د. عمر رحال: جوهر أزمة معبر الكرامة لا يرتبط بطريقة سفر المسؤولين بل بسياسات الاحتلال وإجراءاته التي تتحكم بحرية الحركة ضمن العقوبات الجماعية
جهاد حرب: الخطوة مهمة لكن الفلسطينيين بحاجة إلى حلول فعلية تنهي معاناتهم اليومية وتحافظ على كرامتهم وليس إلى إجراءات رمزية فقط
صلاح موسى: وقف خدمة (VIP) من الجانب الفلسطيني بقرار حكومي أمر مهم لأن ذلك يمثل رسالة عملية وحقيقية لترسيخ مبدأ المساواة بين جميع المسافرين
د. جمال حرفوش: قيمة هذه الخطوة تقاس بقدرتها على التحول إلى سياسة عامة دائمة تضع حداً لأي مظاهر للتمييز أو الامتياز غير المبرر في إجراءات السفر
نعمان توفيق العابد: الخطوة قد تُفسر بأنها جاءت للضرورة بعد تعطل خدمات (VIP) وقد ينظر إليها باعتبارها دعاية إعلامية بدلاً من التحول الحقيقي بالنهج
محمد الرجوب: خطوة قد تكون بداية إيجابية من الناحية الرمزية إذا تحولت إلى نهج مؤسسي دائم أما إذا بقيت مبادرة مؤقتة فلن تحقق هدفها في إلغاء الفوارق
رام الله - خاص بـ"القدس"- يثير انتقال عدد من المسؤولين الفلسطينيين بينهم رئيس الوزراء السابق د. محمد اشتية ووزيرة الصحة السابقة د. مي الكيلة، إلى استخدام الحافلات المخصصة للمسافرين عبر معبر الكرامة عقب التوقف المؤقت لخدمة "VIP" اهتماماً واسعاً، بعدما اعتُبر المشهد غير مألوف في ظل الجدل المستمر حول الامتيازات في إجراءات السفر.
وفي الوقت الذي يعتبر فيه بعض الكتاب والمختصين والحقوقيين، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن ما جرى رسالة تؤكد التقارب مع المواطنين، يعتبر آخرون أن الحكم على الخطوة يبقى مرهوناً باستمرارها وتحولها إلى نهج مؤسسي دائم.
وتتقاطع آراؤهم عند أن مشاركة المسؤولين تجربة السفر اليومية تمنحهم فرصة للاطلاع المباشر على معاناة المواطنين، لكنها لا تعفي الجهات المعنية من مسؤولية تنفيذ إصلاحات حقيقية تضمن المساواة والشفافية، وتضع حداً لأي استثناءات أو امتيازات لا تستند إلى أسس واضحة، وكذلك العمل الجاد للضغط باتجاه تنفيذ تسهيلات للمواطنين، ومعالجة القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، إلى جانب تطوير إدارة المعبر وتحسين إجراءات السفر بما يكفل الكرامة والعدالة لجميع المسافرين.
دلالات إيجابية معنوياً ومؤسسياً
يؤكد مدير عام مركز شمس لحقوق الإنسان، الكاتب والمحلل السياسي د. عمر رحال أن ظهور مسؤولين فلسطينيين وهم يسافرون عبر الإجراءات الاعتيادية على معبر الكرامة، ويستخدمون حافلات المسافرين أسوة بباقي المواطنين، يحمل دلالات إيجابية على المستويين المعنوي والمؤسسي، لما يعكسه من تأكيد على مبدأ المساواة بين المسؤول والمواطن أمام الإجراءات، وإيصال رسالة مفادها بأن معاناة السفر ليست حكراً على فئة دون أخرى.
ويوضح رحال أن هذه الخطوة تسهم في تعزيز شعور المواطنين بالمساواة، كما تساعد في تعزيز الثقة بين المواطنين ونظامهم السياسي، لأن المواطن يرى أن المسؤول الذي يشارك في صناعة القرار يعيش الظروف نفسها ويتحمل جانباً من المعاناة اليومية التي يفرضها واقع السفر عبر المعبر، وهو ما يعزز الإحساس بعدم وجود امتيازات في التعامل بين الفلسطينيين.
