نيويورك – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات
يلقي رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم، حيث من المتوقع أن يُركّز في كلمته ، على الدفاع الشديد عن موقف إسرائيل في حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة. وسيسعى من خلال خطابه إلى تبرير العمليات العسكرية الإسرائيلية، متحدثًا عن "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" في وجه ما يصفه بـ"التهديدات الإرهابية من حركة حماس. وربما يستعين خلال خطابه بصور أو شهادات حيّة لضحايا إسرائيليين، بهدف التأثير على الرأي العام الدولي وتخفيف حدة الانتقادات المتزايدة التي تواجهها حكومته بسبب الوضع الإنساني الكارثي في غزة.
كما ستكون قضية الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في القطاع حاضرة بقوة في الخطاب، إذ يُتوقّع أن يُسلّط نتنياهو الضوء على هذه القضية من الزاوية الإنسانية، مستعرضًا معاناة أهالي الأسرى، وربما يستخدمها لتبرير استمرار العمليات العسكرية، باعتبار أن استعادة الرهائن لا تزال هدفًا مركزيًا للحرب.
وفي ما يخص المسار السياسي، سيُكرّر نتنياهو موقفه الرافض لإقامة دولة فلسطينية في الوقت الراهن، بل سيذهب أبعد من ذلك في انتقاد الدول الأوروبية واللاتينية التي أعلنت مؤخرًا اعترافها بدولة فلسطين. سيوظّف في هذا السياق الخطاب الأمني ذاته، زاعمًا أن أي كيان فلسطيني مستقل سيشكّل تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل، خصوصًا في ظل ما يسميه "نفوذ الإرهاب" في المناطق الفلسطينية.
ولا يُتوقّع أن يغيب عن خطابه الهجوم التقليدي على إيران، حيث من المرجّح أن يكرّس جزءًا من كلمته للتحذير من "الخطر الإيراني"، سواء من خلال دعم طهران لفصائل مسلحة كحماس وحزب الله، أو عبر الحديث عن برنامجها النووي. وسيدعو نتنياهو الدول الغربية إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه طهران، بحجة أن التراخي معها يهدد استقرار المنطقة، علما بأنه شن عدوانا سافرا على إيران يوم 13 حزيران الماضي، (وشاركته في عدوانه على إيران الولايات المتحدة يوم 20 حزيران).
إلى جانب ذلك، سيحاول نتنياهو– الذي صدر بحقه مذكرة اعتقال بتهم جرائم الحرب في تشرين الأول 2024 - الظهور بمظهر رجل الدولة الحريص على الأمن الإقليمي، عبر تقديم إسرائيل كقوة استقرار وسط منطقة مشتعلة. وقد يدعو الدول العربية إلى تعزيز التعاون الأمني والتكنولوجي، في تكرار لرسائل سابقة كان قد وجهها في لقاءاته مع قادة عرب، خاصة في إطار اتفاقيات "أبراهام" علما بأنه حاول اغتيال مفاوضي حماس في العاصمة القطرية الدوحة، يوم 9.أيلول الجاري.
ومن المتوقع كذلك أن يستغل تواجده في نيويورك لعقد لقاءات جانبية مع مسؤولين دوليين، في مسعى لكسب الدعم أو على الأقل تحييد مواقف بعض الدول التي بدأت تنحو نحو الانتقاد العلني لإسرائيل. وبهذا، فإن كلمة نتنياهو ستكون أشبه بمحاولة لترميم صورته وصورة حكومته أمام المجتمع الدولي، وسط أزمة سياسية وعسكرية وإنسانية أشعلتها إسرائيل، التي تزداد عزلة كدولة منبوذة يوما بعد يوم.
الأكيد أن نتنياهو يلقي خطابه هذه العام في الأمم المتحدة كزعيم منبوذ، لدولة منبوذة.
العالم بات عارفا أنه منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الإجرامي على غزة يوم 7 تشرين الأول 2023 ، تركزت كثير من التحليلات على دور نتنياهو في تأجيج الحروب واستثمارها سياسيًا للبقاء في الحكم، خاصة في ظل أزماته القضائية وفقدانه الثقة الشعبية. غير أن اختزال الحرب – وما يمكن تسميته بـ"سياسات الإبادة والتطهير" – في شخص نتنياهو وحده، يُعد تبسيطًا مخلًا للواقع، ويغفل البنية الأعمق التي تقف وراء هذه الحرب، والتي تشمل مختلف أركان الدولة الإسرائيلية، ومؤسساتها العسكرية، وقطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي.
