خليل شاهين: الطروحات المتداولة بشأن مبادرة أمريكية لوقف التصعيد لا تبدو سوى تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة من العمليات العسكرية
محمد جودة: من المرجح استمرار التصعيد ضمن حدود معينة بحيث تتواصل العمليات العسكرية والضغوط المتبادلة دون مواجهة شاملة
نعمان توفيق العابد: التصعيد في لبنان يندرج ضمن مخططات استراتيجية وأمنية تسعى حكومة الاحتلال لتحقيقها في إطار رؤيتها الأوسع للمنطقة
عدنان الصباح: ما يجري جنوب الليطاني يهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها وتحويلها إلى منطقة استراتيجية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية
سليمان بشارات: أهداف التصعيد تتجاوز سلاح حزب الله أو إنشاء منطقة عازلة وتتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني
نهاد أبو غوش: أي توسع للعدوان سيحمل تحديات عسكرية وسياسية كبيرة لإسرائيل وتعزيز موقف حزب الله وإحراج الحكومة اللبنانية
رام الله- خاص بـ"القدس"-
يتجه المشهد في لبنان نحو مزيد من التصعيد، في ظل مؤشرات على أن التحركات العسكرية الجارية لا تنفصل عن مساعٍ لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض واقع أمني جديد على الأرض، مع استمرار العمليات واتساع نطاقها بشكل تدريجي، بما ينسجم مع أطماع وأهداف أيدلوجية إسرائيلية في الإقليم.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه التطورات واتساع التصعيد الإسرائيلي على لبنان يتقاطع مع حسابات سياسية وإقليمية أوسع، حيث ترتبط الجبهة اللبنانية بملفات تفاوضية حساسة مع إيران وتوازنات دولية معقدة، ما يجعلها جزءاً من مشهد إقليمي غير مستقر وقابل للتغير.
ويشيرون إلى أن المرحلة المقبلة تبقى مفتوحة على احتمال استمرار التصعيد أو احتوائه عبر تسويات سياسية ودبلوماسية، في ظل هشاشة ميدانية تجعل مسار الأحداث رهناً بتطورات متسارعة على أكثر من مستوى.
تكريس واقع أمني جديد
يحذر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين من أن التطورات الميدانية المتسارعة في لبنان تشير إلى اتجاه إسرائيلي نحو توسيع نطاق العمليات العسكرية وتكريس واقع أمني جديد يتجاوز فكرة المناطق العازلة التقليدية، في ظل تعثر الجهود السياسية واستمرار حالة الاستنزاف المتبادل بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله.
ويوضح شاهين أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة في جنوب لبنان، رغم اتساعها وتعمقها، لم تحقق الأهداف التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها توفير الأمن للمستوطنات الشمالية وإعادة الاستقرار إليها.
حالة استنزاف متبادلة
ويرى شاهين أن نمط المواجهة القائم حالياً يعكس حالة استنزاف متبادلة يصعب على إسرائيل تحمل تبعاتها على المدى الطويل، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الداخلية الموجهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيلي بسبب العجز عن إيجاد حلول حاسمة للتحديات الميدانية المتصاعدة.
ويشير شاهين إلى أن حزب الله نجح في تطوير أساليب المواجهة من خلال تغيير تكتيكاته القتالية والانتقال من الوحدات الثابتة إلى أسلوب حرب المجموعات القائم على حرب العصابات، إلى جانب استخدام وسائل قتالية جديدة، الأمر الذي حدّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق إنجازات ميدانية حاسمة.
ويشير شاهين إلى أن توسيع حزب الله لدائرة الاستهداف لتشمل مناطق مثل صفد وعكا وكرميئيل وطبريا أدى إلى عودة مظاهر النزوح في بعض المستوطنات الشمالية، وهو ما يمثل تحدياً إضافياً للحكومة الإسرائيلية.
إسرائيل أمام خيارات محدودة
ويرى شاهين أن إسرائيل تجد نفسها أمام خيارات محدودة، إذ لا تستطيع التراجع أو القبول بوقف إطلاق النار في الظروف الحالية خشية اعتبار ذلك فشلاً جديداً يضاف إلى إخفاقاتها في مواجهة إيران، وإلى عجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة في قطاع غزة بعد سنوات من الحرب.