ويوضح رحال أن وجود المسؤولين وسط المسافرين يمثل أيضاً شكلاً من أشكال الالتصاق المباشر بالجماهير، ويمنحهم فرصة للاطلاع ميدانياً على تفاصيل المعاناة اليومية، بعيداً عن التقارير المكتبية، بما في ذلك الازدحام، وطول ساعات الانتظار، والظروف الإنسانية الصعبة التي يواجهها المرضى وكبار السن والطلبة وسائر المسافرين، الأمر الذي يمكن أن يسهم في نقل الصورة الحقيقية إلى دوائر صنع القرار، ويدعم اتخاذ إجراءات عملية للتخفيف من هذه المعاناة.
جوهر الأزمة بإجراءات الاحتلال
وفي المقابل، يشدد رحال على أن جوهر أزمة معبر الكرامة لا يرتبط بطريقة سفر المسؤولين، وإنما بالسياسات والإجراءات التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تتحكم بحرية حركة الفلسطينيين، من خلال القيود والإغلاقات وتقليص ساعات العمل، في إطار سياسة تضييق مستمرة بحق الشعب الفلسطيني.
ويعتبر رحال أن ما يجري على المعبر يمثل شكلاً من أشكال العقوبات الجماعية، ويتضمن ممارسات تمييزية بحق الفلسطينيين، بما يخالف مبادئ حرية الحركة والقانون الدولي.
أهمية المعالجة الحقيقية
ويشير رحال إلى أن المبادرات الرمزية، رغم أهميتها الأخلاقية ودورها في تعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم، لا يمكن أن تشكل حلاً للأزمة، مؤكداً أن المعالجة الحقيقية تبدأ بإنهاء القيود التي يفرضها الاحتلال، وفتح معبر الكرامة بشكل كامل وعلى مدار 24 ساعة يومياً، بما يكفل حرية تنقل الفلسطينيين ويحفظ كرامتهم الإنسانية.
تقليص الفوارق في المعاملة
ويرى رحال أن الخطوة تحمل أهمية كبيرة في تقليص الفوارق في المعاملة من الناحية المعنوية، لأنها ترسخ مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، وتعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، إلا أن إنهاء الفوارق بصورة كاملة يبقى مرهوناً بإزالة السبب الرئيسي للأزمة، والمتمثل في سياسات الاحتلال، وضمان حرية الحركة لجميع المسافرين دون استثناء، بما يصون حقوقهم وكرامتهم الإنسانية.
الاطلاع المباشر على تجربة سفر المواطنين
يرى مدير مركز ثبات للبحوث واستطلاعات الرأي والباحث في قضايا الحكم والسياسة، جهاد حرب، أن استخدام مسؤولين فلسطينيين للحافلات العامة على معبر الكرامة يحمل أهمية من حيث اطلاعهم المباشر على تجربة المواطنين أثناء السفر، مؤكداً أن معالجة أزمة السفر تتطلب حلولاً أعمق من المبادرات الرمزية.
ويوضح حرب أن تجربة المسؤولين في الانتقال من استراحة أريحا إلى الجانب الإسرائيلي تتيح لهم التعرف عن قرب إلى الصعوبات التي يواجهها المواطنون الفلسطينيون، إلا أن جوهر الأزمة لا يكمن في هذا الجزء من الرحلة، بل في مرحلة العودة عبر الجانب الأردني، حيث يواجه الفلسطينيون مشكلات تتعلق بالفوضى وعدم انتظام آليات الدخول، الأمر الذي أوجد بيئة سمحت لبعض الأشخاص باستغلال حالة الازدحام والتكسب على حساب المسافرين، وفرض أعباء مالية إضافية عليهم.
تحسين ظروف العودة إلى الوطن
ويشير حرب إلى أن المواطنين الفلسطينيين يتعرضون خلال رحلة العودة إلى معاناة تمس كرامتهم، إضافة إلى المضايقات التي قد تطالهم وتطال أبناءهم، وهو ما يجعل أولوية المعالجة تنصب على تحسين ظروف العودة إلى الوطن، أكثر من التركيز على مشاهد سفر المسؤولين في الاتجاه الآخر.
