كشفت تقارير إعلامية عبرية عن أرقام صادمة تعكس عمق الأزمة الداخلية في المجتمع الإسرائيلي، حيث غادر نحو 104 آلاف شخص البلاد بشكل نهائي بين عامي 2022 و2024. وأفادت مصادر صحفية بأن هذه الموجة المتصاعدة تأتي مدفوعة بتضافر عوامل أمنية وسياسية واقتصادية جعلت من البقاء خياراً صعباً لقطاعات واسعة من المستوطنين.
وتشير البيانات الإحصائية إلى أن عام 2022 سجل مغادرة 37 ألفاً و800 شخص، في حين عاد نحو 22 ألفاً و300 آخرين، مما ترك فجوة في صافي الهجرة بلغت 15 ألفاً و500 شخص. ومع بداية عام 2023، بدأت الأرقام في القفز بشكل ملحوظ، حيث ارتفع عدد المغادرين ليصل إلى 59 ألفاً و400 شخص مقابل عودة أقل من 30 ألفاً.
ووصلت ذروة النزوح في عام 2024، الذي شهد أكبر موجة خروج في تاريخ إسرائيل الحديث، إذ غادر 82 ألفاً و800 شخص، بينما لم تتجاوز أعداد العائدين 24 ألفاً و200 شخص. وبحسب المصادر، فإن إجمالي من حزموا أمتعتهم للرحيل خلال السنوات الثلاث الماضية بلغ 180 ألف شخص، استقر منهم ما يزيد عن 103 آلاف في الخارج بصفة دائمة.
وتتصدر الأزمات الاقتصادية قائمة الدوافع وراء هذا الرحيل الجماعي، لا سيما مع الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات وصعوبة امتلاك مسكن وتكوين أسر جديدة. وأوضحت التقارير أن الالتزامات المالية طويلة الأمد وعبء الضرائب المتزايد باتا يشكلان ضغطاً لا يحتمل على الطبقات الوسطى والشباب، مما دفعهم للبحث عن بدائل في دول أخرى.
ولم تكن السياسة بمعزل عن هذا المشهد، إذ لعب الانقسام الحاد في الشارع الإسرائيلي دوراً محورياً في اتخاذ قرار الهجرة. فقد أدى الاستقطاب الشديد حول شخصية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وسياسات حكومته إلى شعور بانعدام الاستقرار الاجتماعي، وتفاقم الفجوة بين التيارات العلمانية والدينية المتطرفة.
حالة الاستقطاب المرتبطة بدعم نتنياهو أو معارضته أصبحت حاضرة في الحياة اليومية، ما دفع إسرائيليين للبحث عن الاستقرار في الخارج.
كما برز الجدل حول توزيع الأعباء داخل المجتمع كعامل طرد إضافي، خاصة فيما يتعلق بإعفاء الفئات الدينية من الخدمة العسكرية في وقت تتصاعد فيه التحديات الأمنية. ويرى مراقبون أن شعور الفئات الخدمية والاحتياطية بعدم العدالة في تحمل المخاطر والضرائب سرّع من وتيرة التفكير في مغادرة البلاد بشكل نهائي.
وعلى الصعيد الأمني، ساهمت التوترات العسكرية والحروب المتلاحقة في زعزعة ثقة المستوطنين في إمكانية العيش بأمان على المدى الطويل. وأكدت المصادر أن التصعيد الميداني الأخير كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير لكثير من العائلات التي كانت تتردد في اتخاذ خطوة الرحيل، خاصة في المدن الكبرى مثل تل أبيب وحيفا والقدس.
ومن المثير للاهتمام أن هذه الموجة تأتي رغم محاولات المؤسسات الإسرائيلية الترويج لتحسن في قطاعات خدمية مثل الصحة والتعليم والمواصلات. إلا أن هذه التحسينات الهيكلية، وفقاً للمحللين، لم تكن كافية لمواجهة المخاوف الوجودية والضغوط المعيشية التي تلاحق الفرد الإسرائيلي في ظل بيئة إقليمية ومحلية متفجرة.
وفي الختام، تعكس هذه الأرقام تحولاً ديموغرافياً واجتماعياً قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على بنية الدولة العبرية وقدرتها على جذب المهاجرين الجدد. فبينما كانت إسرائيل تسعى لتكون وجهة لليهود حول العالم، تحولت في السنوات الأخيرة إلى مصدر للهجرة العكسية نتيجة تراكم الأزمات البنيوية وفشل الحلول السياسية.





شارك برأيك
نزيف بشري في إسرائيل: مغادرة 104 آلاف مستوطن خلال ثلاث سنوات