اسرائيليات

الإثنين 06 يوليو 2026 4:35 مساءً - بتوقيت القدس

لبنان ورقة مساومة: كيف تدمج إيران 'وحدة الساحات' في مفاوضاتها النووية مع واشنطن؟

تشهد الساحة الإقليمية تحولاً استراتيجياً بارزاً مع محاولة طهران ربط الملف اللبناني بمسار مفاوضاتها النووية مع واشنطن، مما يمنح النظام الإيراني مساحة أوسع للمناورة السياسية. هذا الربط يهدف إلى فرض شروط تفاوضية أفضل تضمن بقاء نفوذها الإقليمي وتستبعد ملف الوكلاء في العراق واليمن من أي تسوية مستقبلية.

وفي تطور لافت، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نجاح وساطة أمريكية تهدف إلى لجم التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، حيث تقضي التفاهمات بامتناع تل أبيب عن إرسال قوات برية إلى بيروت مقابل وقف كامل للعمليات الهجومية من جانب الحزب. وجاء هذا الإعلان متزامناً مع تصريحات إيرانية رسمية تؤكد أن التهدئة مع واشنطن لا يمكن تجزئتها.

من جانبه، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن أي خرق لوقف إطلاق النار في لبنان سيعتبر انتهاكاً مباشراً للتفاهمات القائمة بين طهران وواشنطن على كافة الجبهات. وحمل عراقجي الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية الكاملة عن تبعات أي تصعيد عسكري قد يطاول الساحة اللبنانية في المرحلة المقبلة.

ويرى مراقبون أن إصرار طهران على إدراج لبنان ضمن الاتفاقات الكبرى يعكس رغبتها في إحياء مفهوم 'وحدة الساحات' كأداة ضغط استراتيجية. فبدلاً من التركيز الحصري على تخصيب اليورانيوم، باتت الجبهة الشمالية لإسرائيل ورقة مقايضة أساسية لانتزاع حوافز اقتصادية وسياسية من الإدارة الأمريكية.

داخل أروقة صنع القرار في طهران، يبدو أن التيار المتشدد الذي يقوده أحمد وحيدي هو من يمسك بزمام المبادرة حالياً على حساب الأصوات الأكثر اعتدالاً. ويهدف هذا التيار إلى إطالة أمد النقاشات حول لبنان لصرف الانتباه عن القضايا النووية الشائكة وتعزيز السيطرة الإيرانية على ممرات الملاحة الدولية في مضيق هرمز.

في المقابل، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى استجابة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لهذه التفاهمات، خاصة في ظل رؤيته التي تعتبر حزب الله تهديداً وجودياً يجب استئصاله. وتفيد تقارير إعلامية بأن التواصل الأخير بين ترامب ونتنياهو شهد توتراً حاداً عكس تباين الأولويات بين الحليفين في التعامل مع الملف اللبناني.

ونقلت مصادر مطلعة أن ترامب وجه انتقادات لاذعة لنتنياهو خلال اتصال هاتفي، واصفاً إياه بعبارات حادة بسبب إصراره على التصعيد العسكري الذي قد يقوض الجهود الدبلوماسية الأمريكية. هذا الخلاف يسلط الضوء على الفجوة المتزايدة بين رغبة واشنطن في إغلاق ملفات الحرب وحرص تل أبيب على تحقيق حسم عسكري كامل.

وتشير تقارير معهد دراسات الحرب إلى أن إيران تسعى بوضوح لإحداث شرخ في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب عبر تحميل الأخيرة مسؤولية انهيار المفاوضات. وتستخدم الماكنة الإعلامية الإيرانية العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان كذريعة لتعليق المحادثات النووية والهروب من الالتزامات التقنية المطلوبة منها.

وعلى الصعيد الميداني، تواصل إيران استغلال فترات الهدوء النسبي لإعادة بناء قدراتها في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تضررت في مواجهات سابقة. كما تصر طهران على عدم تقديم أي تنازلات جوهرية تتعلق بمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، مستفيدة من حالة السيولة السياسية في المنطقة.

ويرى خبراء أن تجربة غزة تمثل سابقة كاشفة لمحدودية النفوذ الأمريكي على القرارات الإسرائيلية، حيث استمرت العمليات العسكرية رغم ضغوط واشنطن المتكررة. هذا الواقع يجعل من الصعب التنبؤ بمدى التزام إسرائيل بوقف العمليات في لبنان إذا ما شعرت أن أمنها القومي مهدد بشكل مباشر.

المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لا تزال تنظر إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701 كإطار غير كافٍ لضمان الأمن على الحدود الشمالية ما لم يتم تجريد حزب الله من سلاحه. وتعتبر تل أبيب أن أي اتفاق لا يضمن إبعاد الحزب عن الحدود هو مجرد تأجيل لصراع حتمي وأكثر ضراوة في المستقبل.

من جهة أخرى، يواجه ترامب ضغوطاً داخلية من الحزب الجمهوري لإنهاء النزاعات الإقليمية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، مما يدفع باتجاه البحث عن انتصارات دبلوماسية سريعة. هذا الضغط الزمني قد يدفع الإدارة الأمريكية لتقديم تنازلات لطهران لا تحظى بموافقة كاملة من الجانب الإسرائيلي.

ويبقى الرهان الإيراني قائماً على قدرة 'حزب الله' على الصمود كوكيل فاعل يضمن لها مقعداً دائماً على طاولة المفاوضات الإقليمية. فالحفاظ على الحزب يمثل بالنسبة لطهران حماية لـ 'جوهرة التاج' في منظومة نفوذها الممتدة من بيروت إلى صنعاء، وهو ما لن تتنازل عنه بسهولة في أي تسوية نووية.

في نهاية المطاف، يظل المشهد اللبناني معلقاً بين مطرقة الطموحات الإيرانية وسندان الضرورات الأمنية الإسرائيلية، وسط محاولات أمريكية حثيثة لرسم خارطة طريق جديدة. وتكشف هذه التعقيدات أن الطريق نحو اتفاق نووي شامل يمر بالضرورة عبر تضاريس وعرة في جنوب لبنان وضواحي بيروت.

دلالات

شارك برأيك

لبنان ورقة مساومة: كيف تدمج إيران 'وحدة الساحات' في مفاوضاتها النووية مع واشنطن؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.