أقلام وأراء

الخميس 16 يوليو 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس

المجلس التشريعي القادم… هل نكرر أخطاء الماضي أم نبني برلمانًا يليق بفلسطين؟

كلما اقترب الحديث عن الانتخابات التشريعية، ينشغل الفلسطينيون بأسماء المرشحين والقوائم والتحالفات، بينما يغيب السؤال الأهم: أي مجلس تشريعي نريد؟
فالقضية ليست إجراء انتخابات، بل بناء مؤسسة قادرة على إعادة الاعتبار للحياة السياسية الفلسطينية، واستعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.
لقد دفع الفلسطينيون ثمنًا باهظًا لغياب المجلس التشريعي. فعندما تغيب المؤسسة التي تشرّع وتراقب وتحاسب، يختل التوازن بين السلطات، وتتراجع الرقابة على الأداء الحكومي، ويتباطأ تحديث القوانين، وتفقد الحياة السياسية أحد أهم أدواتها في الحوار الوطني وإدارة الاختلاف تحت سقف القانون.
إن البرلمان ليس مؤسسة شكلية تُفتتح في المناسبات، ولا منصة للخطابات أو تسجيل المواقف. إنه عقل الدولة التشريعي، وحارس المال العام، والمدافع عن حقوق المواطنين، والجهة التي تراقب الحكومة، وتناقش الموازنة، وتقترح الحلول للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: متى ستُجرى الانتخابات؟ بل: هل سننتج مجلسًا مختلفًا عن المجالس التي عرفناها، أم سنعيد إنتاج المشهد نفسه بأسماء جديدة؟
إن نجاح المجلس التشريعي القادم يتوقف على ركيزتين أساسيتين.
الركيزة الأولى تقع على عاتق القوى السياسية والفصائل، لأنها هي التي ستختار القوائم في نظام التمثيل النسبي. وهنا تبدأ المسؤولية الوطنية الحقيقية.
فهل ستكون القوائم مبنية على الكفاءة والخبرة والنزاهة، أم على التوازنات الداخلية والمجاملات والمحاصصة؟
هل سنرى خبراء في القانون والاقتصاد والإدارة والتعليم والصحة والتكنولوجيا، أم سنكتفي بتكرار الوجوه ذاتها؟
هل ستكون القوائم ممثلة لفلسطين كلها؛ لمدنها وقراها ومخيماتها، لشبابها ونسائها، ولأصحاب الخبرة والكفاءة، أم ستبقى رهينة الحسابات التنظيمية الضيقة؟
إن المجلس التشريعي ليس مكانًا لتوزيع المكافآت السياسية، بل مؤسسة لصناعة التشريعات ورسم السياسات العامة. وكل مقعد فيه يجب أن يشغله من يمتلك القدرة على التفكير والتشريع والرقابة، لا مجرد الحضور والتصويت.
أما الركيزة الثانية، فهي الناخب الفلسطيني، الذي يمتلك القوة الحقيقية لتغيير المشهد.
لقد اعتدنا أن نسأل: من سيكون المرشح؟ لكن السؤال الأهم هو: كيف سيكون الناخب؟
فالناخب الواعي لا يمنح صوته لعلاقة شخصية، أو انتماء عائلي، أو دعاية انتخابية مؤقتة، بل يبحث عن المرشح الذي يحمل مشروعًا، ويملك خبرة، ويتمتع بالنزاهة، ويستطيع الدفاع عن مصالح الناس داخل المؤسسة التشريعية.
إن الديمقراطية لا تنتج مؤسسات قوية إذا بقي التصويت قائمًا على العاطفة وحدها. فصندوق الاقتراع ليس مناسبة اجتماعية، بل مسؤولية وطنية تحدد شكل المؤسسة التي ستشرّع القوانين، وتراقب الحكومة، وتحمي المال العام.
إن المجلس التشريعي القادم يجب أن يكون مجلسًا للكفاءات قبل أن يكون مجلسًا للكتل، ومجلسًا للخبرات قبل أن يكون مجلسًا للشعارات، ومجلسًا للإنتاج التشريعي لا للاصطفافات السياسية.
واليوم، تواجه فلسطين تحديات غير مسبوقة؛ احتلال يتمدد، واقتصاد يواجه ضغوطًا متزايدة، ومؤسسات تحتاج إلى تحديث، ومجتمع يبحث عن الأمل والثقة. وكل ذلك يحتاج إلى برلمان يمتلك الجرأة على التشريع، والقدرة على الرقابة، والحكمة في إدارة الاختلاف، والرؤية في صناعة المستقبل.
لقد أثبتت التجارب حول العالم أن قوة الدول لا تُقاس بعدد الخطب السياسية، بل بقوة مؤسساتها. والمجلس التشريعي هو أحد أهم هذه المؤسسات.
لذلك، فإن الانتخابات القادمة ليست منافسة على المقاعد، بل امتحان للنضج السياسي الفلسطيني.
فإذا أحسنت القوى السياسية اختيار مرشحيها، وأحسن المواطن اختيار ممثليه، فإن فلسطين ستربح أكثر من مجلس تشريعي جديد؛ ستربح مؤسسة وطنية قادرة على استعادة التوازن بين السلطات، وتعزيز سيادة القانون، وتجديد الثقة بين المواطن والدولة.
أما إذا عادت الحسابات الضيقة، والمحاصصة، وضعف معايير الاختيار، فلن تكون المشكلة في نتائج الانتخابات، بل في ضياع فرصة جديدة لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يسبق كل حملة انتخابية، وكل قائمة، وكل صندوق اقتراع:
هل نريد مجلسًا يملأ المقاعد… أم برلمانًا يصنع المستقبل؟

دلالات

شارك برأيك

المجلس التشريعي القادم… هل نكرر أخطاء الماضي أم نبني برلمانًا يليق بفلسطين؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.