ويوضح حرب أنه لو كانت هذه الزيارات والاطلاع الميداني قد شملت رحلة العودة ورصد المشكلات التي تواجه المواطنين هناك، لكانت أكثر ملاءمة وارتباطاً بجوهر الأزمة.
حلول فعلية تنهي المعاناة
ويؤكد حرب أن أهمية هذه الخطوة لا يمكن تقييمها بمعزل عن معرفة ما إذا كانت قد جاءت نتيجة وجود إشكاليات في مسار خدمة (VIP)، الأمر الذي دفع المسؤولين لاستخدام المسار العادي، مشدداً على أن الفلسطينيين بحاجة إلى حلول فعلية تنهي معاناتهم اليومية وتحافظ على كرامتهم، وليس إلى إجراءات رمزية فقط.
ويدعو حرب إلى العمل على مسارين متوازيين، أولهما تطوير حلول تقنية وفنية مشتركة بين الجانبين الفلسطيني والأردني لتحسين آليات السفر، وثانيهما تكثيف الجهود السياسية وممارسة ضغط جدي وواسع على الجانب الإسرائيلي لمعالجة الأسباب الرئيسية للأزمة، وفي مقدمتها تقليص ساعات العمل على معبر الكرامة وتحديد أعداد المسافرين، باعتبارها الأسباب الأساسية التي فاقمت معاناة الفلسطينيين وأثرت على حرية تنقلهم.
مخاوف من الانطباع السيء بعد انتهاء أزمة (VIP)
يعتبر الكاتب والمستشار القانوني المحامي صلاح موسى أن ظهور عدد من المسؤولين، بينهم عضو اللجنة المركزية لحركة فتح د. محمد اشتية ووزيرة الصحة السابقة د. مي الكيلة، وهم يتنقلون عبر حافلات المسافرين على معبر الكرامة، يمثل خطوة إيجابية في ظل أزمة السفر التي يشهدها المعبر، لكنه يشدد على أن أهمية هذه الخطوة ستظل مرتبطة بما إذا كانت تعكس توجهاً دائماً أم أنها جاءت نتيجة ظروف مؤقتة فرضتها الخلافات القائمة بين الشركات الناقلة.
ويوضح موسى أن هذه الخطوة تستحق الإشادة إذا كانت تعبر عن نهج جديد لدى المسؤولين يقوم على المساواة مع المواطنين في إجراءات السفر، مؤكداً أن البناء عليها يتطلب تحويلها إلى سياسة ثابتة لا ترتبط بأزمات أو ظروف استثنائية.
ويشير موسى إلى أن عودة المسؤولين مستقبلاً إلى استخدام خدمة (VIP) بعد انتهاء الخلاف بين الشركات الناقلة ستترك أثراً سلبياً أكبر من الوضع الحالي، لأنها ستعزز الانطباع بأن ما جرى لم يكن سوى إجراء مؤقت، وتعمق عدم الثقة.
ويؤكد موسى أهمية وقف خدمة (VIP) من الجانب الفلسطيني بقرار حكومي، معتبراً أن ذلك يمثل رسالة عملية وحقيقية لترسيخ مبدأ المساواة بين جميع المسافرين.
وبحسب موسى، فإن تجربة المسؤولين في السفر عبر الحافلات العادية تطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كان بإمكانهم السفر بهذه الطريقة، فلماذا لا يخضع الجميع للإجراءات ذاتها دون تمييز؟
أهمية وجود أكثر من شركة نقل
ويثير موسى تساؤلات حول اقتصار خدمات النقل على معبر الكرامة على شركة أو شركتين فقط، مطالباً بمراجعة هذا الواقع من قبل الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارتا النقل والمواصلات والداخلية والإدارة العامة للمعابر، بما يشمل إعادة النظر في آلية منح التراخيص، وفرض رسوم وضرائب حقيقية على الشركات التي تتمتع بهذه الامتيازات.
ويتساءل موسى عن أسباب عدم إنشاء شركة حكومية تتولى خدمات النقل عبر معبر الكرامة، بحيث تؤول عائداتها إلى خزينة الحكومة بدلاً من ذهابها إلى جهات خاصة، أو إشراك الحكومة كشريك في الشركات القائمة بما يضمن تحقيق منفعة عامة وتعزيز الرقابة على هذا القطاع.