ولذلك يرجح شاهين أن تتجه حكومة نتنياهو نحو المزيد من التصعيد والسعي للحصول على دعم أمريكي لتوسيع العمليات العسكرية، بما في ذلك تكثيف الاستهدافات في الضاحية الجنوبية لبيروت وتنفيذ عمليات نوعية واغتيالات جديدة.
تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة
ويعتبر شاهين أن الطروحات المتداولة بشأن مبادرة أمريكية لوقف التصعيد لا تبدو سوى تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة من العمليات العسكرية، خاصة أنها تقوم على اشتراط وقف كامل لأنشطة حزب الله مقابل امتناع إسرائيل عن استهداف بيروت والضاحية الجنوبية.
ويؤكد أن ما يجري حالياً يعكس تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على إنشاء ما تسميه إسرائيل "مناطق دفاع" بدلاً من المناطق العازلة التقليدية.
ووفق شاهين، تقوم هذه الاستراتيجية على تدمير البنية العمرانية ومظاهر الحياة في المناطق المستهدفة، وإقامة قواعد ومنشآت عسكرية دائمة تضمن بقاء الجيش الإسرائيلي لفترات طويلة، كما يحدث في أجزاء من قطاع غزة وبعض المناطق الحدودية في جنوب لبنان.
ويوضح شاهين أن المخططات الإسرائيلية قد تتطور نحو فرض السيطرة الكاملة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، ثم التوسع شمالاً باتجاه الزهراني والأولي وإقليم التفاح، وصولاً إلى فرض ضغوط مباشرة على العاصمة بيروت عبر حصار بري وبحري دون الحاجة إلى احتلالها أو تدميرها بشكل مباشر.
ويعتقد شاهين أن التصعيد سيبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً ما لم يتم التوصل إلى تفاهم أمريكي ـ إيراني شامل يتضمن وقفاً لإطلاق النار في لبنان.
أي اتفاق محتمل لن ينهي الأزمة بصورة كاملة
ومع ذلك، فإن شاهين يوضح أي اتفاق محتمل لن ينهي الأزمة بصورة كاملة، إذ يتوقع أن تحتفظ إسرائيل بالمناطق التي عززت وجودها العسكري فيها، وأن تستخدمها كورقة ضغط خلال أي مفاوضات مستقبلية مع الدولة اللبنانية، سعياً لفرض أجندة أمنية تتصدرها قضية نزع سلاح حزب الله، على غرار الشروط التي تطرحها في مفاوضاتها المتعلقة بقطاع غزة.
مسار متواصل من التصعيد في المنطقة
يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن التطورات الجارية على الجبهة اللبنانية تندرج ضمن مسار متواصل من التوتر والتصعيد الذي تشهده المنطقة منذ فترة، في ظل سعي إسرائيل إلى تعزيز مواقعها الميدانية وتحقيق أهداف أمنية وعسكرية تعتبرها ضرورية، مقابل اعتبار الجانب اللبناني هذه التحركات اعتداءً على السيادة اللبنانية ومحاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة.
ويوضح جودة أن المشهد الحالي لا يقتصر على الجانب العسكري المباشر، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أوسع ترتبط بموازين القوى وقواعد الاشتباك السائدة بين الأطراف المختلفة.
تحسين المواقع التفاوضية وتعزيز أوراق القوة
ويشير جودة إلى أن التحركات الميدانية الجارية يمكن فهمها أيضاً في إطار محاولات متبادلة لتحسين المواقع التفاوضية وتعزيز أوراق القوة استعداداً لأي تفاهمات أو ترتيبات سياسية وأمنية محتملة خلال المرحلة المقبلة.
ويلفت جودة إلى أنه من المبكر تحديد ما إذا كانت التحركات الإسرائيلية الحالية تعكس استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إحداث تغييرات دائمة على الأرض، أم أنها ترتبط بظروف ميدانية وسياسية مؤقتة فرضتها التطورات الأخيرة، إلا أنها تعكس بصورة واضحة استمرار هشاشة الوضع الأمني على الحدود اللبنانية وإمكانية تجدد التوتر في أي وقت.
