرت في مقطع فيديو عبر تقنية البث المباشر قبل أيام من رحيلها، كشفت فيه عن معاناتها في استعادة طفلتها واتهمت طليقها بانتزاع الطفلة منها قسراً رغم وجود أحكام قانونية لصالحها.
وأفادت مصادر نقابية بأن التحقيقات الأولية تشير إلى تعرض المحامية لعملية استدراج محكمة يوم وقفة عرفة، حيث تم إيهامها بإمكانية رؤية ابنتها وتناول وجبة الإفطار معها. وكان الاتفاق يقضي بأن تعود الطفلة برفقة والدتها بعد اللقاء، إلا أن الأمور تطورت بشكل مأساوي وانتهت بوقوع اعتداء جسدي عنيف أدى إلى وفاتها قبل أن تحقق غايتها برؤية صغيرتها.
وباشرت الأجهزة الأمنية في الإسكندرية تحقيقات موسعة فور تلقيها بلاغاً بوقوع مشاجرة دامية في منطقة العامرية والعثور على جثة سيدة. وفرضت قوات الأمن طوقاً أمنياً حول مسرح الجريمة، وبدأت في تفريغ كاميرات المراقبة المحيطة والاستماع لشهادات الجيران والشهود العيان الذين تواجدوا في المنطقة لحظة وقوع الحادث الأليم.
الضحية استُدرجت يوم وقفة عرفة بحجة لقاء ابنتها وتناول الإفطار معها، إلا أنها تعرضت لاعتداء غادر أودى بحياتها.
وأكدت المصادر أن النيابة العامة استمعت لأقوال طليق الضحية وعدد من المقربين منه، فيما تمكنت الأجهزة الأمنية من توقيف المتهم الرئيسي وآخرين يشتبه بتورطهم في الواقعة. وقد أقر المتهم في اعترافاته الأولية بنشوب مشادة كلامية حادة تطورت إلى اشتباك بالأيدي، مبرراً فعلته بالخلافات المتراكمة حول ملف حضانة الطفلة التي كانت محور النزاع لسنوات.
من جانبها، أعلنت نقابة المحامين تضامنها الكامل مع أسرة الفقيدة، مؤكدة أنها ستتابع مسار التحقيقات لحظة بلحظة لضمان القصاص العادل. وشددت النقابة في بيان لها على ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه في هذه الجريمة النكراء، معتبرة أن استهداف محامية أثناء سعيها لتطبيق القانون وممارسة حقها الأمومي هو سابقة خطيرة تستوجب الردع.
وسادت حالة من الاستياء العارم في الشارع المصري وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث طالب النشطاء والحقوقيون بتعديل قوانين الحضانة لتوفير حماية أكبر للأمهات. واعتبر الكثيرون أن قضية نهاد الرشيدي تعكس حجم المعاناة التي تواجهها النساء في النزاعات الأسرية، داعين إلى ضرورة تسريع إجراءات تنفيذ أحكام الحضانة لمنع وقوع مثل هذه الجرائم.
وتستمر النيابة العامة في استكمال التحقيقات، بانتظار التقارير الفنية النهائية من الطب الشرعي وتفريغ كافة الأدلة الرقمية المتاحة. ومن المتوقع أن تتم إحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات فور اكتمال ملف القضية، وسط ترقب شعبي وقانوني واسع للنطق بالحكم في هذه القضية التي هزت الرأي العام قبيل أيام العيد.
عربي ودولي
الإثنين 01 يونيو 2026 3:39 صباحًا - بتوقيت القدس
رحيل عبد ربه منصور هادي: إرث من الحيرة بين إنقاذ الدولة وضياعها
غيب الموت الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، تاركاً خلفه سيرة سياسية تضج بالتناقضات والأسئلة المفتوحة التي لم تجد إجابات شافية حتى اللحظة. رحل الرجل في وقت لا يزال فيه الشعب اليمني منقسماً في تقييم مرحلته؛ فبينما يراه البعض رمزاً للشرعية التي حاولت الصمود، يصفه آخرون بأنه المسؤول عن تآكل الدولة وفتح الأبواب أمام رياح الفرقة والشتات.
