أقلام وأراء

الإثنين 20 يوليو 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس

الأردن ليس ساحةً لتصفية حسابات طهران

لم تعد الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت الأردن خلال الأيام الماضية مجرد "رسائل عسكرية" موجهة إلى الولايات المتحدة، كما تحاول طهران الادعاء، بل تحولت إلى اعتداء عسكري مباشر على سيادة دولة عربية، وتهديد متعمد لأمن شعبها واستقرارها ومنشآتها الحيوية.
فقد أدى الهجوم الإيراني على القوات الأميركية الموجودة في الأردن إلى مقتل عسكريين أميركيين وفقدان آخر وإصابة آخرين، فيما اضطرت القوات المسلحة الأردنية إلى اعتراض صواريخ ومسيّرات دخلت أجواء المملكة وهددت أراضيها. وبذلك سقطت الحجة الإيرانية القائلة إن المواجهة محصورة بين طهران وواشنطن، لأن الصاروخ الذي يعبر الحدود الأردنية ويستهدف موقعاً داخل المملكة هو، قانونياً وسياسياً وعسكرياً، اعتداء على الأردن، بصرف النظر عن جنسية الموجودين داخل الموقع المستهدف.
لا تستطيع إيران أن تطلق صواريخ باليستية ومسيّرات مفخخة نحو الأراضي الأردنية، ثم تطلب من الأردنيين التعامل مع ذلك باعتباره شأنًا إيرانيًا-أميركيًا لا يعنيهم؛ فالأردن دولة مستقلة ذات سيادة، ومن حقه، مثل أي دولة أخرى، أن يحدد علاقاته وتحالفاته وترتيباته الدفاعية، وأن يستضيف قوات أجنبية بموجب اتفاقات رسمية تعقدها حكومته.
قد يختلف البعض سياسيًا مع الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وقد يعارضون سياسات واشنطن أو حروبها، لكن ذلك لا يمنح إيران حق قصف الأراضي الأردنية. وإذا سمحت طهران لنفسها بمعاقبة كل دولة تستضيف قوات أميركية، فهي لا تخوض حربًا دفاعية ضد الولايات المتحدة، بل تعلن عمليًا حربًا مفتوحة على معظم دول المنطقة.
وتكشف خريطة الانتشار العسكري الأميركي في الشرق الأوسط مقدار الانتقائية في الرد الإيراني؛ فالقواعد والمنشآت العسكرية الأميركية منتشرة في الخليج، وعلى مسافات أقرب بكثير إلى الأراضي الإيرانية من الأردن، كما تتحرك حاملات الطائرات والمدمرات الأميركية في مياه الخليج وبحر العرب، غير بعيد عن السواحل الإيرانية ومضيق هرمز، ومع ذلك، تختار طهران تحويل أراضي الدول العربية إلى ساحات للانتقام وإرسال الرسائل، لأنها تفترض أن مهاجمة الأردن أو دول الخليج أقل كلفة من الاشتباك المباشر مع البوارج والقوات الأميركية القادرة على الرد بقوة.
هذه ليست شجاعة عسكرية، بل توزيع متعمد لأثمان الحرب على دول وشعوب لم تبدأها ولم تشارك في اتخاذ قرارها، لذلك فالمطلوب من الأردن، وفق المنطق الإيراني، أن يتحمل الصواريخ والمسيّرات وإغلاق الأجواء وتعطيل حركة الطيران، وتعريض السكان والمنشآت الحيوية للخطر، بينما تحتفظ طهران لنفسها بحق تحديد زمان المواجهة ومكانها وحجمها.
والأخطر من ذلك أن الصواريخ الباليستية والمسيّرات لا تعترف بالروايات السياسية؛ فقد ينحرف صاروخ عن مساره، أو تفشل عملية اعتراضه، أو تسقط شظاياه فوق حي سكني أو مدرسة أو مستشفى، وعندها تتحول "الرسالة المحسوبة" إلى مذبحة، ولن تعيد بيانات الأسف الإيرانية الضحايا إلى عائلاتهم، كما لن يكون الادعاء باستهداف قاعدة أميركية مبرراً مقبولاً أمام الأردنيين.
وتحاول طهران تصوير نفسها وكأنها كانت دائماً خارج النظام الإقليمي الذي أُنشئ بالتدخل الأميركي، لكن التاريخ أكثر تعقيداً من الخطاب الإيراني الراهن؛ فصحيح أن إيران لم تكن عضواً رسمياً في التحالف الذي غزا العراق عام 2003، ولم تستضف قواعد أميركية لذلك الغزو، لكنها كانت المستفيد الاستراتيجي الأكبر من إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، العدو الإقليمي الأخطر لطهران آنذاك. كما دخلت أحزاب وقوى عراقية وثيقة الصلة بإيران إلى النظام السياسي الجديد الذي أُقيم بعد الاحتلال الأميركي، ثم توسع النفوذ الإيراني في العراق بصورة غير مسبوقة.
وقبل ذلك، تعاونت إيران بصورة عملية مع الولايات المتحدة في أفغانستان عقب هجمات 11 أيلول عام 2001، وأسهمت في دعم خصوم حركة طالبان وفي الترتيبات السياسية التي أعقبت سقوط نظامها؛ أي إن طهران تعاملت ببراغماتية مع القوة الأميركية عندما أزالت خصمين لها في كابول وبغداد وفتحت الطريق أمام تمدد نفوذها الإقليمي.
لذلك، لا يحق للنظام الإيراني أن يمنح نفسه اليوم سلطة معاقبة الأردن بسبب علاقاته الدفاعية مع واشنطن، بينما استفاد هو من القوة الأميركية عندما خدمت مصالحه. فالاعتراض على الاعتداء الإيراني لا يعني الدفاع عن كل السياسات الأميركية، بل الدفاع عن قاعدة لا تقبل المساومة: لا يجوز لأي دولة تحويل أراضي دولة أخرى إلى ميدان لحربها أو إلى صندوق بريد لإرسال رسائلها العسكرية.

