قد يكون هذا واحدًا من أكثر الأسئلة إرباكًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي اليوم:
هل يمكن أن تقوم سفارة الدولة الأقوى في العالم، أو مجمعها الدبلوماسي الدائم في القدس، فوق أرض ما زالت أسماء أصحابها الأصليين محفوظة في السجلات التاريخية؟
لا يدور الحديث هنا عن رواية شفوية، أو ذاكرة عائلية، أو ادعاءات غير موثقة، بل عن أسماء وعائلات وحصص إرثية ووثائق تعود إلى زمن كانت فيه القدس مدينة فلسطينية تنبض بالحياة، قبل أن تعصف بها تحولات السياسة والحرب والاحتلال.
في حي البقعة المقدسي، وفي مجمع ألنبي الشهير، تقع قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو ثلاثين دونمًا، كانت مملوكة لعشرات العائلات الفلسطينية المقدسية، قبل أن تستأجرها حكومة الانتداب البريطاني لإقامة ثكنات عسكرية خلال فترة الانتداب.
كانت العلاقة القانونية آنذاك واضحة وبسيطة، هناك مالكون فلسطينيون، وهناك حكومة مستأجرة تستخدم الأرض لفترة زمنية محددة.
لكن عام 1948 لم يغيّر الجغرافيا السياسية للمدينة فحسب، بل غيّر أيضًا مصير آلاف العقارات الفلسطينية التي وجدت نفسها داخل منظومة قانونية وإدارية جديدة فرضتها الحرب ونتائجها، والتحولات التي أعقبتها.
واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، يعود الموقع نفسه إلى الواجهة مجددًا بعد تخصيصه ليكون المقر الدائم لمجمع السفارة الأمريكية في القدس، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدود العقار إلى أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بالسيادة والشرعية والرواية التاريخية.
ومنذ عقود، تقدم الولايات المتحدة نفسها باعتبارها راعيًا لعملية السلام في الشرق الأوسط، لكن الجغرافيا السياسية تحمل أحيانًا رسائل أكثر وضوحًا من البيانات الرسمية. فموقع السفارة ليس مجرد عنوان لبعثة دبلوماسية، بل تعبير سياسي عن فهم السيادة والانتماء الوطني للمكان.
فالسيادة لا تُقاس فقط بمن يرفع العلم فوق المبنى، بل أحيانًا بالمكان الذي يُرفع فوقه ذلك العلم.
وحين يُرفع علم دولة كبرى فوق أرض ما زالت أسماء أصحابها الفلسطينيين محفوظة في السجلات التاريخية، يصبح السؤال السياسي أكبر من حدود الدبلوماسية، وأعمق من حدود العقار، ليطال موقع الولايات المتحدة نفسها في الصراع على القدس، وروايتها، ومستقبلها.
فهل يمكن الحديث عن سيادة دبلوماسية أمريكية فوق أرض ما زال أصحابها الفلسطينيون معروفين بالاسم، والعائلة، والحصة الإرثية؟
وهل تستطيع القرارات السياسية أن تلغي الوقائع التاريخية؟
وهل يمكن للقوة أن تتحول، مع مرور الزمن، إلى مصدر للشرعية؟
ربما تختلف الإجابات السياسية والقانونية، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن السجلات التاريخية ما زالت تحتفظ بأسماء أصحاب هذه الأرض، وأن أحفادهم ما زالوا أحياء، وأن الرواية الفلسطينية لهذه القطعة من القدس لم تختفِ رغم مرور العقود.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من أبناء تلك العائلات لا يعلمون أصلًا أن أسماء آبائهم وأجدادهم ما زالت محفوظة في الوثائق والسجلات القديمة.
وربما يعيش اليوم أحد أحفاد المالكين الأصليين في القدس، أو الخليل، أو رام الله، أو عمّان، أو سانتياغو، أو شيكاغو، أو سيدني، دون أن يعلم أن اسم جده ما زال مدونًا في سجلات أرض أصبحت اليوم محورًا لأحد أكثر القرارات السياسية إثارةً للجدل في العالم.