عاش اليمنيون سنوات طويلة يرقبون قرارات هادي في ظل عواصف سياسية وعسكرية غير مسبوقة، حيث اختلطت في شخصيته ملامح القائد الذي أراد الحفاظ على كيان الدولة، وصورة المسؤول الذي عجز عن كبح جماح القوى المتصارعة. لقد بقيت صورته في الذاكرة الجمعية غير مستقرة، تتأرجح بين الحكمة المفترضة والضعف الذي يراه خصومه سبباً في وصول البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
إن المأساة التي عصفت باليمن خلال العقد الماضي كانت تفوق قدرة أي فرد على الاحتمال، حيث تكالبت المحن من كل حدب وصوب، بدءاً من الانقلاب على المؤسسات الدستورية وصولاً إلى تغول السلاح على العمل السياسي. وفي خضم هذه الأمواج المتلاطمة، وقف هادي في مركز العاصفة، لا بطلاً أجمع الناس على قيادته، ولا خائناً اتفقت الأطراف على إدانته، بل شخصية التبست فيها الأحكام.
الحيرة التي خلفها رحيل هادي ليست مرتبطة بشخصه فحسب، بل هي انعكاس لحيرة مرحلة كاملة من تاريخ اليمن المعاصر، حيث تداخلت فيها الضرورات بالخيبات. فكم من قرار اتخذه هادي لا يزال محل جدل حول ما إذا كان ضرورة فرضتها الظروف القاهرة، أم أنه كان خطأً استراتيجياً ناتجاً عن حسابات سياسية غير دقيقة أدت إلى تفاقم الأزمة.
يودع اليمن رجاله واحداً تلو الآخر، لكن الخلافات حول أدوارهم لا تنتهي بمواراتهم الثرى، بل تظل مشتعلة في النقاشات العامة والمجالس السياسية. هادي الذي انتهى عمله وانقطع سعيه بوفاته، لا يزال يمثل مادة دسمة للجدل بين من يرفع له أكف الدعاء تقديراً لثباته، ومن يرفع عليه لواء العتب واللوم لما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد.
يبقى التاريخ هو القاضي الوحيد الذي لا يستعجل أحكامه، بعيداً عن عواطف اللحظة الراهنة وجراحها النازفة التي تحكم رؤية البشر المعاصرين للأحداث. وسوف تظل سيرة عبد ربه منصور هادي موضع تساؤل عميق في الضمير اليمني لسنوات طويلة: هل كان يحاول حقاً إنقاذ سفينة الوطن فغلبته الأمواج العاتية، أم أنه كان أحد الأسباب التي أدت إلى غرقها في بحر النزاعات؟
من أكثر النقاط إثارة للتأمل في نهاية عهد هادي، هي الطريقة التي غادر بها المشهد السياسي، حيث لم يرحل فجأة بل قام بتفويض صلاحياته لمجلس قيادة رئاسي يضم ثمانية رجال. هذا الانتقال للسلطة وهو على قيد الحياة، عكس حقيقة أن العبء اليمني أصبح أثقل من أن يحمله فرد واحد، مهما كانت الصلاحيات الممنوحة له أو الدعم الدولي الذي يحظى به.
لقد كانت مأساة اليمن في تلك السنوات أكبر من رجل واحد، وأثقل من أن يحملها كتف فرد مهما علت منزلته أو اتسعت صلاحياته.
توزيع المسؤوليات بين ثمانية قادة دفعة واحدة كان بمثابة إعلان واقعي بأن القضية اليمنية لم تعد تتعلق بشخص الرئيس، بل بوطن تتشابك فيه الولاءات والخصومات الدولية والإقليمية. هذا التحول قدم درساً بليغاً لمن اختزلوا تعقيدات المشهد اليمني في اسم هادي وحده، محملين إياه أوزار الانهيار الاقتصادي والتعثر العسكري والتمزق الاجتماعي.
لسنوات طويلة، كان اسم هادي هو الشماعة التي تُعلق عليها كافة الإخفاقات، فإذا اضطربت العملة أو تعثرت الجبهات، كان اللوم يتجه مباشرة نحو الرئاسة. ولكن حين انقسمت هذه المسؤوليات بين ثمانية أعضاء في المجلس الرئاسي، بدأ الناس يدركون أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد إدارة فردية، وأن التحديات كانت تتجاوز قدرات أي مؤسسة تقليدية.
لا يعني هذا التحليل براءة مطلقة لهادي من الأخطاء السياسية، فالتاريخ لا يمنح العصمة للحكام، لكنه يشهد على أن المرحلة كانت من التعقيد بحيث لا يمكن تفسيرها من خلال شخص واحد. لقد كان هادي جزءاً من منظومة معقدة، واجهت تحديات وجودية في لحظة تاريخية فارقة، مما يجعل الحكم النهائي عليه أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.