أهمية تعزيز الشفافية
ويؤكد موسى أهمية تعزيز الشفافية من خلال نشر الأسس التي مُنحت بموجبها امتيازات النقل، والإفصاح عن الجهات المالكة للشركات، وحجم الرسوم والضرائب التي تدفعها، داعياً إلى أن يتم ذلك بالتنسيق مع وزارة المالية، لما لذلك من أهمية في إشراك الجمهور بالمعلومات المتعلقة بإدارة هذا القطاع.
ويشير موسى إلى ضرورة توضيح ما إذا كانت تكاليف سفر الشخصيات الرسمية تتحملها السلطة الفلسطينية أم لا ونشر ذلك المواطنين، معتبراً أن إعلان هذه المعلومات للرأي العام يشكل جزءاً من متطلبات الشفافية وتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية.
بعد رمزي مهم
يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، د. جمال حرفوش، أن ظهور مسؤولين وهم يتنقلون عبر حافلات المسافرين على معبر الكرامة يحمل بعداً رمزياً مهماً، كونه يعكس مبدأ المساواة أمام القانون والمرافق العامة، ويؤكد أن المسؤول العام يجب أن يكون جزءاً من الواقع الذي يعيشه المواطن، لا بمنأى عنه.
ويشدد حرفوش على أن قيمة هذه الخطوة لا ينبغي أن تقاس بأثرها الإعلامي أو السياسي، وإنما بقدرتها على التحول إلى سياسة عامة دائمة تضع حداً لأي مظاهر للتمييز أو الامتياز غير المبرر في إجراءات السفر.
ليست أزمة أشخاص
ويوضح حرفوش أن الأزمة التي يشهدها معبر الكرامة ليست أزمة أشخاص، وإنما أزمة إدارة وإجراءات وبنية تشغيلية، والضغط على الاحتلال والجانب الأردني من أجل الإسهام في حلها.
ويؤكد حرفوش أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يقوم على مبادئ الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص في استخدام المرفق العام، بما يضمن معاملة جميع المسافرين على قدم المساواة.
ويشير حرفوش إلى أن حرية التنقل تعد من الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها المادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لافتاً إلى أن أي معاملة تفضيلية لا تستند إلى أساس قانوني واضح ومعلن تثير تساؤلات تتعلق بمبدأ المساواة وسيادة القانون.
أهمية الإجراءات العملية
ويرى حرفوش أن جلوس المسؤول في حافلة المسافرين يبعث برسالة إيجابية إذا كان يعكس التزاماً دائماً بالمساواة، لكنه لن يكون كافياً ما لم يترافق مع إجراءات عملية تنهي أي استغلال أو امتيازات غير مبررة وتحقق العدالة لجميع المسافرين.
ويؤكد حرفوش أن إلغاء الفوارق في المعاملة لا يتحقق عبر ممارسات فردية، وإنما من خلال قواعد مؤسسية ملزمة تطبق على الجميع دون تمييز، بحيث تصبح المساواة هي الأصل، بينما تبقى الاستثناءات محكومة بالقانون ولضرورات محددة وواضحة.
البحث عن المساواة الفعلية
ويشدد حرفوش على أن المواطن لا يبحث عن مساواة شكلية، بل عن مساواة فعلية يشعر من خلالها بأن جميع المسافرين يخضعون للإجراءات ذاتها، وأن أي أولوية تمنح فقط للحالات الإنسانية أو الطبية أو الرسمية الطارئة وفق معايير معلنة، وليس على أساس المنصب أو النفوذ أو العلاقات الشخصية.
ويؤكد حرفوش أن تعزيز الثقة بالمؤسسات يتطلب التزام المسؤولين بالقواعد نفسها التي يلتزم بها المواطن، وإدارة المرافق العامة وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة وسيادة القانون، مع تنظيم آليات السفر بصورة عادلة، وتوحيد الإجراءات، وتعزيز الرقابة على تنفيذها، بما يضمن إنهاء أي امتيازات خارج إطار القانون، ويحول الرسائل الرمزية إلى إصلاح مؤسسي حقيقي يشعر معه كل مسافر بأن كرامته مصونة وحقوقه محترمة، بما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
أزمة السفر جزء من ملفات عديدة
يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية، نعمان توفيق العابد، أن أزمة السفر على معبر الكرامة لا يمكن التعامل معها باعتبارها قضية منفصلة عن مجمل التحديات التي تواجه الإدارة الداخلية الفلسطينية، بل هي جزء من ملفات عديدة تحتاج إلى إعادة ترتيب وتنظيم، وتتطلب اهتماماً أكبر من القيادة والحكومة الفلسطينية بما يعزز قدرتها على إدارة شؤون المواطنين ومعالجة المشكلات التي تواجههم بصورة عملية ومستدامة، رغم أن جوهر الأزمة هو الاحتلال الإسرائيلي.
