أقلام وأراء

الجمعة 17 يوليو 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

ما الذي يخشاه الاقتصاد أكثر من الأزمات؟

قبل أيام، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026 إلى 3.0%، بعد أن كانت 3.1% في توقعاته السابقة، مبررًا ذلك باستمرار التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتصاعد حالة عدم اليقين التي ما تزال تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي.

قد تبدو هذه مجرد مراجعة دورية لتوقعات النمو، لكنها في الحقيقة تطرح سؤالًا اقتصاديًا أكثر أهمية من الأرقام نفسها.

إذا كانت المخاطر العالمية تتزايد، فلماذا لم تتوقف القرارات الاقتصادية؟ ولماذا ما زالت الشركات تستثمر وتعيد توزيع مصانعها، وتضخ مليارات الدولارات في مشاريع جديدة؟

الإجابة لا تبدأ من معدلات النمو، بل من قراءة التقرير نفسه.

فعلى الرغم من خفض توقعات النمو، لم يتحدث صندوق النقد الدولي عن توقف النشاط الاقتصادي، بل أكد أن الأولوية أمام صناع السياسات تتمثل في:

"Restoring confidence, predictability, and sustainability remains a key policy priority"‫.

أي أن استعادة الثقة، وتعزيز قابلية التنبؤ، وبناء سياسات أكثر استدامة، أصبحت من أهم أولويات المرحلة المقبلة.

قد تبدو هذه العبارة عادية، لكنها في رأيي تحمل مفتاح فهم الطريقة التي يتحرك بها الاقتصاد.

فالاقتصاد لا ينتظر اختفاء الأزمات، لأن التاريخ الاقتصادي لم يعرف يومًا مرحلة خالية من الأزمات. لكنه يحتاج إلى أن تصبح البيئة المحيطة أكثر قابلية للفهم، بحيث تستطيع الشركات والمستثمرون والحكومات بناء قراراتهم على توقعات معقولة، لا على حالة من الغموض الكامل.

وهنا يبرز الفرق بين مفهومين كثيرًا ما يُستخدمان بالتبادل المخاطرة (Risk) وعدم اليقين (Uncertainty). رغم أن الفارق بينهما يغير طريقة اتخاذ القرار الاقتصادي بالكامل.

المخاطرة تعني أن التحديات معروفة، حتى وإن كانت مرتفعة الكلفة. فقد ترتفع أسعار الطاقة، أو تُفرض رسوم جمركية جديدة، أو ترتفع أسعار الفائدة، لكن يمكن تقدير آثار هذه المتغيرات، وبناء سيناريوهات للتعامل معها.

أما عدم اليقين، فهو الحالة التي تصبح فيها قواعد اللعبة نفسها غير واضحة. لا تعرف الشركة كيف ستتغير السياسات التجارية، أو إلى أين ستتجه أسعار الطاقة، أو ما إذا كانت سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها اليوم ستظل قادرة على تلبية احتياجاتها بعد أشهر. وفي هذه الحالة، لا تكمن المشكلة في حجم الخسارة المحتملة، بل في استحالة تقديرها.

ولهذا، فإن الشركات الكبرى لم تقف مكتوفة الأيدي بانتظار انتهاء الأزمات، بل أعادت صياغة استراتيجياتها.

فعلى سبيل المثال، واصلت Apple تنويع مواقع إنتاجها خارج الصين، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على مركز إنتاج واحد. كما استمرت TSMC في تنفيذ استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، رغم أن تكلفة الإنتاج في هذه المواقع أعلى من تكلفة الإنتاج في تايوان.

اقتصاديًا، لا تبدو هذه القرارات منطقية إذا كان معيار النجاح هو خفض التكلفة فقط.

لكنها تصبح أكثر منطقية إذا كان الهدف هو بناء قدرة أكبر على الاستمرار في بيئة تتغير بسرعة، حتى وإن تطلب ذلك تحمل تكاليف أعلى.

وهذا ما يفسر، في جانب منه، ما ورد في تقرير صندوق النقد الدولي.

فالنمو الاقتصادي لا يرتبط فقط بانخفاض المخاطر، بل بقدرة الاقتصاد على فهمها والتكيف معها.

ولهذا، فإن الاقتصادات لا تنتظر نهاية الأزمات حتى تتحرك، وإنما تبدأ بالحركة عندما تتحول حالة الغموض إلى مخاطر يمكن تقديرها وإدارتها.

ولهذا السبب، لا يكون السؤال الأكثر أهمية في كل أزمة:

متى تنتهي؟

بل: متى تصبح حدودها أكثر وضوحًا، بحيث يمكن للأفراد والشركات والحكومات اتخاذ قراراتهم بثقة أكبر؟

إن القيمة الحقيقية لتقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية لا تكمن في أرقام النمو التي تعلنها، بل في الرسائل التي تحملها حول طبيعة المرحلة المقبلة. وتقرير صندوق النقد الأخير لا يقول إن العالم أصبح أكثر استقرارًا كما لا يقول إن المخاطر قد اختفت، وإنما يوجه الانتباه إلى حقيقة أكثر أهمية: أن استعادة الثقة، وتعزيز قابلية التنبؤ، أصبحتا شرطين أساسيين لاستمرار النمو.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام صناع السياسات لا يتمثل في بناء اقتصاد خالٍ من الأزمات، فهذا هدف لم يتحقق في أي مرحلة من التاريخ الاقتصادي، وإنما في بناء اقتصاد يستطيع اتخاذ القرار حتى في ظل الأزمات، لأن الأسواق تستطيع التعايش مع المخاطر، لكنها نادرًا ما تستطيع التعايش مع مستقبل لا يمكن توقعه.

فالاقتصاد، لا يخشى الأزمات بقدر ما يخشى غياب القدرة على توقعها.


دلالات

شارك برأيك

ما الذي يخشاه الاقتصاد أكثر من الأزمات؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.