في خبر خطير ولكنه كان عابرا، لم يكترث له سوى قلة من المراقبين والمحللين، بل لم يأخذ مساحة في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والتواصل الإجتماعي، ولم يعلق عليه أو ينتقده سوى القليل، يقول الخبر أن بريطانيا وقعت مع إسرائيل من خلال وزيري خارجية البلدين قبل أيام معدودة وبدون ضجيج خارطة طريق لشراكتهما الإستراتيجية المنظورة والمتطورة، لتعزيز العلاقات الثنائية بينهما خلال السنوات العشر القادمة لعام 2030. وهو تعزيز لاتفاق وتحالف مستمر عبر قرن من الزمان ولم يتوقف ليومنا هذا.
بريطانيا الدولة الإستعمارية صاحبة وعد بلفور والمشجعة لهجرة اليهود لفلسطين، وصاحبة اقتراح تقسيم فلسطين التي لم تكفر عن خطاياها بحق الشعب الفلسطيني وغير المعترفة بالدولة الفلسطينية العتيدة، ماضية في غيها، وتعقد الإتفاقيات مع الكيان الإسرائيلي التي تضر ضررا بالغا بمصالح هذا الشعب، بل تغدق على الكيان الهبات والوصايا وتقنن وتبخل على الشعب الفلسطيني حتى في قضايا البعثات الدراسية . ولم تكتف بذلك بل قلصت قنصليتها القابعة في القدس الشرقية وأنشطتها من فيز وغيره إلى حد كبير.
فبدلا من أن تقوم هذه الدولة ذات الأيادي السوداء الملطخة بدماء الفلسطينيين في ثورتي 1936 والبراق 1929، بإدانة الإستيطان والغزو والإحتلال العسكري كجرائم حرب، وبدلا من أن تطالب بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية التي هي عضو فيها، وبدلا من أن تحظر الإستيراد من إنتاج المستوطنات الإسرائيلية، وتقنين علاقاتها مع العدوان الإسرائيلي بكل صوره، وبدلا من ان تطالب بحق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم وحقهم في السيادة على ثرواتهم وإدانة سرقة مياههم وأراضيهم، ووقف انتهاكات اليمين الإسرائيلي وقوات اللأمن الإسرائيلية للحرم القدسي الشريف، تقوم هذه الدولة الشريرة المخادعة بتبني التفسير الإسرائيلي لمعاداة السامية، وترى التصدي لعمل محكمة العدل الدولية في موضوع فتواها حول اثر الإحتلال الإسرائيلي، والمحكمة الجنائية الدولية في عملها في إطار الشكوى الجنائية الفلسطينية، والأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان ولجانهما في قضايا حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتنازل والسقوط ووحقوقه الأساسية وحرياته المدنيه ولأسراه، ولمنظمات المجتمع المدني مثل بي دي إس من العمل ضد السياسة الإسرائيلية ومقاطعة الدوائر الإسرائيلية التي تمارس سياسة التمييز العنصري.وهي دولة تشد عضد الكيان في مواجهة كل ذلك وتلتزم بذلك في وثيقتها الموقعة بين الجانبين، وكأنها الكيان بحد ذاته بحيث اعتبر الكيان شريكا استراتيجيا لبريطانيا وحليفا بالفطرة .
