اسرائيليات

الإثنين 06 يوليو 2026 4:36 مساءً - بتوقيت القدس

إسرائيل تعيد صياغة عقيدتها العسكرية: حرب استنزاف شاملة على سبع جبهات

تجد إسرائيل نفسها اليوم أمام واقع استراتيجي معقد يفرض عليها التعامل مع سبع جبهات مشتعلة في آن واحد، حيث باتت الدوائر الأمنية في تل أبيب تنظر إلى المواجهات الحالية كحرب واحدة شاملة تستهدف المحور الإيراني وأذرعه في المنطقة. هذا المنظور الجديد دفع القيادة الإسرائيلية إلى الانتقال من التفكير المحلي المحدود إلى استراتيجية شاملة تهدف لمواجهة ما يسمى بـ 'طوق النار' الذي يضم حماس وحزب الله والحوثيين والميليشيات في العراق وسوريا.

وفي ظل هذا التصعيد، تواصل الحكومة الإسرائيلية التمسك بخيار الضغط العسكري المكثف على مختلف الجبهات، دون وجود أفق قريب لتهدئة أمنية ملموسة. وحتى على الجبهة اللبنانية، ورغم المفاوضات التي جرت في واشنطن، لا تزال العقبات الميدانية والسياسية تحول دون تحقيق استقرار حقيقي، مما يجعل المنطقة برمتها في حالة من الترقب والتوتر المستمر.

وأفادت مصادر بأن القيادة السياسية أبلغت قادة الجيش، خلال جلسة تقييمية أخيرة، بضرورة وضع إيران وحزب الله على رأس الأولويات الأمنية. ودعت التوجيهات الجديدة إلى بلورة خطط تضمن تركيز الجهود العسكرية على هاتين الجبهتين، في وقت تظل فيه الخطط الجاهزة لاستئناف العمليات الواسعة في قطاع غزة رهينة القرار السياسي والضوء الأخضر الدولي.

وتواجه التحركات الإسرائيلية تجاه غزة قيوداً دولية متزايدة، حيث كشفت تقارير عن رسائل أمريكية حذرت تل أبيب من مغبة الإقدام على عملية عسكرية واسعة في القطاع بالوقت الراهن. وأشارت واشنطن في رسائلها إلى افتقار مثل هذه العمليات للشرعية الدولية المطلوبة، مما يضع المستوى السياسي الإسرائيلي في مأزق بين الضغوط الميدانية والقيود الخارجية.

داخلياً، يعاني الكيان من تعميق الشرخ بين المؤسستين السياسية والعسكرية، وهو ما كشفته تقارير إسرائيلية رصدت فجوة واسعة في تقدير المواقف. وتتجلى هذه الخلافات في التباين بين استعدادات الجيش الميدانية وبين القيود التي تفرضها الإدارة الأمريكية، والتي يرى المستوى السياسي أنها تحد من قدرة الجيش على المناورة وتحقيق الأهداف المعلنة.

وعلى صعيد الجبهة الشمالية، أكد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس على ضرورة الحفاظ على المناطق العازلة، خاصة في جنوب لبنان. وقررت إسرائيل تأجيل تنفيذ تفاهمات سابقة كانت تقضي بنقل المسؤولية عن مناطق تجريبية للجيش اللبناني، معلنة أن جيشها سيبقى في تلك المناطق لفترة طويلة لضمان عدم عودة التهديدات.

وتشترط إسرائيل لبدء أي انسحاب من الجنوب اللبناني وجود آلية تنفيذ صارمة تحت إشراف أمريكي مباشر، تتضمن تدريب القوات اللبنانية على مهام محددة. ولا تقتصر المطالب الإسرائيلية على نزع سلاح حزب الله فحسب، بل تمتد لتشمل تقويض قدراته التنظيمية والعسكرية بشكل كامل لضمان أمن المستوطنات الشمالية.

وفي تصريحات تصعيدية، ادعى وزير الأمن يسرائيل كاتس أن إسرائيل نجحت في توجيه ضربات قاصمة للبرنامج النووي الإيراني وأضعفت قدرات 'محور الشر'. وهدد كاتس بأن الجيش الإسرائيلي مستعد لشن ضربة ثالثة ضد إيران إذا اقتضت الضرورة، مشيراً إلى أن العمليات الاستخباراتية والعسكرية أدت إلى تراجع قدرات طهران سنوات عديدة إلى الوراء.

دبلوماسياً، تخوض إسرائيل معركة حادة في أروقة الأمم المتحدة تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة في الجنوب اللبناني، حيث تسعى لمنع تمديد تفويض قوات 'اليونيفيل'. وتزعم المصادر الإسرائيلية أن هذه القوات فشلت في أداء مهامها على مدار سنوات، وأن الواقع الميداني الجديد يتطلب مقاربة دولية مختلفة تماماً عما كان عليه الحال في السابق.

ومع مرور 1000 يوم على اندلاع المواجهات الكبرى، يبرز تساؤل جوهري في الأوساط العبرية حول مدى قدرة الجيش على استخلاص الدروس من إخفاقاته السابقة. وتشير التقارير إلى أن المؤسسة العسكرية لا تزال منشغلة بترميم الجبهة الداخلية وتطوير منظومات دفاعية قادرة على صد سيناريوهات الاقتحام المتعددة من جهات مختلفة.

ويرى خبراء عسكريون أن الجيش الإسرائيلي يتبنى حالياً مفهوماً عملياتياً جديداً يهدف إلى جعل أحداث السابع من أكتوبر مجرد ذكرى تاريخية لن تتكرر. ويقوم هذا المفهوم على الفصل بين تهديدات التسلل البري وبين التهديدات الصاروخية والمسيّرات، مع تعزيز الإيمان بالخطر الوجودي الذي تمثله هذه التهديدات مقارنة بفترة ما قبل الحرب.

من جانبه، اعتبر الضابط السابق موشيه العاد أن الحرب الحالية تمثل نهاية حقبة وبداية أخرى في التاريخ الأمني الإسرائيلي، حيث انهارت مفاهيم 'الحرب القصيرة' والردع السريع. وأوضح أن إسرائيل أُجبرت على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد تتطلب توسيع حجم القوات وتجديد مخزونات الذخيرة بشكل مستمر لمواجهة التآكل البشري والاقتصادي.

لقد فقدت الحدود الجغرافية التقليدية معناها في العقيدة العسكرية الجديدة، حيث تأتي التهديدات الآن من مسافات بعيدة تشمل اليمن والعراق وإيران. وباتت منظومات الدفاع الجوي مطالبة بالتعامل مع هجمات منسقة تشمل صواريخ باليستية ومسيرات انتحارية تأتي من اتجاهات ومديات مختلفة، مما يفرض ضغطاً هائلاً على التكنولوجيا العسكرية.

في الختام، تظهر الخريطة العملياتية لإسرائيل اليوم تشابهاً كبيراً مع خريطة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، حيث يمتد مجال القتال من غزة إلى مضيق هرمز. هذا الاتساع في جبهات المواجهة يفرض على إسرائيل إعادة تقييم شاملة لمواردها وتحالفاتها، في ظل حرب استنزاف قد تستمر لسنوات طويلة دون حسم عسكري واضح.

دلالات

شارك برأيك

إسرائيل تعيد صياغة عقيدتها العسكرية: حرب استنزاف شاملة على سبع جبهات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.