فلسطين

الخميس 02 يوليو 2026 2:24 مساءً - بتوقيت القدس

يحق لبريطانيا اتخاذ إجراءات ضد المستعمرات غير القانونية، لكنها لا تستطيع تجاهل مسؤوليتها عن سلب الفلسطينيين أرضهم

بقلم برايان ليشمان

برايان ليشمان (مواليد يوليو 1982 في اسكتلندا، المملكة المتحدة) هو سياسي بريطاني ينتمي إلى حزب العمال، ويشغل عضوية البرلمان البريطاني ممثلًا عن دائرة ألوا وغرانجماوث. يُعرف بنشاطه ومواقفه الداعمة لحقوق الإنسان، وكان من بين النواب الذين وقّعوا رسائل تدعو الحكومة البريطانية إلى فتح تحقيق مستقل في حرب غزة.

فرضت الحكومة البريطانية مؤخرًا عقوبات على شركات متورطة في مشروع مستعمرة E1 الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو المشروع الذي من شأنه، إذا اكتمل، أن يقسم الضفة الغربية إلى أجزاء منفصلة ويجعل حل الدولتين أشبه بالمستحيل. وفي الشهر الماضي، انضممتُ إلى 138 نائبًا من حزب العمال في رسالة وُجّهت إلى رئيس الوزراء، طالبنا فيها بحظر التجارة مع المستعمرات غير القانونية بشكل كامل.

ورغم الترحيب بهاتين الخطوتين، فإنهما تثيران في الوقت نفسه سؤالًا لا يمكن تجاهله حول الدور الذي لعبته بريطانيا في صناعة الأزمة التي تسعى اليوم إلى معالجتها. فما هي مسؤولية بريطانيا عما حلّ بالشعب الفلسطيني؟ وماذا يتطلب ذلك منا اليوم؟

يمثل هذا السؤال جوهر حملة "Britain Owes Palestine"، التي تقدمت إلى الحكومة البريطانية بعريضة قانونية مكونة من 400 صفحة، توثق فيها ممارسات بريطانيا خلال فترة الانتداب الممتدة بين عامي 1917 و1948.

فقد ألزم وعد بلفور بريطانيا عام 1917 بدعم إقامة وطن قومي لليهود في أرض كان أكثر من 90% من سكانها من العرب، وذلك من دون موافقة سكانها الأصليين، وفي مخالفة للتعهدات التي كانت الحكومة البريطانية قد قطعتها سابقًا للقيادات العربية. وخلال العقود الثلاثة التالية، أرست بريطانيا نظامًا منح امتيازات لطرف واحد، بينما حرم الطرف الآخر من أي تمثيل سياسي حقيقي. وعندما طُرح مشروع إنشاء مجلس تشريعي يتمتع فيه العرب بالأغلبية، رفضه البرلمان البريطاني، ما أغلق فعليًا كل السبل المتاحة للاحتجاج السلمي.

عندما اندلعت الثورة العربية الكبرى بين عامي 1936 و1939، واجهتها بريطانيا بسياسات العقاب الجماعي بحق قرى بأكملها، وإنشاء محاكم عسكرية لم يكن فيها أي حق للاستئناف، وارتكبت ما وصفه وزير المستعمرات البريطاني نفسه، في مداولات خاصة مع مجلس الوزراء، بأنه "فظائع" ارتكبتها الشرطة، تعمّد عدم الإشارة إليها في تصريحاته أمام البرلمان. وخلال ثلاث سنوات فقط، قُتل ما لا يقل عن خمسة آلاف فلسطيني وأصيب نحو خمسة عشر ألفًا. ولم تبقِ بريطانيا أساليبها القمعية الاستعمارية في فلسطين، بل تحولت هذه السياسات لاحقًا إلى نموذج ورثته إسرائيل ورسخته ضمن مؤسساتها بعد عام 1948.

وعند انسحاب بريطانيا من فلسطين، كان نحو 750 ألف فلسطيني قد هُجّروا خلال الحرب التي أعقبت ذلك، وهي عملية تهجير تصفها العريضة بأنها كانت متوقعة، وكان بالإمكان تجنبها، وترتبط بشكل مباشر بتخلي بريطانيا عن مسؤولياتها. وخلال تلك الفترة، أقرّ البرلمان البريطاني تشريعات منحت بأثر رجعي حصانة لجميع المسؤولين البريطانيين من أي ملاحقة قانونية على الأفعال التي ارتُكبت أثناء فترة الانتداب. ومن هذا المنطلق، فإن مشروع مستعمرة E1 لا يمكن فصله عن إطار تاريخي أسهمت بريطانيا في وضع أسسه إلى حد كبير. ومن المهم الاعتراف بهذه الحقيقة ونحن نسعى اليوم إلى الحد من آثاره.

وفي شهر مارس، انضممتُ إلى مجموعة عابرة للأحزاب تضم 45 نائبًا وعضوًا في مجلس اللوردات، وقّعوا رسالة مفتوحة تطالب رئيس الوزراء بالرد رسميًا على العريضة. وبعد مرور أكثر من ثمانية أشهر، لا تزال الحكومة تمتنع عن تقديم أي رد. وقد أُصيب منيب المصري، المقدّم الرئيسي للعريضة، برصاص جنود بريطانيين عندما كان في سن المراهقة، وهو واحد من بين 14 فلسطينيًا تأثرت عائلاتهم بشكل مباشر بالأحداث التي توثقها العريضة، ولا يزالون حتى اليوم بانتظار هذا الرد.

ولا تنطوي مطالب الحملة على أي مبالغة؛ فهي تدعو إلى إصدار رد حكومي علني على العريضة، وإجراء مراجعة شاملة لأي أرشيفات لم يُفرج عنها بعد، والإقرار رسميًا بما ارتكبته بريطانيا من أفعال خاطئة خلال فترة الانتداب، وتقديم اعتذار رسمي داخل البرلمان. ولطالما قدّمت بريطانيا نفسها بوصفها دولة تحترم التزاماتها بموجب القانون الدولي، غير أن هذا الادعاء يصبح أقل مصداقية عندما ترفض مراجعة أفعالها هي نفسها.

إن فرض العقوبات على الشركات المتورطة في مشروع E1 خطوة صحيحة، كما أن الاعتراف بدولة فلسطين في العام الماضي كان خطوة في الاتجاه الصحيح أيضًا. غير أن هذه الإجراءات تترافق مع استمرار الحكومة البريطانية في رفض مواجهة دورها التاريخي في تكريس حالة انعدام الدولة الفلسطينية. ولا يمكن لبريطانيا أن تطالب الآخرين بالمساءلة بينما تستثني نفسها من المعايير ذاتها.

لقد بقيت هذه العريضة من دون رد لأشهر طويلة. وما ينبغي على الحكومة البريطانية فعله اليوم هو قراءتها والرد عليها، والتحلي بالشجاعة لطرح سؤال جوهري بصدق عما تدين به بريطانيا، بدلاً من الاكتفاء بما يمكنها أن تطالب به الآخرين.

دلالات

شارك برأيك

يحق لبريطانيا اتخاذ إجراءات ضد المستعمرات غير القانونية، لكنها لا تستطيع تجاهل مسؤوليتها عن سلب الفلسطينيين أرضهم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.