رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 1/7/2026
تحليل إخباري
بعدما تبيّن أن اللقاء الأميركي–الإيراني الذي كان متوقعاً عقده في الدوحة الثلاثاء 30 حزيران 2026 لن يُعقد، رغم وجود كبيري المفاوضين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في العاصمة القطرية، انتقل الاهتمام سريعاً من تعثر المسار الدبلوماسي إلى ملف لا يقل حساسية، بل قد يكون أكثر تأثيراً على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، وهو مستقبل إدارة مضيق هرمز. ففي الوقت الذي توقفت فيه المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران، برزت معطيات جديدة تشير إلى تقدم مشاورات بين سلطنة عُمان وإيران بشأن إنشاء آلية مشتركة لتحصيل رسوم أو مقابل خدمات من السفن العابرة للمضيق، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وقانونية واستراتيجية تتجاوز بكثير الجانب المالي، وتفتح مواجهة دبلوماسية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، مع امتداداتها إلى أوروبا ودول الخليج.
وتشير المعلومات المتداولة بين مصادر دبلوماسية وإيرانية إلى أن المقترح العُماني لا يقوم، من الناحية القانونية، على فرض رسوم مقابل حق العبور نفسه، وإنما على إنشاء نظام لتمويل خدمات الملاحة، يشمل عمليات الإرشاد البحري، والاستجابة للطوارئ، وحماية البيئة البحرية، وصيانة البنية التحتية المتعلقة بأمن الملاحة. وتقول مسقط إن النموذج المقترح يستلهم ترتيبات معمولاً بها في مضيقي ملقا وسنغافورة، حيث تُمول خدمات الملاحة من خلال مساهمات ترتبط باستخدام الممرات البحرية دون المساس بمبدأ حرية المرور.
غير أن هذه الصيغة لم تُنهِ الخلاف، بل نقلته إلى مستوى أكثر تعقيداً. فبينما تؤكد سلطنة عُمان أن المساهمات ستكون طوعية، ترى إيران أنها ينبغي أن تكون إلزامية باعتبارها جزءاً من الترتيبات الجديدة التي أفرزتها الحرب الأخيرة، فيما ترفض واشنطن المبدأين معاً إذا كانا يشكلان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سابقة تتيح فرض أعباء مالية على السفن العابرة في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
وجاء الموقف الأميركي واضحاً على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي أكد أن الولايات المتحدة تعارض فرض أي مدفوعات على حركة الملاحة، مهما كانت التسمية المستخدمة، سواء وُصفت بأنها رسوم أو مساهمات أو تبرعات أو مقابل خدمات، لأن ذلك، من وجهة النظر الأميركية، قد يفتح الباب أمام تقييد حرية الملاحة التي تعد أحد المبادئ الأساسية للقانون البحري الدولي.
وتكتسب هذه الأزمة أهمية إضافية لأنها تأتي مع اقتراب انتهاء العمل بالترتيبات المؤقتة التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، والذي ضمن حرية المرور في مضيق هرمز لمدة ستين يوماً فقط، على أن يتم خلال هذه الفترة التوصل إلى تفاهم دائم بشأن إدارة الممر البحري. ومع تعثر المسار السياسي، يبدو أن هذا الملف يتحول تدريجياً إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في العلاقة بين الطرفين.
وتعتقد طهران أن الحرب الأميركية–الإسرائيلية الأخيرة غيّرت بصورة جوهرية ميزان القوى في الخليج، وأنها نجحت، خلال مراحل المواجهة، في فرض سيطرة فعلية على حركة الملاحة داخل المضيق، الأمر الذي أدى إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، ورفع أسعار النفط إلى ما يزيد على مائة دولار للبرميل، كما انعكس على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات الصناعية الكبرى. ومن هذا المنطلق، ترى القيادة الإيرانية أن النفوذ الذي اكتسبته في المضيق لا ينبغي التفريط به مع انتهاء العمليات العسكرية، بل يجب تحويله إلى مكسب سياسي واستراتيجي دائم.
في المقابل، تنظر إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى المشروع العُماني–الإيراني باعتباره اختباراً جديداً لقدرتها على حماية مبدأ حرية الملاحة الذي شكّل لعقود أحد ركائز السياسة الأميركية في الخليج. إلا أن واشنطن تدرك في الوقت نفسه أن سلطنة عُمان ما زالت تمثل الوسيط الأكثر قبولاً لدى الطرفين، وأن خسارة دورها قد تؤدي إلى إغلاق واحدة من آخر القنوات الدبلوماسية القائمة بين الولايات المتحدة وإيران. لذلك، تؤكد مصادر أميركية أن الحوار مع مسقط مستمر، وأن الخلاف الحالي لا يرقى إلى مستوى تهديد العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، مع الإقرار بأن التوصل إلى صيغة توافقية سيحتاج إلى مفاوضات تقنية وسياسية معقدة.