تظل التساؤلات قائمة حول ما إذا كان هادي سبباً في الوضع الحالي، أم أنه كان ضحية لمرحلة منهكة استنزفت طاقته وقدرته على المناورة السياسية. هذا السؤال سيظل مفتوحاً ما دام اليمنيون مختلفين في قراءة تاريخهم القريب، وما دام الصراع لم يضع أوزاره بعد، ليتيح للباحثين فرصة النظر بموضوعية إلى تلك السنوات العجاف.
لقد دفع اليمنيون في عهد هادي ثمناً باهظاً من دمائهم ومستقبلهم، وهي حقيقة لا يمكن القفز فوقها عند تقييم تلك الفترة التي ستظل من أكثر فصول اليمن إيلاماً. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي النظر إلى حجم المؤامرات والحروب والانقلابات التي أحاطت بذلك العهد، والتي كانت كفيلة بهدّ الجبال الراسيات، فكيف بكيان دولة هشة.
إن الانتقال من حكم الفرد إلى حكم المجلس الرئاسي يمثل اعترافاً ضمنياً بانتهاء حقبة وبداية أخرى، لكنها بداية لا تزال مثقلة بإرث الماضي وتحديات الحاضر. هادي الذي رحل عن عالمنا، ترك خلفه وطناً يبحث عن هويته واستقراره وسط ركام الحروب، تاركاً للأجيال القادمة مهمة فك شفرات مرحلته وفهم تقلباتها الدراماتيكية.
في الختام، يقف الجمهور اليمني الواسع في حالة من التأمل المشوب بالحزن والحيرة، متسائلين عن مآلات الأمور بعد رحيل أحد أبرز وجوه المرحلة السابقة. وسيبقى السؤال الذي يتردد في الأفق: هل كان هادي يحمل مشروعاً للنجاة لم يسعفه الوقت والظروف لتحقيقه، أم أنه كان مجرد شاهد على مرحلة التيه التي لا تزال تعصف باليمن السعيد؟
فلسطين
الإثنين 01 يونيو 2026 3:24 صباحًا - بتوقيت القدس
الاحتلال يمنع نجم كرة القدم مصعب أبو سالم من السفر للمشاركة في مباراة تضامنية بإيطاليا
أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على منع نجم كرة القدم الفلسطيني، مصعب أبو سالم، من مغادرة الأراضي الفلسطينية باتجاه إيطاليا، حيث كان من المقرر أن يمثل 'منتخب نجوم فلسطين' في تظاهرة رياضية كبرى. وكان من المفترض أن يشارك اللاعب في مباراة إنسانية وتضامنية أمام 'منتخب نجوم نابولي' الإيطالي، تهدف إلى تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني وتعزيز قيم التآخي الرياضي في الملاعب الأوروبية.
وأفادت مصادر رسمية بأن أجهزة الاحتلال الأمنية أوقفت اللاعب أبو سالم أثناء محاولته المرور عبر معبر الكرامة الواصل بين الضفة الغربية والأردن. وقد تم عزل اللاعب عن بقية أعضاء بعثة المنتخب، حيث خضع لتحقيق أمني قاسٍ ومطول داخل أروقة المانتهى بصدور قرار تعسفي يقضي بمنعه من السفر وإعادته قسراً، مما حرمه من فرصة إيصال رسالة غزة والضفة إلى الجمهور الرياضي في إيطاليا.
من جانبه، أصدر الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بياناً شديد اللهجة استنكر فيه هذا الإجراء، مؤكداً أن عرقلة سفر اللاعبين تندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى خنق الرياضة الفلسطينية وتسييسها. وأوضح الاتحاد أن هذه الانتهاكات تسعى لعرقلة الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية، مشدداً على أن استهداف الكوادر الرياضية يضرب بعرض الحائط كافة القوانين والمواثيق الأولمبية والدولية التي تضمن حرية الحركة والتنقل.
ما تعرض له أبو سالم ليس حادثاً معزولاً، بل هو جزء من سلسلة انتهاكات مقوننة تستهدف حرية حركة الرياضيين الفلسطينيين وتسعى لتسييس القطاع الرياضي.
وجدد الاتحاد الفلسطيني دعوته العاجلة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحادات القارية بضرورة تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه ما يتعرض له الرياضيون في فلسطين. وطالب البيان بتوفير حماية حقيقية للاعبين وضمان حقهم في تمثيل وطنهم بحرية، مؤكداً على ضرورة فرض عقوبات رادعة على اتحاد الاحتلال لوقف هذه العراقيل المتكررة التي تهدف إلى عزل الرياضة الفلسطينية عن محيطها العالمي.