استمرار التصعيد ضمن حدود معينة
وحول السيناريوهات المتوقعة، يوضح جودة أن المعطيات الحالية ترجح استمرار التصعيد ضمن حدود معينة، بحيث تتواصل العمليات العسكرية والضغوط المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة أو حرب واسعة النطاق، وهو السيناريو الذي يبدو الأقرب في المدى المنظور.
ويلفت جودة إلى وجود احتمال آخر يتمثل في نجاح الجهود الدبلوماسية والوساطات الدولية في احتواء التوتر القائم والتوصل إلى تفاهمات أو ترتيبات أمنية من شأنها خفض مستوى التصعيد وإعادة قدر من الاستقرار النسبي إلى المناطق الحدودية.
ولم يستبعد جودة احتمال حدوث تصعيد أوسع إذا طرأت تطورات ميدانية أو سياسية من شأنها تغيير حسابات الأطراف المعنية، لكنه يؤكد أن المؤشرات المتوافرة حتى الآن تدل على إدراك مختلف الأطراف لحجم الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي قد تنجم عن أي مواجهة واسعة.
ويعتقد جودة أن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على عدة احتمالات، وأن مسار الأحداث سيتحدد بدرجة كبيرة وفق التطورات الميدانية ومدى نجاح المساعي السياسية والدبلوماسية الرامية إلى منع انزلاق الأوضاع نحو مستويات أعلى من التصعيد.
أبعاد إسرائيلية استراتيجية وأمنية
يرى الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل في لبنان لا يمثل رد فعل ظرفياً على التطورات الميدانية، بل يندرج ضمن مخططات معدة مسبقاً تستند إلى أبعاد استراتيجية وأمنية تسعى حكومة الاحتلال إلى تحقيقها في إطار رؤيتها الأوسع للمنطقة.
ويوضح العابد أن البعد الاستراتيجي يتمثل في الأفكار التي تروج لها حكومة اليمين الإسرائيلي بشأن إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط وتوسيع رقعة النفوذ والاحتلال، فيما يرتبط البعد الأمني باعتقاد المؤسسة الإسرائيلية أن الحلول العسكرية وإنشاء المناطق العازلة والتوغل داخل الأراضي اللبنانية والفلسطينية يمكن أن توفر حماية طويلة الأمد للمستوطنات الإسرائيلية، وخاصة في المناطق الشمالية.
جزء من مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية
ويشير العابد إلى أن التطورات على الجبهة اللبنانية لا يمكن فصلها عن مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، لافتاً إلى أن إسرائيل تنظر بقلق إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات إقليمية قد تفرض تهدئة على جبهات المواجهة المختلفة.
ويرى العابد أن أحد أهداف التصعيد الحالي يتمثل في محاولة التأثير على هذه المفاوضات أو تعطيلها، إلى جانب السعي لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب العسكرية وضرب البنية التحتية العسكرية لحزب الله قبل الوصول إلى أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار.
ويلفت العابد إلى أن المشهد الداخلي الإسرائيلي يشكل عاملاً مؤثراً في مسار التصعيد، سواء من خلال الحسابات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية، أو من خلال الضغوط السياسية والقضائية التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ما يدفع الحكومة إلى التركيز على تحقيق إنجازات ميدانية يمكن استثمارها داخلياً.
ويعتقد العابد أن إسرائيل باتت تتعامل مع المفاوضات القائمة مع الجانب اللبناني من موقع القوة، وتسعى إلى فرض شروطها وانتزاع تنازلات عبر الضغط العسكري المباشر، معتبراً أن هذا النهج يعكس حالة من التغول ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض قبل الانتقال إلى طاولة التفاوض.
ويرى العابد أن نجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد يفضي إلى تهدئة نسبية على الجبهة اللبنانية، لكنه لا يضمن وقفاً شاملاً ومستداماً لإطلاق النار، خصوصاً في ظل استمرار إسرائيل في فرض وقائع ميدانية جديدة.