وربما يحتفظ أحدهم بصورة قديمة، أو عقد إيجار، أو وثيقة ورثها عن والده، دون أن يدرك أن تلك الورقة الصفراء ليست مجرد ذكرى عائلية، بل جزءًا من ذاكرة القدس نفسها.
وما يجعل هذه القضية أكثر أهمية أنها قد لا تكون استثناءً، بل نموذجًا مصغرًا لقصة فلسطين كلها، أرض لها أصحاب معروفون، ووثائق موجودة، ورواية موثقة، لكنها تواجه قوة سياسية وعسكرية تحاول تحويل الأمر الواقع إلى حقيقة تاريخية نهائية.
وهنا تحديدًا تبدأ معركة الفلسطيني المعاصر.
فالمعركة لم تعد على الأرض وحدها، بل على الذاكرة أيضًا.
فالاحتلال لا يراهن فقط على موازين القوة، أو التفوق العسكري، أو الدعم السياسي الدولي، بل يراهن كذلك على عامل الزمن، وعلى رحيل الشهود، وعلى ضياع الوثائق، وعلى انقطاع الصلة بين الأحفاد وأرض الأجداد.
إن أخطر أشكال المصادرة ليست مصادرة الأرض، بل مصادرة الرواية نفسها.
ولهذا، فإن المبادرات التي تهدف إلى جمع الوثائق، وربط الورثة بعضهم ببعض، وإعادة بناء الأرشيف التاريخي للملكية الفلسطينية في القدس، لا تمثل جهدًا عائليًا أو قانونيًا فحسب، بل تشكل فعلًا وطنيًا بامتياز، وجزءًا من معركة حماية الذاكرة الفلسطينية من النسيان.
فالأمم لا تُهزم عندما تخسر السيطرة على الأرض فقط، بل عندما تنسى أنها كانت تملكها أصلًا.
ولعل هذا ما يفسر الخوف الدائم من الوثائق، والأرشيف، والخرائط القديمة، وسجلات الطابو، لأن الوثيقة الصامتة تستطيع أحيانًا أن تطرح أسئلة أكبر من قدرة السياسة على الإجابة عنها.
لقد دافع الفلسطيني طويلًا عن أرضه بالحجر، والصمود، والكلمة، وربما آن الأوان لإضافة جبهة جديدة إلى معركة البقاء الوطني، جبهة الوثيقة، والأرشيف، والذاكرة.
ففي القدس وحدها، وربما في مدن فلسطينية كثيرة، توجد أراضٍ وعقارات ما زالت تحمل أسماء أصحابها الفلسطينيين في السجلات القديمة، بينما يجهل ورثتهم وجودها أصلًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
كم من الحقوق ضاعت لأن أصحابها لم يعلموا بوجودها؟
وكم من الروايات انتصرت لأن أصحاب الرواية الأصلية لم يوثقوها؟
في فلسطين، لا تبدأ معركة الأرض يوم تُصادر، بل يوم ينسى أصحابها أنهم كانوا يملكونها.
لذلك، قد لا تستطيع الوثائق وحدها استعادة الأرض، لكنها تستطيع أن تمنع الهزيمة الأخيرة، هزيمة الذاكرة.
فالاحتلال يستطيع أن يغيّر الخرائط، وأن يبدّل الأسماء، وأن يفرض وقائع جديدة على الأرض، وأن يبني السفارات فوق الحجارة، لكنه يعجز عن محو الحقيقة البسيطة التي ما زالت السجلات القديمة تكتبها بصمت منذ عقود:
هنا كانت أرض فلسطينية.
وهنا كان أصحابها.
وهنا ما زالت أسماؤهم محفوظة، تنتظر من يقرأها من جديد.





شارك برأيك
السفارة الأمريكية في القدس... هل تقوم على أرض فلسطينية ما زالت أسماؤها في السجلات؟