ويوضح العابد أن أزمة السفر عبر معبر الكرامة تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا التي تؤرق الفلسطينيين، سواء للمغادرين أو العائدين إلى الوطن، مشيراً إلى أن الراغبين في العودة أصبحوا يفكرون ملياً قبل اتخاذ قرار السفر بسبب ما يرافق رحلة العودة من صعوبات ومعاناة، الأمر الذي يعكس حجم الأزمة وتأثيرها المباشر على حياة المواطنين.
ويشير العابد إلى أن هذه الأزمة ليست جديدة أو مرتبطة بظرف آني، وإنما هي مشكلة قديمة ومتجددة تتكرر باستمرار، وفي كل مرة تتجدد معها النقاشات والزيارات الرسمية والتقاط الصور، دون الوصول إلى حلول جذرية تنهي معاناة المسافرين.
ويرى العابد أن الحكومة الفلسطينية كان يفترض أن تولي هذا الملف اهتماماً أكبر، رغم أن المسؤولية لا تقع على الجانب الفلسطيني وحده، وإنما ترتبط أيضاً بالتنسيق مع الأردن وبالإجراءات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي.
أهمية تعزيز التعاون مع الأردن
ويدعو العابد إلى تعزيز التعاون مع الأردن، مستفيداً من طبيعة العلاقات الجيدة بين الجانبين، والعمل بصورة مشتركة للضغط على إسرائيل، إلى جانب الاستفادة من علاقات الأردن وعدد من الدول، ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، من أجل التوصل إلى حل دائم للأزمة، بدلاً من الاكتفاء بمعالجات مؤقتة لا تلبث أن تعود معها المشكلة من جديد.
وفيما يتعلق بتداول صور مسؤولين فلسطينيين يستخدمون وسائل السفر الاعتيادية عبر المعبر، يؤكد العابد أن هذه الخطوة قد تُفسر على أنها جاءت في إطار الضرورة بعد تعطل خدمات (VIP)، وقد ينظر إليها باعتبارها دعاية إعلامية أكثر من كونها تحولاً حقيقياً في النهج، معرباً عن أمله في أن يصبح استخدام المسؤولين للإجراءات ذاتها التي يخضع لها المواطنون سياسة دائمة لا ترتبط بظروف استثنائية.
إعادة النظر في خدمة (VIP)
ويشدد على ضرورة إعادة النظر في خدمة (VIP)، معتبراً أن فكرة وجودها كانت خاطئة منذ البداية، وأنها أصبحت تشكل عبئاً مادياً على المواطنين، بل وتحولت، في بعض الحالات، إلى وسيلة ضغط تدفع المسافرين لاستخدامها بدلاً من تسهيل سفرهم عبر الإجراءات الطبيعية. ويؤكد العابد أن الحل الأمثل يتمثل في إلغائها نهائياً، وتحسين خدمات السفر لجميع المواطنين دون تمييز، بما يحفظ كرامة الفلسطينيين ويحقق المساواة الكاملة بينهم، كما سيدفع المسؤولين إلى تكثيف جهودهم والضغط من أجل تحسين ظروف السفر للجميع، بدلاً من الاقتصار على الاستفادة من مسارات استثنائية.
أزمة معبر الكرامة ليست طارئة
يؤكد الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية، محمد الرجوب، أن تداول صور مسؤولين وهم يتنقلون عبر حافلات المسافرين على معبر الكرامة، في ظل أزمة السفر المتفاقمة، قد يحمل دلالة رمزية إيجابية، لكنه لا يمثل حلاً حقيقياً للمشكلة ما لم يقترن بإصلاحات مؤسسية شاملة تنهي حالة التفاوت في المعاملة وتؤسس لمنظومة عادلة وشفافة تطبق على الجميع دون استثناء.
