تحليل

الأربعاء 24 يونيو 2026 5:53 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تتوقف الحروب عن إنتاج النهايات

في الشرق الأوسط وخارجه، يتآكل بهدوء افتراض قديم ظل يحكم التفكير في الحرب لعقود: أن القوة العسكرية، إذا استُخدمت بشكل كافٍ وحاسم، قادرة على إنتاج نتيجة سياسية نهائية. من إيران إلى غزة، ومع اتساع المنافسة بين القوى الكبرى، تتجه الصراعات بشكل متزايد بعيدًا عن النهايات الواضحة، نحو حالة أكثر التباسًا يمكن وصفها بـ“إدارة الصراع” بدل حسمه.

تقع إيران في قلب هذا التحول. فهي ليست دولة تسير نحو هيمنة إقليمية محسومة، ولا هي في مسار انهيار استراتيجي واضح. بل تبدو عالقة في “مساحة رمادية” تتداخل فيها أدوات الاحتواء مع ديناميات التصعيد، حيث يُرفع مستوى الضغط وتُدار كلفة النفوذ، دون أن يترجم ذلك إلى نتيجة نهائية مستقرة.

هذا الواقع يعكس تحولًا أعمق في طبيعة الحرب نفسها. فالحرب المعاصرة لم تعد حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل أصبحت منظومة متعددة المستويات تتداخل فيها الأدوات العسكرية مع الاقتصاد، والضغط المالي، والحرب السيبرانية، وصراعات الوكالة، والتأثير الإعلامي. وفي هذا السياق، لم تعد الحرب تُخاض في ميدان واحد، بل في شبكة ممتدة من الساحات المتداخلة.

الأهم من ذلك أن الحرب لم تعد تنتج نتائج خطية. فـامتلاك القدرة لم يعد يعني بالضرورة القدرة على إنتاج نتيجة سياسية مستقرة، لأن الانتقال من القوة إلى النتيجة أصبح مشروطًا بعوامل أكثر تعقيدًا: البيئة الدولية، توازنات الردع، الكلفة السياسية، واستجابة الخصم. وهكذا أصبحت “المسافة بين القوة والنتيجة” هي نفسها مساحة السياسة الحديثة.

كما أن طبيعة الكلفة في الحرب تغيرت جذريًا. فالتطور التكنولوجي في الدقة النارية والمراقبة جعل الضربات أكثر تحديدًا، لكنه في الوقت نفسه رفع حساسية الخسائر في البيئات المدنية. ومع كثافة العمران وتداخل المدني والعسكري، أصبحت أي مواجهة واسعة تولد كلفة بشرية وسياسية عالية في زمن قصير، لا يمكن عزله عن الضغط الإعلامي الفوري وعن تداعيات الشرعية الدولية. وبذلك لم تعد الحرب قابلة للاحتواء داخل ميدانها التقليدي.

الأطروحات التي تتحدث عن “حدود القوة الصلبة” تلتقط جزءًا من الصورة، لكنها تبسطها أحيانًا. فالمشكلة ليست في تراجع القوة، بل في تحول وظيفتها: من أداة للحسم إلى أداة لإدارة التوازن. لم تعد القوة تُستخدم لإنهاء الصراعات، بل لتحديد سقوفها: ردع، احتواء، ورفع كلفة الانفلات.

هذا التحول لا يقتصر على الشرق الأوسط. فالصين تمارس نفوذها عبر الاقتصاد وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا وإعادة تشكيل الاعتماد المتبادل، بينما توظف روسيا مزيجًا من القوة العسكرية والأدوات السيبرانية والنفوذ في المناطق الرمادية لإعادة تشكيل الوقائع الجيوسياسية. في الحالتين، تصبح القوة أداة تموضع طويل الأمد أكثر من كونها أداة حسم نهائي.

وفي هذا الإطار، تبدو السياسة الأمريكية تجاه إيران أقرب إلى إدارة التوازن منها إلى السعي للحسم. فواشنطن تعمل على احتواء النفوذ الإيراني، ورفع كلفة التوسع الإقليمي، وتعزيز بنية ردع متعددة الأطراف، مع تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة يصعب التحكم بنتائجها. إنها مقاربة تقوم على ضبط الإيقاع لا إنهاء اللعبة.

وفي هذا الإطار، يُعاد دمج دول الخليج داخل منظومة ردع أوسع، حيث تُعزز قدراتها العسكرية والأمنية، لكنها تبقى ضمن سقف محسوب يمنع تحولها إلى مراكز قوة مستقلة قادرة على إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بشكل منفلت. وفي الخلفية، يظل التفوق العسكري النوعي لإسرائيل عنصرًا ثابتًا في هندسة هذا التوازن غير المستقر.

لكن هذا النمط لا يظهر بشكل متجانس في كل الساحات. فالحرب في غزة تقدم مثالًا مختلفًا على حدود الحسم العسكري في العصر الحديث. فقد بدأت بمنطق أقرب إلى الحروب التقليدية: أهداف عسكرية واضحة، استخدام مكثف للقوة، وتوقعات بإمكانية تحقيق نتيجة سريعة. غير أن هذا المسار اصطدم سريعًا بقيود بنيوية، أبرزها صعوبة تحقيق حسم في بيئة حضرية كثيفة، وارتفاع الكلفة البشرية الناتج عن الدقة العالية للأسلحة الحديثة، وتداخل المدني والعسكري، إضافة إلى الضغط الإعلامي والسياسي العالمي الفوري. ومع تراكم هذه القيود، تحولت الحرب تدريجيًا من منطق الحسم إلى منطق الاستنزاف وإدارة واقع شديد التعقيد.

وهكذا يتضح أن العالم لا يشهد انتقالًا كاملًا من نموذج حرب إلى آخر، بل يعيش حالة تداخل بين نمطين: حروب تسعى إلى الحسم لكنها تصطدم بحدوده، وصراعات تُدار أصلًا على المدى الطويل دون نهايات واضحة.

في هذا السياق، لا تبدو إيران حالة استثنائية، بل مؤشرًا على تحول أوسع: عالم لم تعد فيه الحروب تُنتج نهايات واضحة، بل أصبحت تُدار داخل أنظمة ضبط معقدة. القوة ما زالت مركزية، لكنها لم تعد أداة لإنهاء الصراع، بل لإبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها.

وخلال العقد القادم، يُرجّح أن يتعمق هذا النمط أكثر: فالحروب لن تعود إلى منطق الحسم السريع، بل ستستمر في التحول إلى صراعات مُدارة طويلة الأمد، تُقاس فيها القوة بقدرتها على التحكم بالتصعيد لا على إنهائه، وبقدرتها على إدارة التوازن لا على كسره.


دلالات

شارك برأيك

حين تتوقف الحروب عن إنتاج النهايات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.