تحليل

الإثنين 29 يونيو 2026 7:42 صباحًا - بتوقيت القدس

تصدّع غير مسبوق في القاعدة الجمهورية المؤيدة لإسرائيل… هل بدأت واشنطن تعيد رسم علاقتها بتل أبيب؟

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 29/6/2026


كشف موقع "آكسيوس" الأميركي في تقرير تحليلي أن إسرائيل تواجه تحوّلاً سياسياً غير مسبوق داخل الحزب الجمهوري، الحليف التقليدي الأكثر ثباتاً لها في الولايات المتحدة، مع تزايد مؤشرات التراجع في شعبية إسرائيل بين الجمهوريين، ولا سيما بين الأجيال الشابة، بعد الحرب المدمرة على قطاع غزة، ثم الخلافات التي نشبت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الأزمة مع إيران.


ويشير التقرير إلى أن نتنياهو، الذي أمضى نحو خمسة عشر عاماً في تعويض خسارته المتواصلة للدعم داخل الحزب الديمقراطي عبر توثيق تحالفه مع الجمهوريين، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍ جديد يتمثل في تآكل ذلك الرصيد داخل المعسكر الذي اعتقد طويلاً أنه يشكل ضمانته السياسية في واشنطن.


ويبدو أن الأزمة تجاوزت حدود استطلاعات الرأي لتصل إلى أعلى هرم القيادة الجمهورية. فبحسب ما أورده كتاب "تغيير النظام  Regime Change" للصحفيين ماغي هابرمان وجوناثان سوان، فإن ترمب مارس ضغوطاً مباشرة على نتنياهو خلال مفاوضات وقف الحرب في غزة، محذراً إياه من أن استمرار رفضه للتسوية سيقود إلى “طلاق” بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في تعبير يعكس حجم الاحتقان الذي بدأ يتسلل إلى العلاقة الشخصية والسياسية بين الرجلين.


وكان موقع "آكسيوس" قد نقل أيضاً أن ترمب وصف نتنياهو في إحدى محادثاته الخاصة بأنه "مجنون"، معتبراً أن سياساته تسهم في زيادة عزلة إسرائيل دولياً، قبل أن يعود لاحقاً ليؤكد أن علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي "جيدة"، لكنه أضاف بلهجة لافتة: "علينا أن نبقيه متزناً قليلاً."


ولم تقتصر الانتقادات على ترمب وحده، إذ وجه نائب الرئيس جي دي فانس انتقاداً علنياً للمسؤولين الإسرائيليين الذين هاجموا التفاهم الأميركي مع إيران، قائلاً إن أي حكومة إسرائيلية لا ينبغي لها مهاجمة “الحليف القوي الوحيد المتبقي لها في العالم”، في رسالة عُدت خروجاً عن الخطاب التقليدي الذي طالما منح إسرائيل دعماً غير مشروط.


وفي موازاة ذلك، تصاعد نفوذ تيار "أميركا أولاً" المناهض للتدخلات الخارجية داخل الحزب الجمهوري، حيث قاد شخصيات إعلامية وسياسية بارزة، مثل تاكر كارلسون وميغين كيلي ومارجوري تايلور غرين، حملة انتقادات حادة لإسرائيل، معتبرين أن المصالح الأميركية أصبحت رهينة لأولويات الحكومة الإسرائيلية.


وذهب كارلسون إلى حد اتهام نتنياهو بخداع ترمب ودفعه نحو حرب مع إيران، واصفاً الرئيس الأميركي بأنه تحول إلى "أسير" لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بينما تراجعت شعبية الإعلامي المحافظ بن شابيرو بين جمهور اليمين بسبب تمسكه بالدفاع التقليدي عن إسرائيل، في وقت يتجه فيه جزء متزايد من القاعدة الجمهورية نحو خطاب أكثر تشكيكاً في جدوى الدعم الأميركي لتل أبيب.


ويشير التقرير إلى أن إسرائيل أصبحت معياراً جديداً للصراع الداخلي داخل اليمين الأميركي، حيث تتهم شخصيات يمينية ناشئة قيادات الحزب الجمهوري التقليدية بأنها تمنح إسرائيل أولوية على حساب المصالح الوطنية الأميركية، وهو خطاب كان حتى وقت قريب محصوراً في الهوامش السياسية، لكنه بدأ يكتسب حضوراً متزايداً داخل المنصات المحافظة وبين الناخبين الشباب.