وتأتي هذه الواقعة في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدولية والمطالبات الشعبية في أوروبا لعزل الاحتلال رياضياً، والتي تجلت مؤخراً في مدرجات مدينة دبلن خلال مباراة أيرلندا وقطر الودية. حيث رفعت الجماهير الأيرلندية الأعلام الفلسطينية احتجاجاً على ممارسات الاحتلال، مما يعكس تزايد الزخم الدولي المساند للقضية الفلسطينية والمندد بالقيود المفروضة على الرياضيين الذين يسعون لنقل رسالة شعبهم عبر كرة القدم.
اقتصاد
الإثنين 01 يونيو 2026 2:54 صباحًا - بتوقيت القدس
قفزة في أسعار النفط العالمية مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان
سجلت أسواق الطاقة العالمية قفزة ملحوظة في أسعار النفط خلال التعاملات المبكرة اليوم الاثنين، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة تجاوزت 2%. وتأتي هذه الزيادة في أعقاب إعلان الاحتلال الإسرائيلي عن توسيع عملياته العسكرية وتوغله في الأراضي اللبنانية، في إطار المواجهة المستمرة مع حزب الله، وهو ما أدى إلى تراجع التفاؤل بشأن استقرار المنطقة رغم مرور ستة أسابيع على إعلان وقف إطلاق النار.
وبحسب بيانات الأسواق التي نقلتها مصادر اقتصادية، فقد صعدت العقود الآجلة للخام الأمريكي بمقدار 2.37 دولار، ما يعادل 2.71%، ليستقر سعر البرميل عند 89.73 دولاراً. وفي السياق ذاته، حققت العقود الآجلة لخام برنت نمواً بنحو 2.07 دولار أو بنسبة 2.27%، ليصل سعر البرميل إلى 93.19 دولاراً، مما يعكس حالة القلق لدى المستثمرين من تداعيات التصعيد الميداني.
ارتفعت العقود الآجلة للخام الأمريكي 2.37 دولار أو 2.71 بالمئة لتصل إلى 89.73 دولار للبرميل.
ويأتي هذا الارتفاع ليعوض الخسائر التي سجلتها الأسواق يوم الجمعة الماضي، حين انخفض خام برنت وخام غرب تكساس بنسب تراوحت بين 1.7% و1.8%. وكانت تلك التراجعات مدفوعة بتوقعات سادت الأوساط السياسية حول احتمالية توصل الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تفضي لاتفاق وقف إطلاق نار، قبل أن تتبدد تلك الآمال مع التطورات العسكرية الأخيرة في لبنان.
أقلام وأراء
الإثنين 01 يونيو 2026 2:09 صباحًا - بتوقيت القدس
بين الوعي وشعارات النهضة: مراجعات نقدية في بنية المشاريع الفكرية
تبرز الحاجة الملحة اليوم إلى انبراي المخلصين من أبناء الأمة لدراسة خطوات عملية تؤسس لنهضة حقيقية، بعيداً عن الشعارات الرنانة. إن تأطير الآراء في سبيل هذه الغاية النبيلة يتطلب عدم الاستهانة بأي جهد مخلص، مهما كان صغيراً، لبناء صرح حضاري نرجو أن تدركه الأجيال الحالية.
إن أولى خطوات الإصلاح تبدأ بتحطيم فكرة تحصين 'أهل السبق' أو القيادات التي احتواها العنوان الأيديولوجي، بحيث لا يجوز مراجعتهم أو تعديل مسارهم. الشفافية يجب أن تكون الروح التي تحرك الأفراد والمؤسسات، فالمجتمعات الغربية أدركت مبكراً أنه لا يوجد شخص فوق النقد، وهو درس أولى بأمة الإسلام تطبيقه.
وفي سياق البناء المؤسسي، يجب أن تكون مصادر الأموال ومصارفها واضحة للعيان دون أي مواربة. إن ترفع أصحاب المشاريع عن إعلان تفاصيلهم المالية ليس مجرد خيار، بل هو شرط أساسي للبقاء والاستمرارية، حيث ترتبط الثقة بمدى الوضوح والنزاهة أمام الجماهير.
لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يكتب له النجاح إذا جفت شرايينه من أهل الأدب والفكر والفن. هؤلاء المبدعون هم نبض الأمة، وإقصاؤهم عن العناوين الكبرى يؤذن بخطر داهم، إذ تتحول المشاريع بدونهم إلى هياكل جامدة تفتقر للحس الإنساني والجمالي.
من المآسي التي تضرب العمل الجماعي هو شعور المنتسبين لعنوان معين بأنهم مميزون عن بقية الناس أو أنهم طبقة مختارة. هذا النوع من الاستعلاء يتطلب تطهراً دائماً وتوجيهاً تربوياً للشباب لنبذه، فالمهمة الأساسية هي خدمة المجتمع والذوبان فيه لا التمايز عنه.
تتجلى الانعزالية أيضاً في حصر الدوائر الاجتماعية والمهنية، مثل قصر الزواج أو العمل على أبناء التنظيم أو الفكرة الواحدة. هذا السلوك يعطل التفاعل الطبيعي مع المجتمع ويخلق فجوات فكرية واجتماعية لا تخدم المصلحة العامة للأمة بل تزيد من تقوقعها.
إن معيار تولي المسؤولية بناءً على 'الأكثر ابتلاءً' أو من قضى سنوات في السجون يضع المشاريع في صدام مباشر مع الواقع. المراجعة الحقيقية تقتضي تقديم الكفاءة والقدرة على التفاعل مع الناس، لضمان بقاء الفكرة حية وقابلة للتطبيق وسط المتغيرات المتسارعة.
إن الشفافية وروحها هي روح بقاء الأمة والعناوين والأفراد؛ فإن الغرب أدرك بأنه لا أحد مُحصن فكيف بأمة محمد؟!
على أصحاب الأفكار أن يراقبوا الله فيما يزرعونه في عقول الأجيال الناشئة، خاصة في ظل غفلة المجتمع. إذا وجد أصحاب المشاريع أن المجتمع يبتعد عنهم، فعليهم مراجعة أفكارهم ومدى قربها من المقاصد الشرعية والواقعية، بدلاً من لوم الناس على انصرافهم.
تبقى المشاريع بخير ما دامت تضع النفع العام بوصلة لها، فإذا فشلت في تحقيق الفائدة وجب مراجعة المنظومة كاملة. الانكفاء على الذات ومجاراة التيار العام لمجرد البقاء، أو استبعاد المخالفين في الرأي، هي علامات تدل على خلل بنيوي يستوجب التوقف والإصلاح.
هناك تحذير شديد لأولئك الذين يتخذون من العناوين الأيديولوجية وسيلة للتكسب المادي أو تحقيق المصالح الخاصة. إن توجيه مقدرات الأمة لنفع شخصي ليس مجرد فساد مالي، بل هو تعطيل لفرج الأمة واستغلال لخيراتها بباطل سيحاسب عليه المرء أمام الله.
إن الذين يحصرون مشاريعهم فيمن يناسبهم فكرياً فقط، يجب أن يدركوا أن مسيرة النهضة لن تتوقف عند حدود أفكارهم الضيقة. الصواب ليس حكراً على فئة، ومحاولة حجب آراء الآخرين المخالفين قد تنجح في الدنيا لكنها ستكون حجة على أصحابها في الآخرة.
التجارة الحقيقية هي مع الله، وهذا يفرض تقديم مصلحة الأمة على الولاءات الشخصية الضيقة. إن المبالغة في الطاعة العمياء من قبل الأتباع، حتى في الأمور الخاطئة، لن تغني عن القادة شيئاً يوم الحساب، بل إن النقد البناء هو ما يحمي المشروع من الانحراف.
يجب استحضار المعاني القرآنية التي تؤكد أن الخير قد يكمن فيما نكره، فقد يكون المخالف في الرأي مكملاً لنا وليس عدواً. الاختلاف في الرؤى لا يعني الخصومة، بل هو إثراء للمشروع النهضوي إذا ما تم استيعابه بروح منفتحة تبحث عن الحق أينما كان.
ختاماً، لنا في سيرة الصحابة الكرام أسوة حسنة، خاصة في واقعة صلاة العصر في بني قريظة، حيث اختلفوا في فهم النص وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا التعدد في الفهم والتقدير هو ما نحتاجه اليوم لكسر حدة الاحتكار الفكري والوصول إلى وعي جامع ينهض بالأمة.
