رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات-25/6/2026
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن أي أموال إيرانية يجري الإفراج عنها بموجب اتفاق سلام محتمل بين واشنطن وطهران ستبقى تحت رقابة أميركية مباشرة، ولن يُسمح باستخدامها إلا لشراء المواد الغذائية والإمدادات الطبية من الولايات المتحدة، في خطوة تعكس استمرار سياسة الضغوط الاقتصادية حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية تنهي المواجهة بين البلدين.
وقال ترمب، في منشور على منصة "تروث سوشال"، إن الأموال أو الإعفاءات المرتبطة بالعقوبات التي ستوافق وزارة الخزانة الأميركية على الإفراج عنها ستُوضع في حسابات ضمان خاضعة للسيطرة الأميركية، وستُستخدم حصراً لشراء الأغذية والأدوية، بما في ذلك الذرة والقمح وفول الصويا من المزارعين الأميركيين.
وبرر الرئيس الأميركي هذا التوجه بوجود ما وصفه بـ"الأزمة الإنسانية" داخل إيران، مؤكداً أن توفير المواد الأساسية بات ضرورة ملحة ينبغي التعامل معها قبل فوات الأوان. غير أن صيغة التصريحات الأميركية تعكس أيضاً رغبة واضحة في منع طهران من توظيف أي أموال مفرج عنها في إعادة بناء قدراتها العسكرية أو دعم حلفائها الإقليميين.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران مرحلة دقيقة تهدف إلى تثبيت وقف الأعمال العسكرية والتوصل إلى إطار سياسي وأمني طويل الأمد. وكانت إيران قد شددت مراراً على أن رفع العقوبات الاقتصادية وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج يشكلان شرطاً أساسياً لأي اتفاق نهائي.
وفي مؤشر إلى حجم الخلافات التي لا تزال قائمة، أعلن ترمب أن إيران وافقت على “أعلى مستويات التفتيش النووي إلى ما لا نهاية”، معتبراً أن ذلك سيضمن ما سماه “الصدق النووي”. وأضاف أن استمرار المفاوضات كان مستحيلاً من دون قبول طهران بهذا الشرط.
لكن هذه التصريحات اصطدمت سريعاً بموقف إيراني معاكس. فبعد يوم واحد من إعلان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن إيران وافقت على السماح للمفتشين الدوليين بمراقبة منشآتها النووية، نفت وزارة الخارجية الإيرانية وجود أي اتفاق من هذا النوع، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن حقيقة التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال الجولات الأخيرة من الاتصالات غير المباشرة.
ويعيد هذا التناقض إلى الأذهان الخلافات التي أحاطت بالاتفاق النووي المبرم عام 2015، والذي تضمن نظام تفتيش دولياً واسع النطاق اعتبر حينها الأكثر صرامة في تاريخ الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ورغم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 خلال الولاية الأولى لترمب، استمرت إيران لفترة طويلة في السماح بعمليات التفتيش الدولية، قبل أن تتدهور العلاقة بشكل حاد إثر الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت أراضيها ومنشآتها خلال العام الماضي، ما دفعها إلى طرد المفتشين ووقف أشكال واسعة من التعاون الرقابي.
ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تحاول بناء اتفاق جديد يختلف عن اتفاق عام 2015 من حيث آليات التنفيذ والرقابة. فبدلاً من الاكتفاء برفع العقوبات مقابل القيود النووية، تسعى واشنطن إلى الاحتفاظ بأدوات ضغط اقتصادية تتيح لها مراقبة حركة الأموال الإيرانية والتحكم بوجهة استخدامها، وهو ما قد يثير اعتراضات إيرانية واسعة باعتباره انتقاصاً من السيادة الوطنية.
كما تعكس تصريحات ترمب رغبة في طمأنة المعارضين داخل الولايات المتحدة وإسرائيل الذين يخشون أن يؤدي أي تخفيف للعقوبات إلى منح طهران موارد مالية إضافية يمكن استخدامها لتعزيز نفوذها الإقليمي. ولهذا السبب تبدو الإدارة الأميركية حريصة على التأكيد أن الأموال المفرج عنها لن تكون متاحة للحكومة الإيرانية بصورة مباشرة، بل ستخضع لرقابة أميركية دقيقة.
وتكشف صيغة التعامل المقترحة مع الأموال الإيرانية عن فلسفة أميركية جديدة في إدارة الصراعات، تقوم على الجمع بين التسوية السياسية والإبقاء على أدوات الهيمنة الاقتصادية. فواشنطن لا تبدو مستعدة للتخلي عن نفوذها المالي حتى في حال إنهاء النزاع، بل تسعى إلى تحويل هذا النفوذ إلى جزء دائم من أي اتفاق مستقبلي. ومن منظور إيراني، قد يُنظر إلى هذه الشروط باعتبارها استمراراً للعقوبات بأدوات مختلفة، الأمر الذي قد يعقد فرص التوصل إلى اتفاق نهائي ومستقر، ويجعل المفاوضات تدور حول تفاصيل التنفيذ أكثر من المبادئ السياسية الكبرى.
كما أن التناقض بين التصريحات الأميركية والإيرانية بشأن التفتيش النووي يعكس فجوة ثقة عميقة تراكمت على مدى سنوات من المواجهة. فطهران ما زالت تستحضر تجربة الانسحاب الأميركي الأحادي من اتفاق عام 2015، وترى أن أي التزام جديد يجب أن يقابله ضمان حقيقي بعدم تكرار السيناريو ذاته. في المقابل، تسعى واشنطن إلى الحصول على آليات رقابة أشد صرامة مما كان معمولاً به سابقاً. وبين هذين الموقفين، تبدو المفاوضات معرضة لانتكاسات متكررة ما لم يتم التوصل إلى صيغة توازن بين متطلبات الأمن الأميركي ومطالب السيادة الإيرانية.
وعلى المستوى الإقليمي، لا يقتصر الجدل حول الأموال المجمدة والتفتيش النووي على العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، بل يمتد إلى حسابات إسرائيل ودول الشرق الأوسط. فنجاح أي اتفاق قد يفتح الباب أمام مرحلة من التهدئة الإقليمية، بينما قد يؤدي فشله إلى إعادة إنتاج دوامة التصعيد العسكري. كما أن إسرائيل تواصل الضغط من أجل فرض قيود مشددة على البرنامج النووي الإيراني وعلى القدرات الصاروخية لطهران، الأمر الذي يجعل أي اتفاق مستقبلي محكوماً أيضاً بموازين القوى الإقليمية وبقدرة الإدارة الأميركية على التوفيق بين مصالح حلفائها ومتطلبات التسوية مع إيران.





شارك برأيك
ترمب يربط الإفراج عن الأموال الإيرانية برقابة أميركية صارمة ومفاوضات النووي تواجه تناقضات جديدة