أما في حال فشل تلك المفاوضات أو استبعاد الملف اللبناني من أي تفاهمات إقليمية، فإن العابد يرى أن احتمالات التصعيد العسكري ستبقى قائمة، وقد تمتد إلى توغلات أوسع داخل الأراضي اللبنانية وربما الوصول إلى المدن الرئيسية والعاصمة بيروت بهدف استهداف البنية التحتية لحزب الله وقياداته.
ويعتبر العابد أن فرص نجاح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تبقى محدودة، وأن إسرائيل ستسعى في مختلف السيناريوهات إلى استثمار تفوقها العسكري والدعم الأمريكي لفرض رؤيتها وشروطها السياسية والأمنية، ما يجعل مستقبل المشهد اللبناني مفتوحاً على احتمالات تتراوح بين السيئ والأسوأ.
مشروع استراتيجي مرتبط بالعقيدة الصهيونية
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن ما تتعرض له دولة لبنان من اعتداءات إسرائيلية متواصلة لا يمكن فصله عن مشروع استراتيجي قديم يرتبط بالعقيدة الصهيونية القائمة على البحث عن حدود وحواجز طبيعية توفر الحماية لدولة الاحتلال وتمنحها عمقاً جغرافياً وأمنياً، مؤكداً أن التطورات الجارية في جنوب لبنان تتجاوز إطار الردود العسكرية أو تداعيات السابع من أكتوبر 2023، لتندرج ضمن رؤية تاريخية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة.
ويوضح الصباح أن الفكر الصهيوني نظر منذ بداياته إلى عناصر طبيعية مثل نهر الأردن ونهر الليطاني وجبل الشيخ وهضبة الجولان وصحراء سيناء باعتبارها حواجز استراتيجية يمكن أن تؤمن حدوداً طبيعية لدولة الاحتلال. ويشير الصباح إلى أن مشروع السيطرة على المنطقة الممتدة بين قمة جبل الشيخ ومصبي الليطاني والزهراني ليس مشروعاً مستجداً، بل يعود إلى ما قبل قيام إسرائيل، مشيراً إلى أن الحركة الصهيونية سعت خلال فترة الانتدابين البريطاني والفرنسي إلى ضم هذه المنطقة إلى نطاق النفوذ البريطاني تمهيداً لإلحاقها بالدولة التي كانت تخطط لإقامتها، إلا أن ذلك قوبل بالرفض من الجانب الفرنسي آنذاك.
ويرى الصباح أن الإصرار الإسرائيلي على البقاء في مناطق جنوب لبنان يعكس أهدافاً تتجاوز نهر الليطاني، معتبراً أن التحركات الميدانية تشير إلى محاولة دفع حدود السيطرة والنفوذ باتجاه مناطق أبعد شمالاً.
ووفق الصباح، فإن وجود أي قوى مقاومة على حدود إسرائيل يمثل تهديداً استراتيجياً بالنسبة لها، خاصة بعد تجربة السابع من أكتوبر 2023، التي أظهرت محدودية الوسائل الأمنية التقليدية في منع الهجمات.
إفراغ جنوب الليطاني من السكان
ويعتقد الصباح أن ما يجري جنوب الليطاني يهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها وإلغاء الوجود البشري فيها، بما يؤدي إلى تحويلها إلى منطقة استراتيجية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مع إقامة مناطق عازلة تمتد تدريجياً نحو الشمال.
ويشير الصباح إلى أن الانشغال الدولي بملفات إقليمية، وفي مقدمتها المفاوضات المرتبطة بإيران والملف النووي والتوترات في الخليج، يوفر هامش حركة أوسع لإسرائيل لتكثيف عملياتها في لبنان وقطاع غزة.
ويحذر الصباح من أن استمرار غياب الضغوط الدولية الفاعلة، إلى جانب الانقسامات الداخلية في عدد من دول المنطقة، يمنح الاحتلال فرصة أكبر لتحقيق أهدافه.
ويؤكد الصباح أن التحدي الأبرز الذي تواجهه المنطقة لا يقتصر على الاحتلال الإسرائيلي أو السياسات الأمريكية، بل يتمثل أيضاً في حالة الانقسام السياسي والجغرافي التي تعاني منها عدة ساحات عربية وإقليمية، ما يضعف القدرة على مواجهة تلك المخططات.