فلسطين
الإثنين 01 يونيو 2026 12:54 صباحًا - بتوقيت القدس
حمدان: حماس تحتفظ بقدراتها العسكرية ومتمسكة بالاتفاق رغم 'الابتزاز السياسي'
شدد القيادي في حركة حماس أسامة حمدان على أن الحركة لا تزال تحتفظ بكامل قدراتها التنظيمية والعسكرية الميدانية، رغم حجم التضحيات والخسائر التي خلفتها الحرب المستمرة على قطاع غزة. وأوضح حمدان أن استهداف الاحتلال لعدد من كبار القادة لا يعكس حالة من الضعف أو الانهيار كما تحاول بعض الأطراف الترويج له، بل هو جزء من طبيعة الصراعات الكبرى.
وأشار حمدان في تصريحات صحفية إلى أن حماس خاضت منذ السابع من أكتوبر عام 2023 مواجهة قاسية، قدمت خلالها أثماناً باهظة من كوادرها في مختلف المستويات السياسية والعسكرية. وأكد أن هذه الخسائر لم تؤدِ إلى تفكك البنية التنظيمية، مشيراً إلى أن الحركة تمتلك مرونة عالية وقدرة تاريخية على تعويض الفراغات القيادية بشكل سريع ومنظم.
واعتبر القيادي في الحركة أن وجود القادة في الخطوط الأمامية واستشهادهم أثناء أداء مهامهم هو دليل على الالتحام المباشر مع المعركة، وليس مؤشراً على اختراقات أمنية. واستذكر في هذا السياق اغتيال مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين وخليفته الدكتور عبد العزيز الرنتيسي عام 2004، وكيف استمرت الحركة في التوسع رغم التوقعات الدولية حينها بنهايتها.
وفي سياق متصل، شن حمدان هجوماً لاذعاً على المدير التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف، متهماً إياه بالانحياز الكامل للرواية الإسرائيلية والمساهمة في تعطيل تنفيذ تفاهمات وقف إطلاق النار. وأضاف أن ميلادينوف فقد صفة الحياد المطلوبة في دوره الدولي، وتحول إلى طرف يتبنى أجندة حكومة بنيامين نتنياهو في المحافل الدولية ومجلس الأمن.
وأوضح حمدان أن المسؤول الدولي فشل بشكل ذريع في متابعة تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالمرحلة الأولى من الاتفاق، خاصة فيما يخص إدخال المساعدات الإنسانية والطبية العاجلة. كما أشار إلى تقاعس الجهات الدولية عن دعم إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية في القطاع، رغم وجود ضمانات سابقة بهذا الخصوص تحت إشراف الوسطاء.
واتهم القيادي في حماس ميلادينوف بتجاهل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية التي تلت دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، والتي أسفرت عن سقوط مئات الضحايا الجدد. وأكد أن صمت المسؤول الأممي عن هذه الخروقات يمنح الاحتلال غطاءً للاستمرار في استهداف المدنيين، ويضعف من فرص نجاح العملية السياسية برمتها في المرحلة المقبلة.
وحول ملف المصالحة الداخلية، جدد حمدان دعوة حركة فتح للانخراط في مشروع وطني جامع يهدف إلى مواجهة التحديات الراهنة وتوحيد الصف الفلسطيني. وأكد أن حماس تعتبر الشراكة الوطنية خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي تسعى لتعميق الفجوة بين الفصائل الفلسطينية.
استشهاد القادة أثناء أداء مهامهم الميدانية دليل على انخراطهم المباشر في إدارة المعركة وليس خللاً في بنية الحركة.
وكشف حمدان عن توجيه رسالة تهنئة رسمية من حماس إلى قيادة فتح بمناسبة انعقاد مؤتمرها الثامن، تضمنت مقترحاً لعقد لقاء قيادي موسع لبلورة برنامج وطني موحد. وأشار إلى أن الحركة لا تكتفي بإطلاق الشعارات حول المصالحة، بل تسعى جاهدة لتحويلها إلى واقع ميداني وسياسي يحمي الحقوق الفلسطينية في هذه اللحظات المصيرية.
وفيما يخص الشروط المطروحة دولياً، رفض حمدان بشكل قاطع أي محاولات لربط ملف إعادة إعمار قطاع غزة أو إدخال المساعدات الإغاثية بقضية نزع سلاح المقاومة. ووصف هذه الطروحات بأنها نوع من 'الابتزاز السياسي' الذي يتجاهل الأسباب الحقيقية للصراع والمتمثلة في استمرار الاحتلال والعدوان العسكري على الشعب الفلسطيني.