ويوضح الرجوب أن أزمة معبر الكرامة ليست أزمة طارئة أو مرتبطة بظروف استثنائية، وإنما أزمة مزمنة يعيشها الفلسطينيون منذ سنوات طويلة، وتتجسد في ساعات الانتظار الطويلة، والاكتظاظ، وعدم القدرة على التنبؤ بموعد العبور، إضافة إلى شعور المواطنين بوجود تفاوت في المعاملة بين المسافرين، الأمر الذي رسخ لدى كثيرين صورة ذهنية قائمة على وجود امتيازات لفئات معينة، في مقابل معاناة المواطن العادي.
المقدرة على معالجة جذور الأزمة
ويشير الرجوب إلى أن تكرار مشاهد المسؤولين داخل حافلات المسافرين يعيد طرح السؤال نفسه في كل أزمة، وهو ما إذا كانت المشكلة تكمن في غياب هذه الصور أم في غياب السياسات القادرة على معالجة جذور الأزمة. ويرى الرجوب أن ما جرى أمر مهم، لكن اختزال القضية في مشهد رمزي يحول الأنظار عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بأسباب استمرار الأزمة لسنوات، وعدم مراجعة آليات السفر والامتيازات والاستثناءات، ووضع نظام واضح وعادل يقلل معاناة المسافرين.
ويشدد الرجوب على أن المواطن الفلسطيني لا يبحث عن مشهد إنساني عابر أو رسالة إعلامية، وإنما عن حقه في معاملة متساوية، يخضع فيها الجميع للإجراءات نفسها، بعيداً عن النفوذ أو العلاقات الشخصية أو المكانة الوظيفية.
ويعتبر الرجوب أن تكرار هذه المشاهد، مع بقاء الواقع على حاله، قد يحولها إلى محاولة لتحسين الصورة أكثر من كونها تعبيراً عن تغيير حقيقي، ما قد يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين بالرسائل الرسمية.
الإدارة الرشيدة والإصلاحات المباشرة
ويشير الرجوب إلى أن إدارة الأزمات لا تتم عبر الصور والكاميرات، بل من خلال الإدارة الرشيدة والإصلاحات المباشرة القابلة للقياس، داعياً إلى اتخاذ قرارات واضحة، ومراجعة الإجراءات، ومحاسبة أي استغلال أو تجاوز، والإعلان عن معايير شفافة لأي استثناءات ضرورية، بحيث تقتصر على الحالات الإنسانية أو الطبية أو المهام الرسمية العاجلة، وأن تكون محكومة بالقانون لا بالنفوذ.
ويلفت الرجوب إلى أن النقاش حول معبر الكرامة يجب ألا يغفل القيود والإجراءات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، والتي تؤثر بصورة مباشرة في حركة السفر.
ويؤكد الرجوب أن هذا الواقع لا يمنع من مراجعة كل ما يمكن تحسينه فلسطينياً، وكذلك على الجانب الأردني، وفي مقدمة ذلك تعزيز الشفافية، وتحقيق العدالة في المعاملة، وتقليص الامتيازات غير المبررة، وتطوير النظام الإداري للمعبر.
مقدمة لبداية إيجابية
ويرى الرجوب أن الخطوة المتمثلة بسفر بعض المسؤولين عبر الحافلات قد تكون بداية إيجابية من الناحية الرمزية إذا تحولت إلى نهج مؤسسي دائم، أما إذا بقيت مبادرة مؤقتة أو مناسبة إعلامية، فلن تحقق هدفها في إلغاء الفوارق.
ويشدد الرجوب على أن المساواة لا تتحقق بالصور، وإنما بقرارات وإصلاحات تجعل القانون المرجعية الوحيدة في تنظيم السفر، بحيث يخضع الجميع للإجراءات ذاتها، وعندها فقط يصبح الواقع، وليس الصورة، الدليل الحقيقي على العدالة.
فلسطين
الإثنين 29 يونيو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
سفر المسؤولين.. اختبار المساواة بين الـ"VIP" والحافلات