أما على الجانب الأوروبي، فتبدو المقاربة مختلفة إلى حد بعيد. فالعواصم الأوروبية لا تؤيد فرض رسوم على الملاحة، لكنها تميل إلى البحث عن مخرج قانوني يحافظ على انسياب التجارة العالمية ويجنب المنطقة مواجهة جديدة. ولذلك، يركز الأوروبيون على إمكانية تطوير صيغة طوعية لا تمثل اعترافاً قانونياً بحق إيران في فرض رسوم، لكنها تسمح في الوقت نفسه بتمويل الخدمات البحرية بصورة لا تتعارض مع قواعد القانون الدولي.
وفي الإطار الخليجي، يثير المشروع العُماني–الإيراني قدراً ملحوظاً من التحفظ. فقد شدد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان على ضرورة إعادة المضيق إلى وضعه الذي كان قائماً قبل الحرب، معتبراً أن المجتمع الدولي لا ينبغي أن يقبل ترتيبات جديدة فرضتها نتائج مواجهة عسكرية، لأن ذلك قد يكرس سوابق يصعب التراجع عنها لاحقاً، ويمنح القوى الإقليمية أدوات إضافية للتأثير في حركة التجارة العالمية.
ويرى مراقبون أن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بالرسوم بحد ذاتها، بل بمن يملك حق رسم قواعد النظام الأمني الجديد في الخليج. فإيران تسعى إلى تحويل ما تعتبره إنجازاً ميدانياً إلى واقع سياسي دائم، بينما تحاول الولايات المتحدة منع ترسيخ أي معادلة جديدة قد تُفسر باعتبارها اعترافاً بتراجع نفوذها التقليدي في المنطقة. وبين الموقفين، تحاول سلطنة عُمان الحفاظ على دورها كوسيط موثوق، من خلال تقديم حلول وسط تمنع انهيار التفاهمات التي أُنجزت بعد الحرب.
وتشير التقديرات إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في التوصل إلى آلية مؤقتة تعتمد مساهمات طوعية لتمويل خدمات الملاحة، بما يسمح لكل طرف بتقديم الاتفاق بوصفه انتصاراً سياسياً دون المساس بالمواقف المعلنة. لكن احتمال فشل هذه الجهود يبقى قائماً، وهو ما قد يدفع إيران إلى اتخاذ خطوات أحادية داخل المياه التي تعتبرها خاضعة لسيادتها، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية وربما احتكاكات بحرية جديدة.
وفي حال تعذر التوصل إلى تفاهم مباشر، قد تتجه القوى الأوروبية، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، إلى الدفع نحو إنشاء آلية دولية مستقلة لإدارة الخدمات الملاحية وتمويلها، بما يحد من الاحتكاك المباشر بين إيران والدول الغربية. كما يرجح عدد من الدبلوماسيين أن يتحول ملف مضيق هرمز إلى إحدى أوراق التفاوض الرئيسية في أي جولة مقبلة من المحادثات الأميركية–الإيرانية، بحيث يصبح مستقبل الرسوم جزءاً من صفقة أشمل تتناول العقوبات والبرنامج النووي والترتيبات الأمنية في الخليج.
وبذلك، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر تعبر منه ناقلات النفط، بل أصبح عنواناً لصراع أوسع على شكل النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب. فالمواجهة لم تعد تدور حول حرية الملاحة فقط، وإنما حول من يمتلك سلطة وضع القواعد الجديدة في الخليج، وما إذا كانت موازين القوة العسكرية التي أفرزتها الحرب ستتحول إلى ترتيبات سياسية وقانونية دائمة، أم أن الضغوط الدبلوماسية ستنجح في إعادة المضيق إلى قواعده التقليدية. وفي هذا السياق، تبدو أزمة هرمز مرشحة لأن تكون الاختبار الأول لطبيعة التوازنات الجديدة التي ولّدتها الحرب، ولقدرة واشنطن وطهران على إدارة تنافسهما دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة.





شارك برأيك
بعد تعثر مفاوضات الدوحة… مشروع عُماني–إيراني لرسوم مضيق هرمز يفتح جبهة صراع جديدة مع واشنطن