وأكد أن قضية السلاح لم تكن يوماً جزءاً من التفاهمات الحالية مع الوسطاء، وأن إثارتها في هذا التوقيت تهدف إلى فرض شروط إسرائيلية جديدة خارج إطار الاتفاق. وشدد على أن المقاومة لن تقبل بتجاوز التفاهمات القائمة، ولن تسمح باستخدام الاحتياجات الإنسانية للسكان كوسيلة للضغط السياسي أو العسكري على قوى المقاومة.
وعن مستقبل التهدئة، أوضح حمدان أن حماس لا تزال متمسكة بمنح اتفاق وقف إطلاق النار فرصة كاملة للنجاح، رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية المتكررة. وأشار إلى أن هذا التمسك ينبع من الحرص المسؤول على حماية المدنيين وتخفيف المعاناة الإنسانية الكارثية التي يعيشها سكان القطاع نتيجة الدمار الواسع.
ونفى حمدان أن يكون الالتزام بالاتفاق ناتجاً عن ضعف، مؤكداً أنه يمثل التزاماً أخلاقياً وسياسياً أمام المجتمع الدولي والوسطاء لكشف الطرف المعطل للتنفيذ. وأضاف أن الحركة تراقب المشهد عن كثب، وتقوم بتقييم مستمر لمدى التزام الاحتلال بالبنود المتفق عليها، لاتخاذ القرارات المناسبة في الوقت الملائم.
وحول البدائل المتاحة في حال انهيار التفاهمات، أكد القيادي في حماس أن إعطاء المسار السياسي فرصة لا يعني أبداً سقوط خيارات المقاومة أو فقدان أوراق القوة الميدانية. وذكر أن قيادة الحركة تدير المعركة بأدوات متعددة، وتحدد أولوياتها بناءً على تقديرات دقيقة للمصالح الوطنية العليا والظروف الميدانية على الأرض.
وختم حمدان تصريحاته بالتأكيد على أن المقاومة الفلسطينية تمتلك خيارات واسعة للتعامل مع أي تطورات مستقبلية، ولن تتخلى عن مسؤوليتها في الدفاع عن الشعب الفلسطيني. وشدد على أن الجهود السياسية والوساطات ستظل قائمة طالما أنها تخدم الأهداف الوطنية، مع بقاء الجهوزية التامة للرد على أي تصعيد قد يفرضه الاحتلال.
عربي ودولي
الإثنين 01 يونيو 2026 12:39 صباحًا - بتوقيت القدس
استنفار حزبي في الجزائر لتعويض المترشحين المقصيين ودعوات لتبون بتجميد 'مادة المال المشبوه'
دخلت التشكيلات السياسية في الجزائر في سباق محتدم مع الزمن لترميم قوائمها الانتخابية، عقب موجة إقصاءات واسعة طالت مئات المترشحين للانتخابات البرلمانية المقررة في الثاني من يوليو المقبل. وتعيش مقار الأحزاب حالة من الاستنفار لتجهيز بدلاء للمستبعدين قبل انقضاء الآجال القانونية، وسط أجواء من التوتر السياسي والقانوني.
وتركزت الانتقادات الحزبية على المادة 200 من القانون العضوي للانتخابات، التي تحولت إلى عقبة رئيسية أمام الطامحين لدخول قبة البرلمان. وتنص هذه المادة على ضرورة خلو سجل المترشح من أي صلة بأوساط المال والأعمال المشبوهة، وهو ما اعتبرته قوى سياسية معياراً فضفاضاً يُستخدم للإقصاء الإداري بعيداً عن أحكام القضاء.
وفي هذا السياق، وجه حزب العمال نداءً عاجلاً إلى الرئيس عبد المجيد تبون بصفته حامياً للدستور، مطالباً إياه بالتدخل الفوري لتجميد العمل بالمادة المذكورة. واعتبر الحزب أن التطبيق الحالي لهذه النصوص أدى إلى ما وصفه بـ 'المذبحة' الانتخابية التي مست كوادر ومناضلين نزهاء لم تصدر بحقهم أي إدانات قضائية.
من جانبها، أوضحت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن عملية استخلاف المترشحين المرفوضين يجب أن تتم فور التبليغ بقرار الرفض النهائي. وأشارت المصادر الرسمية إلى أن الباب يظل مفتوحاً لتقديم ملفات البدلاء حتى تاريخ السادس من يونيو المقبل، لضمان استمرارية القوائم في السباق الانتخابي.
