السّبت 25 يوليو 2026 5:46 مساءً - بتوقيت القدس

تونس في ذكرى 25 يوليو: كيف استقر 'الاستثناء' نظاماً دائماً للحكم؟

تمر اليوم خمس سنوات على الإجراءات الدراماتيكية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد في الخامس والعشرين من يوليو 2021، وهي الفترة التي شهدت تحولاً جذرياً في بنية الدولة التونسية. لم تعد البلاد تعيش تحت وطأة 'المرحلة الاستثنائية' بمفهومها المؤقت، بل استقرت ضمن نظام سياسي ودستوري جديد أطاح بموازين القوى التي أفرزتها ثورة 2011.

انطلقت شرارة هذا المسار في ليلة اتسمت بأزمات سياسية وصحية واقتصادية خانقة، حيث استند سعيّد إلى الفصل 80 من دستور 2014 ليعلن تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه. جاءت هذه الخطوة في وقت كانت فيه المؤسسات التونسية تعاني من شلل تام وصراعات محتدمة بين رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان، تزامناً مع غضب شعبي واسع.

توسعت الصلاحيات الرئاسية تدريجياً عبر سلسلة من الأوامر، أبرزها الأمر رقم 117 الذي منح الرئيس سلطة التشريع المطلقة عبر المراسيم. هذا المسار أدى في نهاية المطاف إلى حل البرلمان رسمياً في مارس 2022، بعد محاولة فاشلة من النواب لعقد جلسة افتراضية تحدت قرارات الرئاسة، مما عمق الفجوة بين السلطة والمعارضة.

شكل دستور 2022 المحطة الأبرز في هذا التحول، حيث نقل تونس من النظام شبه البرلماني إلى نظام رئاسي معزز يمنح الرئيس سلطة تعيين الحكومة وإدارتها بشكل مباشر. وبموجب هذا الدستور، تراجعت قدرة البرلمان على الرقابة أو سحب الثقة، مما جعل السلطة التنفيذية هي المركز المحرك والوحيد للقرار السياسي في البلاد.

لم يكتفِ النظام الجديد بتغيير الدستور، بل أعاد صياغة المشهد التشريعي عبر قانون انتخابي يعتمد الاقتراع على الأفراد بدلاً من القوائم الحزبية. هذا التوجه أضعف دور الأحزاب السياسية التقليدية، ومهد الطريق لإنشاء 'المجلس الوطني للجهات والأقاليم' كغرفة ثانية تهدف لتطبيق رؤية الرئيس فيما يعرف بـ 'البناء القاعدي'.

أكدت الانتخابات الرئاسية التي جرت في أكتوبر 2024 استمرارية هذا النهج، حيث فاز قيس سعيّد بولاية ثانية في ظل مقاطعة واسعة من أطياف المعارضة. ورغم تأكيد السلطات على نزاهة العملية الانتخابية، إلا أن الجدل ظل قائماً حول شروط الترشح واستبعاد عدد من المنافسين البارزين من السباق الانتخابي.

على صعيد القضاء، شهدت السنوات الخمس الماضية تحولات هيكلية بدأت بحل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب واستبداله بهيئة مؤقتة يعين الرئيس أعضاءها. كما تم إعفاء عشرات القضاة بقرارات مباشرة، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية دولية ومحلية ضربة قاصمة لاستقلال السلطة القضائية في تونس وتكريساً لتبعية القضاء للسلطة التنفيذية.

توسعت دائرة الملاحقات القضائية لتشمل طيفاً واسعاً من المعارضين السياسيين والمحامين والصحفيين تحت مسمى 'قضية التآمر على أمن الدولة'. ويقبع حالياً قادة بارزون في السجون، على رأسهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي والأمين العام للحزب العجمي الوريمي، وسط اتهامات من المعارضة بأن هذه المحاكمات ذات دوافع سياسية بحتة.

تدافع السلطات التونسية عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورة لمكافحة الفساد وحماية كيان الدولة من الانهيار، مؤكدة أن جميع الموقوفين يخضعون لإجراءات قانونية جنائية. وفي المقابل، ترى القوى المعارضة أن الهدف الحقيقي هو تفكيك الأجسام الوسيطة وإضعاف الأحزاب لمنع أي حراك سياسي منظم قد يعارض توجهات الرئيس.

تعاني المعارضة التونسية من أزمة وجودية لا تقتصر فقط على الضغوط الأمنية والقانونية، بل تمتد إلى إخفاقاتها الذاتية وخلافاتها الأيديولوجية العميقة. هذه الانقسامات التي تراكمت خلال سنوات الحكم بعد الثورة حالت دون تشكيل جبهة موحدة قادرة على تقديم بديل سياسي يقنع الشارع التونسي الذي فقد ثقته في الطبقة السياسية القديمة.

اقتصادياً، لم تنجح التغييرات السياسية الكبرى في لجم الأزمة المعيشية التي كانت أحد دوافع التحرك في 25 يوليو، حيث لا تزال معدلات البطالة والمديونية في مستويات مقلقة. وتواجه المالية العامة ضغوطاً شديدة أدت إلى نقص في بعض المواد الأساسية وتكرار انقطاعات الخدمات الحيوية مثل الماء والكهرباء خلال فترات الذروة.

يرى أنصار الرئيس أن إصلاح تركة عقود من الفساد وسوء الإدارة يتطلب وقتاً طويلاً وصبرًا من المواطنين، خاصة في ظل الظروف الدولية الصعبة. لكن الخصوم يشيرون إلى أن التركيز على تغيير النظام السياسي والدستوري استنزف جهود الدولة على حساب الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الملحة التي ينتظرها التونسيون.

برزت في الأشهر الأخيرة دعوات خجولة من داخل السجون ومن شخصيات معارضة في الخارج لضرورة تجاوز الخلافات التاريخية وبناء موقف مشترك لمواجهة ما يصفونه بـ 'الحكم الفردي'. ومع ذلك، لا تزال هذه المبادرات تصطدم بواقع سياسي تهيمن عليه السلطة التنفيذية بشكل كامل، مع تراجع كبير في دور المجتمع المدني.

في المحصلة، تبدو تونس اليوم في مشهد سياسي مختلف تماماً عما كانت عليه قبل خمس سنوات، حيث استكمل سعيّد بناء مؤسسات نظامه الجديد. ويبقى المجتمع التونسي منقسماً بين روايتين؛ واحدة تراه مساراً تصحيحياً ضرورياً، وأخرى تراه تراجعاً عن المكتسبات الديمقراطية، بينما يظل المواطن يبحث عن مخرج من أزماته المعيشية.

دلالات

شارك برأيك

تونس في ذكرى 25 يوليو: كيف استقر 'الاستثناء' نظاماً دائماً للحكم؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.