إسرائيل لم تتوقف عن العدوان على لبنان
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن قراءة التطورات الجارية على الساحة اللبنانية تستدعي الانطلاق من حقيقة أساسية تتمثل في أن إسرائيل لم توقف عملياتها العسكرية في لبنان رغم الإعلان عن هدنة برعاية أمريكية وفتح مسار تفاوضي مع الدولة اللبنانية، بل واصلت عملياتها الميدانية وعملت على تكريس واقع جديد في الجنوب اللبناني.
ويوضح بشارات أن إسرائيل أبقت على وجودها العسكري وواصلت عمليات التدمير الواسعة للمنازل والبنية الجغرافية في مناطق الجنوب، إلى جانب منع سكان عشرات القرى الحدودية من العودة إلى منازلهم، الأمر الذي أدى إلى استمرار حالة النزوح القسري.
ويوضح بشارات أن حزب الله حرص على الإبقاء على مستوى من المواجهة يمنع ترسيخ صورة الضعف ويحافظ على قدر من معادلة الردع في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.
ويشير بشارات إلى أن إسرائيل حاولت من خلال الجمع بين استمرار العمليات العسكرية والانخراط في المسار التفاوضي تحقيق هدفين رئيسيين؛ الأول فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات والاتصالات الإقليمية المتعلقة بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة، والثاني إضفاء شرعية على وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية وتحويله إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلاً حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية أو أمنية.
إعادة إنتاج نموذج الوجود العسكري
ويوضح بشارات أن التصعيد الأخير يحمل عدة دلالات سياسية واستراتيجية، أبرزها أن إسرائيل باتت تتعامل مع لبنان كملف مستقل تسعى من خلاله إلى إعادة إنتاج نموذج الوجود العسكري الذي كان قائماً في جنوب لبنان قبل انسحابها عام 2000، بما يضمن استمرار حضورها الميداني داخل الأراضي اللبنانية لفترات طويلة.
الملف اللبناني كورقة ضغط
ويشير بشارات إلى أن هناك تنسيقاً أمريكياً إسرائيلياً يهدف إلى استخدام الملف اللبناني كورقة ضغط إضافية في مواجهة إيران وفي سياق المفاوضات الجارية معها، بما يسمح بتوظيف التطورات اللبنانية ضمن معادلات إقليمية أوسع.
ويشير بشارات إلى أن التصعيد يرتبط بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، في ظل الجدل المتصاعد حول الانتخابات المقبلة ومحاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعزيز موقعه السياسي من خلال استمرار خيار الحرب والتصعيد.
ويلفت بشارات إلى وجود توجه إسرائيلي أمريكي لحصر الملف اللبناني في إطار تفاوضي ثنائي بين لبنان وإسرائيل، وإبعاده عن التأثيرات الإقليمية والدولية التي لعبت فيها أطراف عربية وأوروبية أدواراً مهمة خلال السنوات الماضية.
مسار التصعيد المدروس والمتدرج
ويرجح بشارات أن يبقى مسار التصعيد المدروس والمتدرج هو الاحتمال الأقرب، مع سعي إسرائيل لتحقيق أهداف أمنية وسياسية وعسكرية تحت غطاء ودعم أمريكي.
ويشير بشارات إلى أن هذا التصعيد قد يهدف أيضاً إلى استفزاز إيران ودفعها للانخراط بصورة أكبر في المواجهة بما يسمح بتحميلها مسؤولية التوتر المتصاعد.
ويلفت بشارات إلى وجود سيناريو آخر يقوم على احتواء التصعيد وإعادة تفعيل المسار السياسي والتفاوضي بعد تحقيق بعض الأهداف المرحلية، إلا أنه يعتبر هذا الاحتمال أقل ترجيحاً في الوقت الراهن.
ويؤكد بشارات أن الأهداف الإسرائيلية المطروحة تتجاوز مسألة سلاح حزب الله أو إنشاء منطقة عازلة، وتمتد إلى ترتيبات استراتيجية أعمق تتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان.
