بقلم: آفي شلايم
آفي شلايم (مواليد 31 أكتوبر 1945) هو مؤرخ وأكاديمي بريطاني إسرائيلي وُلد في بغداد لعائلة يهودية عراقية، ويعمل أستاذًا فخريًا للعلاقات الدولية في جامعة أكسفورد، ومستشارا لحملة "Britain Owes Palestine". ويُعد من أبرز المؤرخين الجدد الذين أعادوا قراءة تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، واشتهر بمواقفه الناقدة للرواية الصهيونية التقليدية، متبنّيًا خطابًا داعمًا للحقوق الفلسطينية وناقدًا للسياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني.
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن الهدف النهائي لحكومته يتمثل في دفع أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى مغادرة غزة عبر ما وصفه بـ”الهجرة الطوعية”، على أن تتم “في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة”. لكن ما يجري الحديث عنه فعليًا هو خطة طويلة الأمد للتطهير العرقي، تقوم على جعل ظروف العيش في غزة لا تُحتمل. وبالنسبة لأي شخص درس تاريخ فلسطين، فإن هذا الخطاب يحمل صدى واضحًا لكارثة وقعت من قبل.
لقد أمضيت معظم مسيرتي الأكاديمية في دراسة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو صراع صُنِع في بريطانيا. ففي عام 1917، وبضربة قلم إمبراطورية، أصبحت الأرض الموعودة موضع وعدَين، وُعد بها العرب أولًا، ثم الحركة الصهيونية لاحقًا. فقد تعهّد “وعد بلفور” بدعم إقامة وطن قومي لليهود في أرض كانت الغالبية الساحقة من سكانها من الفلسطينيين العرب، من دون علمهم أو موافقتهم.
ثم حكمت بريطانيا فلسطين طوال ثلاثة عقود، وأقامت بنية قانونية وإدارية منحت الامتيازات لمجتمع على حساب آخر، بينما قيّدت بصورة منهجية حقوق الفلسطينيين. وكان أول مندوب سامٍ بريطاني إلى فلسطين، هربرت صموئيل، يهوديًا وصهيونيًا متبنّيًا بحماسة للمشروع الصهيوني. وقد دشّن سياسة الهجرة اليهودية غير المقيّدة وشراء الأراضي، وهي السياسة التي فجّرت لاحقًا الثورة العربية الكبرى بين عامي 1936 و1939.
في عام 1948، انسحبت بريطانيا من صراع كانت سياساتها قد ساهمت في تشكيله، تاركة السكان الأصليين من دون حماية. وخلال الحرب التي أعقبت ذلك، تحوّل نحو 750 ألف فلسطيني إلى لاجئين، ومُحي اسم فلسطين من الخريطة، وهو ما يُعرف عربيًا بـ“النكبة”.
وفي العام ذاته، نفذت إسرائيل عملية تطهير عرقي في فلسطين. واليوم، يغلّف المسؤولون الإسرائيليون التطهير العرقي بمصطلحات من قبيل “الهجرة الطوعية”. لكن حين يتعرض شعب ما لقصف متواصل، وحصار خانق، وتدمير ممنهج للمنازل والمستشفيات ومصادر الغذاء، لا يمكن وصف أي مغادرة بأنها “طوعية”، بل إن ما يحدث هو تهجير قسري للمدنيين. وفي القاموس الصهيوني يُطلق عليه اسم “الترانسفير”، أما في القانون الدولي فهو جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.
إن أوجه التشابه بين الحرب الجارية على غزة وحرب عام 1948 واضحة تمامًا. فحينها، كما اليوم، جرى تصوير اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم باعتباره نتيجة مؤسفة للحرب، لا هدفًا من أهدافها، فيما حُرم الفلسطينيون من أي دور حقيقي في تقرير مستقبلهم.
وفي هذا السياق، قدّمت حملة “Britain Owes Palestine” عريضة قانونية مكونة من 400 صفحة إلى الحكومة البريطانية، توثق الأفعال غير القانونية لبريطانيا خلال فترة الانتداب. وتسرد العريضة، بتفاصيل مروّعة، ما مارسه الجيش البريطاني من عنف ووحشية وعقوبات جماعية واعتقالات تعسفية وإعدامات ميدانية لقمع الثورة العربية. كما يوثّق سياسات الحكومة البريطانية التي جعلت خسارة الفلسطينيين لفلسطين أمرًا ليس ممكنًا فحسب، بل مرجّحًا.
وقد دعا ائتلاف عابر للأحزاب يضم 45 نائبًا وعضوًا في مجلس اللوردات رئيس الوزراء البريطاني إلى الرد على هذه العريضة. لكن بعد مرور ثمانية أشهر، لم تصدر الحكومة أي رد. وهذا الصمت بحد ذاته يشكّل شكلًا من أشكال التواطؤ مع الجرائم البريطانية بحق الشعب الفلسطيني منذ عام 1917 وحتى اليوم.
كان رئيس الوزراء السابق كير ستارمر قد أكد إيمانه بضرورة تطبيق القانون الدولي. غير أن امتلاك سلطة أخلاقية على الساحة الدولية يتطلب اتساقًا أخلاقيًا داخل البلاد أيضًا. فلا يمكن لبريطانيا أن تدين بصورة ذات مصداقية التهجير القسري الذي تمارسه إسرائيل في غزة والضفة الغربية عام 2026، بينما ترفض الاعتراف بدورها المركزي في تهجير الفلسطينيين عام 1948.
كما أن أدوات السيطرة التي طُوّرت خلال فترة الانتداب، بما فيها التعذيب والعقوبات الجماعية والترحيل وتعليق الرقابة القضائية، لم تختفِ مع النهاية المخزية للانتداب البريطاني، بل ورثتها دولة إسرائيل ووسّعتها ورسّختها ضمن مؤسساتها.
إن التاريخ لا يعيد نفسه بشكل تلقائي، بل يعيد إنتاج نفسه لأن من يملكون القدرة على كسر هذه الحلقة يختارون عدم استخدامها. وقد انتهى منذ زمن طويل مبرر الصمت البريطاني تجاه الجرائم الإسرائيلية في غزة، وحان الوقت لأن تحترم بريطانيا القانون الدولي، وأن تحاسب إسرائيل، وأن تنهي تواطؤها في تدمير غزة.





شارك برأيك
التهجير القسري في غزة يعيد صدى نكبة 1948… وعلى بريطانيا أن تواجه إرثهما معًا