أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 2:58 مساءً - بتوقيت القدس

حين يصبح الانتماء مرمى آخر


قبل أن تلمس الأقدام الكرة في نصف نهائي المونديال بين فرنسا وإسبانيا، كانت جملة واحدة قد هزت الشباك خارج الملعب. كتب رئيس الوزراء الإسباني الأسبق ماريانو راخوي أن المنتخب الفرنسي يملك تشكيلة رفيعة المستوى، «لكن من دون فرنسيين». كلمات قليلة نقلت الموعد الكروي من حسابات التكتيك والنتيجة إلى استفتاء على معنى المواطنة في أوروبا.
فاللاعبون الذين استهدفتهم العبارة فرنسيون بالجنسية والانتماء، ومعظمهم بالميلاد والنشأة، وصنعتهم مدارس فرنسا وأكاديمياتها. لكن أصولهم الأفريقية والمغاربية أعادتهم، في خطاب قديم يتجدد كلما ارتفعت حرارة السياسة، إلى قفص اتهام، كأن عليهم أن يثبتوا في كل مرة براءتهم من الغربة. وهنا ظهر السؤال الأشد حساسية: هل تكفي الجنسية والولادة والانتماء، أم أن لون البشرة واسم العائلة ما زالا شرطين خفيين للاعتراف الكامل؟
جاء الرد الفرنسي حادا من الحكومة والاتحاد الكروي وأطياف سياسية مختلفة، رأت في الكلام إنكارا لهوية لاعبين يحتفى بهم كفرنسيين حين يسجلون، ثم يعاملون كغرباء حين يبدأ النقاش حول المجتمع. وفي إسبانيا تحول التصريح إلى سجال بين الحكومة والحزب الشعبي، فلم تعد القضية نتيجة مباراة، بل صورة بلد أمام العالم. كان جدلا سياسيا وإعلاميا صاخبا، لا أزمة دبلوماسية رسمية، لكن المسافة بين الاثنين بدت أضيق من خط التماس.
التوقيت نفسه كان جزءا من الرسالة. فالسياسي الذي يثير قضية الهوية عشية مباراة كبرى لا يخاطب جمهورا باردا، بل ملايين مشحونة بالعلم والنشيد والرغبة في الانتصار. وبذلك تمنح الكرة رسالته انتشارا لا توفره المنابر الحزبية: طرف يقدم المنتخب رمزا للوحدة، وآخر يجعله دليلا على تبدل الأمة، وثالث يقتنص اللحظة لتسجيل نقاط انتخابية.
وليست السياسة ضيفا جديدا على الملاعب؛ فمواجهات إنجلترا والأرجنتين ظلت محاطة بظلال الفوكلاند، ومباريات البلقان تحمل ذاكرة الحروب والانقسامات. الجديد هو سرعة الاشتعال: عبارة واحدة تكفي لإطلاق معركة عابرة للحدود قبل صافرة البداية.
لكن المنتخبات الحديثة مرايا لا تكذب. تنوع فرنسا صورة لمجتمعها، وإسبانيا التي يمثلها لامين يامال ونيكو ويليامز تعكس واقعا تعدديا جديدا. لذلك بدا قول يامال إن كرة القدم أداة للاندماج دفاعا عن جيل أوروبي يرفض أن تبقى هويته معلقة على ملامحه.
في المونديال المعاصر لا تتنافس المنتخبات وحدها، بل تتصارع معها روايات الدول عن نفسها. وقد تنتهي المباراة بفائز وخاسر، لكن المفارقة تبقى: يدخل اللاعب الملعب ليدافع عن مرمى بلاده، ثم يخرج منه مطالبا بالدفاع عن حقه في الانتماء إليها. فالهوية حق، لا اختبار دائم في الدم.

دلالات

شارك برأيك

حين يصبح الانتماء مرمى آخر

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.