أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يقضي بفرض حظر تجاري شامل على إسبانيا، في خطوة تصعيدية مفاجئة تعكس عمق الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي. ووجه ترامب وزير الخزانة، سكوت بيسنت، ببدء إجراءات قطع كافة الروابط التجارية بما يشمل الزيارات الرسمية المتبادلة، وذلك رداً على ما اعتبره تقاعساً من مدريد في الوفاء بالتزامات الإنفاق الدفاعي.
وأفادت مصادر مطلعة بأن وزارتي الخزانة والتجارة، بالتعاون مع مكتب الممثل التجاري الأمريكي، يعكفون حالياً على إعداد قائمة مفصلة بالمنتجات الإسبانية التي ستخضع للحظر خلال الأيام القليلة المقبلة. وتشير المعطيات الأولية إلى أن هذا الحظر قد يبدأ بشكل جزئي ليستهدف قطاعات حيوية قبل أن يتوسع ليشمل مجالات اقتصادية أوسع نطاقاً.
ويستند الرئيس الأمريكي في قراره إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، الذي يمنحه سلطة فرض عقوبات اقتصادية في حالات الطوارئ الوطنية. ويرى خبراء قانونيون أن ترامب يسعى لتصنيف ضعف الإنفاق الدفاعي لبعض الحلفاء كتهديد غير عادي للأمن القومي والاقتصاد الأمريكي، مما يشرعن استخدام هذه الصلاحيات الاستثنائية.
وعلى الرغم من وجود أحكام سابقة من المحكمة العليا تحد من استخدام هذا القانون لفرض رسوم جمركية، إلا أن مستشارين تجاريين سابقين يؤكدون أن سلطة إعلان حالة الطوارئ تظل قائمة. ويرى هؤلاء أن الإدارة الحالية قد تمضي قدماً في إجراءاتها حتى لو واجهت طعوناً قضائية لاحقة في المحاكم الفيدرالية، نظراً لطبيعة الصلاحيات التنفيذية الواسعة.
وتكشف البيانات الاقتصادية عن حجم المخاطر الكبيرة التي قد تلحق بالطرفين جراء هذا القرار، حيث وصل التبادل التجاري بين واشنطن ومدريد إلى نحو 74.5 مليار دولار في عام 2025. وتعد إسبانيا الشريك التجاري الثالث والعشرين للولايات المتحدة، مما يجعل أي اضطراب في هذه العلاقة مؤثراً على سلاسل التوريد العالمية والأسواق المشتركة.
ومن المفارقات أن الولايات المتحدة تتمتع بفائض تجاري مع إسبانيا، حيث بلغت قيمة صادراتها للسوق الإسبانية 26.6 مليار دولار مقابل واردات بقيمة 21.35 مليار دولار. ويشمل هذا التبادل سلعاً استراتيجية مثل الأدوية والنفط الخام والطائرات المدنية، وهي قطاعات قد تتضرر بشكل مباشر في حال ردت مدريد بإجراءات انتقامية مماثلة.
وتبرز المخاوف أيضاً بشأن الاستثمارات المتبادلة، إذ تستثمر الشركات الإسبانية ما يزيد عن 111 مليار دولار داخل الأراضي الأمريكية، مما يجعلها وجهة استثمارية رئيسية. وفي المقابل، تعتبر الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في إسبانيا باستثمارات تتجاوز 132 مليار دولار، وهي استثمارات توفر نحو 200 ألف فرصة عمل للمواطنين الإسبان.
قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية سيسمح لترامب بفرض حظر تجاري، حتى لو تعرض لاحقاً لطعون أمام القضاء.
ولم يقتصر التهديد على السلع والخدمات، بل امتد ليشمل قطاع السفر والزيارات، وهو ما يثير قلقاً خاصاً في ظل استعداد المنتخب الإسباني لخوض مباريات في كأس العالم بالولايات المتحدة. وكانت الإدارة الأمريكية قد فرضت في أوقات سابقة قيوداً على دخول مواطني عدة دول، مما يفتح الباب أمام احتمالية تطبيق قيود مماثلة على السياح والطلاب الإسبان.
وتشير إحصاءات السياحة إلى أن نحو 4.45 مليون أمريكي زاروا إسبانيا خلال العام الماضي، مما جعلهم رابع أكبر مصدر لدخل السياحة في البلاد بقيمة تجاوزت 6 مليارات يورو. ويتميز السائح الأمريكي بمعدلات إنفاق عالية وفترات إقامة طويلة، وهو ما يعني أن أي حظر على السفر سيشكل ضربة قوية لقطاع الضيافة والخدمات الإسباني.
وفي محاولة لتخفيف حدة الصدمة، يرى بعض المحللين أن ترامب قد يلجأ إلى حظر انتقائي يسمح بدخول السلع الأساسية التي تحتاجها الصناعة الأمريكية. ومن بين هذه السلع المحتمل استثناؤها قطع غيار الطائرات ومكونات التوربينات التي تنتجها شركات إسبانية وتعتمد عليها كبرى شركات التصنيع العسكري والمدني في الولايات المتحدة.
وتمتلك الإدارة الأمريكية أدوات قانونية أخرى للضغط على مدريد، من بينها المادة 301 المتعلقة بالممارسات التجارية غير العادلة، والمادة 232 الخاصة بحماية الأمن القومي. وقد سبق لترامب في ولايته الأولى أن فرض رسوماً عقابية على منتجات إسبانية مثل الزيتون الأسود، استجابة لشكاوى من المنتجين المحليين في ولاية كاليفورنيا.
وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من التهديدات التي أطلقها ترامب منذ قمة الناتو في لاهاي، حيث طالب برفع الإنفاق الدفاعي للحلفاء إلى 5% من الناتج المحلي. ورغم أن إسبانيا رفعت ميزانيتها الدفاعية لتصل إلى نحو 40 مليار دولار في عام 2026، إلا أن هذا الرقم لا يزال بعيداً عن السقف الذي يطالب به البيت الأبيض.
وتتعقد الأزمة نظراً لأن إسبانيا عضو في الاتحاد الأوروبي، وهو التكتل الذي يتولى صياغة السياسات التجارية الموحدة لجميع أعضائه. وأي إجراء أمريكي ضد دولة عضو قد يستدعي رداً جماعياً من بروكسل، مما ينذر باندلاع حرب تجارية واسعة النطاق بين ضفتي الأطلسي في وقت حساس للاقتصاد العالمي.
وعلى الصعيد العسكري، تؤكد مدريد أنها بذلت جهوداً كبيرة لتعزيز قدراتها الدفاعية ودعم أوكرانيا بمليارات اليورو منذ بداية الصراع. ومع ذلك، يبدو أن هذه الجهود لم تكن كافية لإقناع الإدارة الأمريكية الحالية، التي تصر على ضرورة تحمل الحلفاء الأوروبيين عبئاً أكبر في تمويل منظومة الأمن الجماعي.





شارك برأيك
ترامب يأمر بفرض حظر تجاري على إسبانيا بسبب خلافات الإنفاق الدفاعي