وتعكس استطلاعات الرأي هذا التحول بصورة واضحة. فقد أظهر استطلاع لمركز “بيو” أن أربعة من كل عشرة جمهوريين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بينما ترتفع النسبة إلى 57% بين الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن خمسين عاماً. كما كشف استطلاع لجامعة كوينيبياك أن واحداً من كل خمسة جمهوريين يرى أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مفرطاً لإسرائيل، وهو رقم تضاعف عدة مرات مقارنة بما كان عليه بعد أحداث السابع من تشرين الأول 2023.


كما أظهرت استطلاعات أجرتها جامعة ميريلاند أن أقل من نصف الجمهوريين يعتبرون العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة مبررة، بينما لم يؤيدها سوى 22% من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، في مؤشر على اتساع الفجوة بين الأجيال داخل الحزب.


ورغم هذه المؤشرات، لا يزال التيار الجمهوري التقليدي يحتفظ بموقف داعم لإسرائيل، إذ أظهر استطلاع لمعهد غالوب أن 70% من الجمهوريين يتعاطفون مع الإسرائيليين أكثر من الفلسطينيين، وإن كانت هذه النسبة قد تراجعت بعشر نقاط مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس بداية تحول تدريجي أكثر منه انقلاباً كاملاً في المزاج السياسي.


ويرى التقرير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بتراجع شعبية نتنياهو، بل بما إذا كانت صورة إسرائيل نفسها بدأت تتغير داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وما إذا كان هذا التحول سيبقى مرتبطاً بشخص نتنياهو، أم سيتحول إلى مراجعة أعمق لطبيعة التحالف الأميركي الإسرائيلي الذي ظل لعقود أحد ثوابت السياسة الخارجية الأميركية.


وتكشف هذه المؤشرات أن التحول الجاري داخل الحزب الجمهوري ليس مجرد خلاف شخصي مع نتنياهو، بل يعكس صعود رؤية جديدة تعتبر أن السياسة الخارجية يجب أن تُقاس حصراً بمدى خدمتها للمصلحة الأميركية المباشرة. ومع تنامي نفوذ تيار “أميركا أولاً”، أصبحت إسرائيل تخضع لأول مرة لاختبار المنفعة السياسية والاستراتيجية، بعد أن كانت لعقود بمنأى عن أي نقاش داخل الأوساط المحافظة. وهذا التحول، إن استمر، قد يعيد صياغة طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب خلال العقد المقبل.


الأرقام الخاصة بالجمهوريين الشباب تحمل دلالات تتجاوز نتائج الاستطلاعات نفسها، لأنها تعكس تغيراً ثقافياً وإعلامياً في مصادر تشكيل الرأي العام المحافظ. فالأجيال الجديدة لم تعد تعتمد على الخطاب الحزبي التقليدي أو المؤسسات الإنجيلية وحدها، بل تتلقى معلوماتها عبر منصات التواصل والإعلام الرقمي، حيث تنتشر صور الدمار في غزة والنقاشات الناقدة للدعم الأميركي لإسرائيل. ومن هنا، قد يتحول هذا التغيير إلى عامل طويل الأمد يصعب على القيادات الجمهورية التقليدية احتواؤه.


ورغم أن المؤسسات الجمهورية الكبرى ما تزال ملتزمة بالدفاع عن إسرائيل، فإن استمرار الحرب في غزة، وتكرار الاحتكاكات بين نتنياهو والإدارة الأميركية، قد يدفع المزيد من السياسيين الجمهوريين إلى إعادة تموضعهم تجنباً لخسارة الناخبين الشباب. وهذا لا يعني بالضرورة انهيار التحالف الأميركي الإسرائيلي، لكنه قد يعني نهاية مرحلة الدعم المطلق غير المشروط، وبداية مرحلة يصبح فيها هذا الدعم مرتبطاً بحسابات انتخابية واستراتيجية أكثر تعقيداً، وبقدرة الحكومات الإسرائيلية على تجنب صدامات متكررة مع واشنطن.

دلالات

شارك برأيك

تصدّع غير مسبوق في القاعدة الجمهورية المؤيدة لإسرائيل… هل بدأت واشنطن تعيد رسم علاقتها بتل أبيب؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.