الرد الأردني المطلوب

أمام هذا الاعتداء، لم يعد الاستنكار اللفظي واستدعاء السفير للاحتجاج كافيين؛ والمطلوب أن تعلن عمّان أن السفير الإيراني شخص غير مرغوب فيه، وأن تطلب مغادرته البلاد، وأن تستدعي سفيرها من طهران وتخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية حتى تقدم إيران اعتذاراً رسمياً وضمانات واضحة بعدم تكرار الهجمات. قد يرى البعض أن إبقاء قنوات الاتصال الدبلوماسية ضروري في أوقات الحرب، وهو أمر صحيح من حيث المبدأ، لكن السفارات لا ينبغي أن تصبح غطاءً لتطبيع الاعتداءات أو تخفيض كلفتها السياسية، حيث يمكن إدارة الاتصالات الضرورية عبر دولة وسيطة، دون أن يستمر التمثيل الدبلوماسي كما لو أن شيئاً لم يحدث.
وعلى الأردن أيضًا أن يطلب عقد اجتماعين طارئين لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، بهدف إدانة الاعتداء الإيراني ووضع إجراءات دبلوماسية واقتصادية متدرجة لمواجهة أي تكرار له.
إن حماية الأردن ليست قضية أردنية فحسب، بل اختبار للإرادة العربية والإسلامية، والصمت عن الصاروخ الأول لا يمنع الصاروخ الثاني، بل يشجع مطلقه عليه، وقد حان الوقت كي تدرك طهران أن الأردن ليس ساحة لتصفية حساباتها مع واشنطن، وأن الاعتداء على سيادته يجب أن يُرتب عليه ثمناً سياسياً ودبلوماسياً حقيقياً لا تستطيع إيران التهرب منه خلف شعارات "المواجهة" و"المقاومة".


دلالات

شارك برأيك

الأردن ليس ساحةً لتصفية حسابات طهران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.