اسرائيليات

الإثنين 29 يونيو 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس

استثمار لا صدقة.. كيف تستفيد واشنطن من تسليح إسرائيل؟

يرى مراقبون إسرائيليون أن الجدل الدائر في الأوساط السياسية الأمريكية حول تقييد المساعدات العسكرية لإسرائيل يتجاهل حقائق استراتيجية جوهرية. ويؤكد دافيد بن باسات، رئيس اتحاد الإذاعات العبرية أن هذه المساعدات ليست مجرد هبات ناتجة عن التعاطف، بل هي استثمار مدروس يحقق عوائد أمنية واقتصادية مباشرة للولايات المتحدة.

وتأتي هذه القراءات رداً على تلميحات صدرت عن مسؤولين أمريكيين، من بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، حول إمكانية استخدام توريد السلاح كأداة ضغط سياسي. ويرى الجانب الإسرائيلي أن هذه الرؤية تعكس معرفة جزئية بالواقع المعقد للتحالف الذي يربط البلدين منذ عقود طويلة.

تبلغ قيمة المساعدات السنوية الحالية نحو 3.8 مليارات دولار، ضمن اتفاقية إطارية تمتد لعشر سنوات وتنتهي في عام 2028 بإجمالي يصل إلى 38 مليار دولار. ومع ذلك، فإن هذه الأموال لا تخرج فعلياً من الاقتصاد الأمريكي، حيث تُلزم الاتفاقية إسرائيل بإنفاقها بالكامل تقريباً على شراء معدات دفاعية من المصانع الأمريكية.

إن تدفق هذه المليارات يعود مباشرة إلى خزائن شركات التصنيع العسكري في الولايات المتحدة، مما يساهم في دعم عشرات الآلاف من فرص العمل في مختلف الولايات. وبهذا المعنى، تتحول المساعدات العسكرية إلى برنامج تشغيل وطني أمريكي يعزز سلاسل الإنتاج الدفاعي والابتكار التكنولوجي.

علاوة على الجانب المالي، تعمل إسرائيل كمختبر عملياتي فريد من نوعه للأسلحة الأمريكية المتطورة في ظروف قتالية حقيقية. ويتم اختبار أنظمة الدفاع الصاروخي، والذكاء الاصطناعي، ووسائل الحرب السيبرانية في الميدان، ثم تُنقل هذه الخبرات والدروس المستفادة مباشرة إلى المؤسسات الأمنية في واشنطن.

وتشير التقارير إلى أن التعاون في تطوير أنظمة مثل 'القبة الحديدية' و'مقلاع داود' قد منح الجيش الأمريكي تفوقاً تكنولوجياً كبيراً. حيث يتم إنتاج أجزاء حيوية من هذه المنظومات داخل الأراضي الأمريكية، مما يضمن بقاء المعرفة التقنية والقدرة الإنتاجية تحت إشراف مشترك.

وفي سياق العمليات الميدانية، يزعم المحللون أن التحركات العسكرية الإسرائيلية ضد أطراف إقليمية تساهم في حماية مصالح واشنطن دون الحاجة لتدخل أمريكي مباشر. وهذا الدور يقلل من ضرورة وجود عسكري أمريكي واسع النطاق في الشرق الأوسط، وهو ما يوفر على الميزانية الأمريكية تكاليف باهظة.

وبالمقارنة مع تكاليف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، تبرز إسرائيل كحليف لا يتطلب نشر قوات أمريكية على أراضيه للدفاع عنه. فعلى سبيل المثال، تتكلف قاعدة 'العديد' في قطر مبالغ طائلة سنوياً للصيانة والتشغيل، بينما تعتمد إسرائيل على قدراتها الذاتية المدعومة بالتكنولوجيا الأمريكية.

أما في المجال الاستخباراتي، فإن التعاون بين الطرفين يوفر للولايات المتحدة معلومات حيوية لا تقدر بثمن حول التهديدات الإقليمية. وقد أقرت مصادر أمريكية في مناسبات عدة بأن المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية ساهمت في إحباط هجمات كانت تستهدف مصالح ومدنيين أمريكيين حول العالم.

ويرى بن باسات أن مطالبة إسرائيل بالامتثال الكامل للسياسة الأمريكية مقابل السلاح يمس بسيادتها وقدرتها على اتخاذ قرارات أمنية مصيرية. ويتساءل المحللون عما إذا كانت واشنطن ستقبل بضغوط مماثلة من طرف أجنبي لو تعرضت لهجمات واسعة النطاق على أراضيها ومواطنيها.

إن التحالف الاستراتيجي بين الطرفين يقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، حيث تحصل إسرائيل على التفوق النوعي، بينما تحصل واشنطن على نفوذ إقليمي واستقرار لحلفائها. وهذا التوازن يضمن بقاء الولايات المتحدة كلاعب أساسي في المنطقة عبر وكيل قوي ومستقر يمتلك أحدث التقنيات العسكرية.

ومنذ أحداث السابع من أكتوبر، زادت أهمية إسرائيل كمصدر للمعرفة في حروب المدن والتعامل مع الأنفاق والطائرات المسيرة. وتُدرس هذه الدروس العملياتية اليوم في الأكاديميات العسكرية الأمريكية لتطوير مفاهيم القتال المستقبلية للجيش الأمريكي في مواجهة التهديدات غير التقليدية.

وفي نهاية المطاف، يخلص التحليل إلى أن أي نقاش حول قطع أو تقليص المساعدات يجب أن يأخذ في الحسبان التكلفة الاستراتيجية التي ستتحملها واشنطن. فغياب الشريك الإسرائيلي القوي قد يضطر الولايات المتحدة لاستثمار موارد بشرية ومالية أكبر بكثير لحماية مصالحها في الشرق الأوسط.

لذلك، تظل المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل أداة حيوية في السياسة الخارجية لواشنطن، تتجاوز مجرد الدعم العسكري لتشمل أبعاداً اقتصادية وتقنية واستخباراتية. وهي علاقة يصفها الخبراء بأنها 'زواج مصالح' لا يمكن فصمه بسهولة دون إلحاق الضرر بالأمن القومي لكلا الطرفين.

دلالات

شارك برأيك

استثمار لا صدقة.. كيف تستفيد واشنطن من تسليح إسرائيل؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.