العجز عن تحويل الإنجازات العسكرية لمكاسب سياسية
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش أن إسرائيل، رغم امتلاكها تفوقاً عسكرياً كبيراً ودعماً أمريكياً مفتوحاً، تواجه مأزقاً حقيقياً يتمثل في عجزها عن تحويل إنجازاتها العسكرية إلى مكاسب سياسية حاسمة على مختلف الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، مشيراً إلى أن مسار التصعيد الحالي في لبنان يرتبط بحسابات إسرائيلية وأمريكية متشابكة تتجاوز حدود الميدان اللبناني.
ويوضح أبو غوش أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان لم تتوقف فعلياً رغم الإعلان عن هدنة برعاية أمريكية وفتح قنوات تفاوض مع الدولة اللبنانية، بل استمرت من خلال عمليات التدمير الواسعة والتهجير القسري في مناطق جنوب الليطاني، مع إبقاء عشرات القرى الجنوبية خارج نطاق العودة لسكانها. ويرى أبو غوش أن إسرائيل سعت من خلال ذلك إلى فرض وقائع ميدانية جديدة وترسيخ وجود طويل الأمد في الجنوب اللبناني، مع استمرار اعتمادها على الضوء الأخضر الأمريكي الذي يحدد سقوف التحرك الإسرائيلي واتجاهاته.
حزب الله يفاجئ إسرائيل
ويشير أبو غوش إلى أن إسرائيل فوجئت بعودة حزب الله إلى المواجهة بعد فترة طويلة من ضبط النفس، وبنجاحه في إعادة تنظيم قدراته واستعادة جزء من جاهزيته العسكرية، إضافة إلى استخدام وسائل قتالية جديدة، أبرزها المسيّرات الصغيرة العاملة بالألياف الضوئية، والتي شكلت تحدياً أمنياً وتقنياً للجيش الإسرائيلي.
ويلفت أبو غوش إلى أن تل أبيب تنظر بقلق إلى قدرة حزب الله على التأثير في المشهد السياسي اللبناني وإعاقة أي ترتيبات أو مفاوضات تسعى الحكومة اللبنانية إلى المضي بها بدعم أمريكي وإقليمي.
ويشير أبو غوش إلى أن العدوان الإسرائيلي يترافق مع محاولات لعزل حزب الله سياسياً وشعبياً عبر استهداف بيئته الحاضنة ومؤسساته الاقتصادية والخدمية والتعليمية، إلا أن هذه السياسة لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، بل أسهمت في بروز مواقف وقوى لبنانية جديدة ترفض الضغوط الإسرائيلية وتدعو إلى التمسك بخيار المقاومة.
انقسام إسرائيلي متزايد
ويوضح أبو غوش أن الساحة الإسرائيلية تشهد انقساماً متزايداً بين أصوات تدعو إلى مواصلة التصعيد والحسم العسكري، وأخرى تحذر من الانزلاق مجدداً إلى "المستنقع اللبناني" وتكرار تجربة الاحتلال السابقة التي استمرت حتى عام 2000، كما تتصاعد الانتقادات الموجهة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يُتهم بتوظيف الحرب لتحقيق مكاسب سياسية داخلية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ويتوقع أبو غوش أن أي توسع إضافي للعدوان على لبنان سيحمل تحديات عسكرية وسياسية كبيرة لإسرائيل، إذ سيؤدي إلى استنزاف أكبر للقوات الإسرائيلية، وزيادة الحاجة إلى التحصينات والموارد العسكرية، فضلاً عن تعزيز موقف حزب الله وإحراج الحكومة اللبنانية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.
التصعيد وارتباطه بالتفاهمات الأمريكية الإيرانية
ويعتقد أبو غوش أن مستقبل التصعيد يبقى مرتبطاً أيضاً بمسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية، مشيراً إلى أن طهران لا تزال تتمسك بربط أي اتفاق تهدئة أو وقف إطلاق نار شامل بالوضع في لبنان، الأمر الذي يجعل الجبهة اللبنانية جزءاً أساسياً من التوازنات الإقليمية الجارية ويصعب فصلها عن المسارات السياسية الأوسع في المنطقة.