للأسف الشديد ما زال نفر من الفلسطينيين والعرب والمسلمين لأسباب مختلفة ومتعددة يحجون إلى الدوائر البريطانية السياسية من قناصل وسفارات وعاملين فيها، وينقلون الأخبار إليها ويحللون الوضع للقائمين عليها، ويشاركون في حفلات استقبال ومراسم تقيمها تلك الهيئات. للاسف ما زال البريطانيون يسمعوننا ويسمعونهم حلو الكلام ومعسوله ولا يتخذون خطوة عملية واحدة لمصلحة الشعب الفلسطيني. للأسف ما زالت حتى الأسرة الحاكمة في بريطانيا تمارس العمى والتضليل السياسي لحقوق الشعب الفلسطيني. فيقوم أمير أو ولي عهد بزيارة مخيم لاجئين أو مقابلة طفل فلسطيني أو لا يزور الكيان صدفة أو تضليلا. وما ظنوا أنهم بتلك الخطوات يشجعون السياسة البريطانية الشريرة على الإستمرار في نهجها الذي لم يتغير منذ أكثر من قرن من الزمان، والدليل القاطع على ذلك تل الوثيقة الموقعة بين الكيان وبريطانيا يوم21/ 3/2023. فالأفعال دائما أقوى من الأقوال. وحتى نكون واقعيين ولسنا ديماغوجيين، دعونا نسأل عن حجم التجارة بين البلدين التي بلغت ستة مليارات من الدولارات، وكيف بلغت هذه القيمة، والعلاقات في جميع القطاعات من أمنية وثقافية وسياسية واقتصادية واستثمارية وتكنولوجية. بل قامت هذه الدولة الشريرة بتعديل تشريعها الذي كان يطبق قاعدة الإختصاص العالمي في موضوع الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بحيث يمنع ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين وهذا ما كاد أن يحصل مع وزيرة خارجية الإسرائيلية السابقة تسيبا لفني ومع قائد المنطقة الجنوبية وقتها في مطار هيثرو البريطاني.
هذه الدولة الشريرة المداهنة المخادعة وهذه أوصافها الحقيقية بدون تزويق أو خداع وليس تحاملا، هي التي أطلقت وعد بلفور المشئوم، وهي التي قدمت اقتراح تقسيم فلسطين للأمم المتحدة، وهي التي أرادت العبث بحائط البراق الإسلامي، وهي التي أعدمت الفلسطينيين أثناء انتدابها على فلسطين، وهي التي شاركت في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بل هي من بادرت إليه. وجنرالها " اللنبي " هو القائل بعد ركله قبر القائد صلاح الدين الأيوبي " ها قد عدنا يا صلاح الدين ". وهي التي تقف بحزم وتفرض العقوبات ضد الدولة الإسلامية في إيران. أليست هي الدولة المتعهدة لإقامة نصب جديد للمحرقة على الأرض البريطانية ومكافحة الإرهاب، وتعهدت بأن تساهم في تعزيز ملاحقة معادي السامية ومروجيها عبر إنشاء حلف دولي يدعم ذلك .
تخيلوا معي أن هذا التعاون البريطاني إلإسرائيلي المنصوص عليه في الوثيقة الموقعة بين حليفين قد تناول شتى المجالات الأمنية من دفاع وأمن وإرهاب وأسلحة نووية ودبلوماسية وحوار استراتيجي وشراكة والديموقراطية المزعومة وتكنولوجية وسايبرانية وبرلمانية وأكاديمية وتعاون إقليمي وبيئة وأمن غذائي ومعاداة السامية وبناء القوة ومواجهة التهديد الإيراني والإستثمار واتفاقية تجارة حرة وإنشاء الشركات السيبرانية وتبادل العلم والإبتكار والتكنولوجيا وشراكة علمية وتطوير صناعي وإنمائي وتنقل الباحثين والمناخ والصحة وعلومها وقطاعات الحياة والتخطيط والثقافة والتعليم والتنمية والجندر والبرامج المشتركة. فهل بقي شيء يمكن أن يتفق عليه الحليفان ولم يذكر في صلب هذه الإتفاقية. وهل هناك دولة عربية أو إسلامية وقعت مثل هذا إتفاق مع بريطانيا؟!
السؤال الذي يطرح نفسه بعد هذه الإتفاقية بين حليفين شريرين عدوانيين في كل هذه المجالات، ماذا كان الموقف الفلسطيني والعربي والإسلامي إزاءها، أم هم بالكاد سمعوا بهذا الإتفاق، أو تجاهلوه أو سينافقوه، فلندن ما زالت مربط خيولنا!!!
أقلام وأراء
الخميس 30 مارس 2023 1:08 مساءً - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الإستعمار البريطاني لفلسطين ما زال مستمرا