عاجل: رسالة واشنطن
انتصارات التقدميين المدعومين من زهران ممداني تعكس تحولاً متسارعاً داخل الحزب الديمقراطي تجاه غزة وفلسطين
واشنطن – سعيد عريقات-24/6/2026
أظهرت نتائج الانتخابات التمهيدية الديمقراطية التي جرت في 23 حزيران في ولاية نيويورك تحولات سياسية عميقة داخل الحزب الديمقراطي، حيث نجح عدد من المرشحين التقدميين المنتقدين للسياسات الإسرائيلية في تحقيق انتصارات لافتة على مرشحين محسوبين على المؤسسة الحزبية التقليدية، في نتائج اعتبرها مراقبون نكسة سياسية لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، ورسالة واضحة بأن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لم يعد عبئاً انتخابياً كما كان يُنظر إليه خلال العقود الماضية.
وبرز اسم عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني بوصفه الشخصية السياسية الأكثر تأثيراً في هذه الانتخابات، بعدما لعب دوراً محورياً في دعم وتعبئة الناخبين لصالح مجموعة من المرشحين التقدميين الذين تبنوا مواقف ناقدة للحرب الإسرائيلية على غزة وداعمة لحقوق الفلسطينيين.
وكان أبرز الانتصارات فوز براد لاندر في الدائرة العاشرة للكونغرس، التي تضم أجزاء من مانهاتن وبروكلين، على النائب الحالي دان غولدمان، أحد أبرز المدافعين عن إسرائيل داخل الكونغرس. وتحولت المنافسة بين الرجلين إلى مواجهة سياسية حول مستقبل الحزب الديمقراطي وموقفه من الحرب على غزة، حيث نجح لاندر في استقطاب أصوات الشباب والتقدميين الذين أبدوا استياءً متزايداً من الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل.
وفي الدائرة الثالثة عشرة، حققت داراليزا أفيلا شوفالييه مفاجأة كبيرة بإطاحتها بالنائب المخضرم أدريانو إسبايلات، أحد أبرز وجوه المؤسسة الديمقراطية في نيويورك. ورأى مراقبون أن هذه النتيجة تعكس تنامي نفوذ الجناح التقدمي داخل الحزب، خصوصاً بين الناخبين اللاتينيين والشباب الذين جعلوا من الحرب على غزة إحدى القضايا المركزية في خياراتهم الانتخابية.
كما فازت كلير فالدز بترشيح الحزب الديمقراطي في الدائرة السابعة بعد هزيمة أنطونيو رينوسو، مستندة إلى حملة ركزت على العدالة الاجتماعية وضرورة إعادة تقييم المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وهي قضية كانت حتى وقت قريب من المحرمات السياسية داخل العديد من الدوائر الديمقراطية.
ومن بين أكثر النتائج دلالة، فوز الفلسطينية الأميركية عبير قواس بمقعد في مجلس شيوخ ولاية نيويورك عن دائرة في كوينز، بعد تغلبها على منافس مدعوم من المؤسسة الحزبية. واعتبر ناشطون أن هذا الفوز يحمل رمزية خاصة، إذ يعكس صعود جيل جديد من السياسيين العرب والفلسطينيين الأميركيين القادرين على الفوز في انتخابات كبرى دون التخلي عن هويتهم أو مواقفهم الداعمة للقضية الفلسطينية.
ويرى محللون أن القاسم المشترك بين هذه الانتصارات يتمثل في الدعم السياسي والتنظيمي الذي وفره زهران ممداني، الذي نجح منذ انتخابه عمدة لنيويورك في بناء تحالف واسع من الشباب والنقابات والحركات التقدمية. وقد تحولت شبكة ممداني السياسية إلى قوة انتخابية مؤثرة داخل المدينة، قادرة على حشد آلاف المتطوعين والناخبين خلف مرشحين يتبنون أجندة تقدمية تشمل العدالة الاقتصادية والحقوق المدنية والدفاع عن الفلسطينيين.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية لأنها تأتي في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، وتصاعد الانتقادات الدولية لحكومة بنيامين نتنياهو بسبب العمليات العسكرية التي خلفت عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين، إلى جانب التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب لبنان.
ويقول مراقبون إن الرسالة التي حملتها انتخابات نيويورك تتجاوز حدود الولاية نفسها، إذ تشير إلى تغير ملموس في المزاج السياسي داخل قطاعات واسعة من الحزب الديمقراطي، خصوصاً بين الناخبين الشباب الذين باتوا أكثر استعداداً لانتقاد السياسات الإسرائيلية من الأجيال السابقة.
تكشف هذه الانتخابات عن تراجع فعالية الاستراتيجية التي اعتمدتها «أيباك» لعقود، والقائمة على استخدام الإنفاق الانتخابي الضخم لعزل أو هزيمة المرشحين المنتقدين لإسرائيل. فبينما لا تزال المنظمة تمتلك موارد مالية هائلة ونفوذاً واسعاً في واشنطن، فإن نتائج نيويورك توحي بأن المال السياسي لم يعد العامل الحاسم الوحيد في الانتخابات الديمقراطية. لقد أثبتت الحملات الشعبية والتنظيم الميداني والاعتماد على المتطوعين قدرة متزايدة على منافسة التمويل الضخم، خصوصاً عندما ترتبط بقضايا أخلاقية وإنسانية تشغل الرأي العام، مثل الحرب على غزة وحقوق الفلسطينيين.
كما يبرز زهران ممداني بوصفه أحد أهم الوجوه السياسية الصاعدة في الولايات المتحدة. فنجاحه لم يقتصر على الفوز بمنصب عمدة نيويورك، بل امتد إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية داخل المدينة عبر بناء تحالف تقدمي متعدد الأعراق والخلفيات. وقد أظهرت الانتخابات الأخيرة أن تأثيره بات يتجاوز حدود منصبه التنفيذي ليصبح عاملاً حاسماً في ترجيح كفة المرشحين الذين يدعمهم. وهذا يمنحه مكانة متقدمة داخل الحزب الديمقراطي ويجعله نموذجاً جديداً لقيادة سياسية تجمع بين العمل البلدي والتنظيم الشعبي والتأثير الانتخابي الواسع.
وقد تنظر دوائر قريبة من الرئيس ترمب إلى هذه النتائج باعتبارها شأناً داخلياً يخص الحزب الديمقراطي، إلا أن دلالاتها الوطنية أوسع بكثير. فالصعود المتواصل للتيار التقدمي المؤيد للحقوق الفلسطينية يشير إلى تحول تدريجي في الرأي العام الأميركي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وإذا استمرت هذه الاتجاهات خلال السنوات المقبلة، فقد تجد الإدارات الأميركية المتعاقبة نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في بعض المسلمات التقليدية التي حكمت العلاقة مع إسرائيل لعقود، خصوصاً مع تزايد الضغوط الشعبية المطالبة بربط الدعم الأميركي باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.





شارك برأيك
انتخابات نيويورك التمهيدية توجه صفعة لـ"أيباك" وحلفاء نتنياهو