فما يجري اليوم لا يمكن فهمه خارج سياق توافق سياسي وأمني وشعبي داخل إسرائيل على هدف جوهري يتمثل في "الخلاص من الفلسطينيين"، ليس فقط في قطاع غزة، بل أيضًا في الضفة الغربية. هذا التوافق لا يتجسد فقط في تصريحات قادة اليمين المتطرف، بل أيضًا في سلوك الدولة، وفي غياب أي معارضة سياسية فعالة لسياسات التهجير والقتل الجماعي.
تحالف سياسي متطرف ومؤسسة عسكرية شريكة
الحكومة الإسرائيلية الحالية هي الأكثر يمينية وتطرفًا في تاريخ الدولة، وتضم وزراء ومسؤولين لا يخفون طموحاتهم بإفراغ الأرض من سكانها الفلسطينيين، أو على الأقل "تحجيم" وجودهم إلى الحد الأدنى. تصريحات مثل تلك التي أطلقها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي أنكر وجود الشعب الفلسطيني، أو دعوات إيتمار بن غفير لطرد سكان غزة، لم تعد استثناءً، بل أصبحت تعكس تيارًا سائدًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
أما المؤسسة العسكرية، فلم تعد تلعب، أو تتصنع في لعب دور "المنفذ المحايد"، بل أصبحت شريكًا مباشرًا في تطبيق هذه الرؤية، سواء عبر العمليات العسكرية الكارثية في غزة، أو من خلال حماية المستوطنين في الضفة الغربية وتمكينهم من ارتكاب اعتداءات ممنهجة تهدف إلى ترحيل الفلسطينيين قسرًا من أراضيهم.
المجتمع الإسرائيلي: صمت، تأييد، وتحريض
أما على المستوى المجتمعي، فإن المواقف الشعبية الإسرائيلية، كما أظهرتها استطلاعات الرأي ومظاهر السلوك العام، تميل إلى تأييد واسع للعمليات العسكرية في غزة، حتى مع إدراك حجم الدمار وسقوط المدنيين. في الكثير من الحالات، لم يعد العنف ضد الفلسطينيين يُبرَّر فقط بذريعة "مكافحة الإرهاب"، بل أصبح تعبيرًا عن قناعة أيديولوجية راسخة بأن “لا مكان للفلسطينيين هنا”، أو بأن "الأمن الإسرائيلي لا يتحقق إلا عبر التخلص منهم".
هذا التوجه ينعكس في مستوى غير مسبوق من التحريض الإعلامي والديني، وفي خطاب نزع الإنسانية عن الفلسطينيين، والذي لم يلقَ معارضة تُذكر داخل المجتمع الإسرائيلي، بل على العكس، حظي بتشجيع واسع.
من غزة إلى الضفة: سياسة تهجير متواصلة
حرب الإبادة الإسرائيلية من قصف مكثف، وتجويع ومنع للإغاثة وتدمير ممنهج للبنى التحتية، تُترجم فعليًا كسياسة تهدف إلى دفع السكان نحو الرحيل، وهو ما وصفه عدد من المراقبين بـ"التهجير القسري غير المعلن". وفي الضفة الغربية، تتخذ السياسات شكلاً مختلفًا لكن بنفس الهدف: تصعيد اعتداءات المستوطنين، إغلاق القرى، اعتقالات جماعية، واستيلاء على الأراضي – وكلها تؤدي إلى إخراج الفلسطينيين من مناطقهم، خاصة في المناطق المصنفة "ج".
بنية استعمارية لا أزمة حكومة فقط
ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة قيادة أو حسابات سياسية لنتنياهو، بل هو نتيجة منطقية لبنية استعمارية متجذرة داخل الدولة الإسرائيلية، ترى في الوجود الفلسطيني خطرًا ديمغرافيًا وأمنيًا يجب التخلص منه، بكل الوسائل الممكنة. ولذا، فإن المواجهة مع هذه السياسات لا يمكن أن تقتصر على تغيير الحكومة أو إزاحة نتنياهو، بل تتطلب إعادة قراءة جذرية لطبيعة المشروع الصهيوني نفسه، وحدود الدولة والمجتمع في تبني سياسات الإبادة والتهجير.