وأكدت السلطة أن المترشحين الذين يلجؤون إلى القضاء الإداري للطعن في قرارات إقصائهم سيستعيدون أماكنهم تلقائياً في حال صدور أحكام لصالحهم. وفي هذه الحالة، تسقط صفة المترشح المستخلف قانوناً، ويعود الترتيب الأصلي للقائمة كما كان قبل صدور قرار الرفض الإداري الأولي.
ولم تقتصر موجة الرفض على تيار سياسي بعينه، بل شملت أحزاباً من الموالاة والمعارضة على حد سواء، بالإضافة إلى عدد كبير من القوائم المستقلة. وأثار هذا الشمول تساؤلات حول المعايير الأمنية والإدارية المعتمدة في التحقيقات التي تسبق قبول الملفات، ومدى دقة التقارير المرفوعة ضد المترشحين.
جبهة القوى الاشتراكية، أقدم أحزاب المعارضة، عبرت عن استنكارها الشديد لما وصفته بـ 'الإقصاء السياسي' الممنهج ضد مرشحيها في عدة ولايات. وأكدت الجبهة أن هذه الإجراءات تضرب مبدأ تكافؤ الفرص وتعرقل المسار الديمقراطي الذي تنشده البلاد في هذه المرحلة الحساسة.
إن مدى قرارات الرفض حوّل المادة 200 من القانون الانتخابي إلى آلة كاسحة للحقوق الدستورية للمترشحين دون محاكمة أو إدانة.
وفي ولاية تيزي وزو، أعلنت قائمة 'تافوست' المستقلة عن رفض ملفات ستة من أعضائها، مشيرة إلى أن التهم الموجهة إليهم تتعلق بـ 'أنشطة مشبوهة' غير معرفة بدقة. وشددت القائمة على أن المستبعدين هم نشطاء حقوقيون ومدنيون معروفون بنزاهتهم، مما يضع علامات استفهام حول أهداف هذه القرارات.
حركة مجتمع السلم بدورها أبدت قلقاً متزايداً من التوسع في تفسير المادة 200، معتبرة أن حرمان المواطنين من حقوقهم السياسية بناءً على شبهات إدارية يعد سابقة خطيرة. ودعت الحركة إلى ضرورة الاستناد إلى أحكام قضائية باتة ونهائية قبل اتخاذ أي قرار يقضي بمنع أي مواطن من الترشح.
كما انضم حزب 'جيل جديد' إلى جبهة المنتقدين، مؤكداً أن الأسباب التي ساقتها سلطة الانتخابات لرفض مرشحيه كانت عامة ومبهمة وتفتقر للأدلة الملموسة. واعتبر الحزب أن هذه الممارسات تساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وتؤثر سلباً على نسب المشاركة المتوقعة.
ويرى مراقبون أن الجدل الدائر حول المادة 200 يعيد النقاش القديم حول 'تسييس' الإجراءات الإدارية في العمليات الانتخابية بالجزائر. فبينما تصر السلطات على أن الهدف هو تطهير البرلمان من 'المال الفاسد'، ترى الأحزاب أن النص القانوني أصبح وسيلة للتحكم في خارطة التوازنات السياسية داخل المجلس القادم.
وتواجه المحاكم الإدارية في مختلف ولايات الوطن ضغطاً كبيراً للنظر في مئات الطعون المودعة من قبل المترشحين المقصيين خلال المهلة القانونية المحددة بثلاثة أيام. وتترقب الأوساط السياسية ما ستسفر عنه هذه الأحكام، ومدى قدرتها على إنصاف المترشحين الذين يصرون على براءتهم من تهم 'الشبهة'.
وفي ظل هذا الاحتقان، تبرز مخاوف من أن تؤدي هذه الإقصاءات إلى عزوف انتخابي واسع، خاصة في المناطق التي شهدت استبعاد شخصيات محلية تحظى بشعبية كبيرة. ويحذر ناشطون من أن غياب التعددية الحقيقية في القوائم قد يفرغ العملية الانتخابية من محتواها التنافسي ويضعف شرعية البرلمان العتيد.
ويبقى القرار النهائي بيد الرئاسة الجزائرية فيما يخص المطالب بتجميد المواد المثيرة للجدل، في وقت تستمر فيه التحضيرات اللوجستية للاقتراع. وتتجه الأنظار الآن نحو السادس من يونيو، الموعد النهائي الذي سيحسم بشكل قطعي هوية المتنافسين الذين سيخوضون غمار الحملة الانتخابية.




