تحت سقف متواضع من النايلون السميك على شاطئ مدينة غزة، تنبعث أصوات المثاقب الكهربائية لتعلن عن معركة بقاء جديدة يخوضها حرفيو القطاع. هنا، وفي ظل انعدام الإمكانيات، تحولت ورشة صغيرة إلى خلية نحل يحاول فيها النجارون إعادة بناء ما دمرته الحرب الإسرائيلية على قطاع الصيد، مستخدمين أدوات أنهكها العمل المستمر وألواحاً خشبية لا تشبه تلك التي اعتادوا عليها سابقاً.
لا تعتمد هذه الصناعة اليوم على مواد مستوردة أو أخشاب فاخرة، بل تقوم بالكامل على ما تتركه آلة الحرب خلفها من حطام. يجمع العمال بقايا الأبواب والنوافذ من تحت أنقاض المنازل المهدمة، ويعيدون تشكيلها لتصبح هياكل لقوارب صغيرة، في محاولة لكسر الحصار الذي يمنع دخول مادة 'الفايبرجلاس' والأخشاب المخصصة لصناعة السفن.
يقف مصطفى مقداد، وهو حرفي ستيني أمضى حياته في هذه المهنة، مراقباً بدقة انحناءات الخشب فوق الهياكل الزرقاء. يوضح مقداد أن المهنة التي ورثها عن أجداده تواجه اليوم أصعب اختباراتها، حيث يضطر لاستخدام 'متر القياس' على قطع خشبية كانت يوماً جزءاً من غرف نوم أو مداخل بيوت، ليحولها إلى 'زنار' يحمل القارب فوق الأمواج.
يصف مقداد المشهد عند عودته من النزوح بالصادم، حيث وجد حوض الميناء مقبرة للقوارب التي إما غرقت أو تحولت إلى حطام متناثر على الرمال. لم يتبقَ للصيادين خيار سوى الترميم أو التصنيع البدائي، وهو مسار شاق يتطلب جهداً مضاعفاً في ظل غياب التيار الكهربائي وارتفاع تكاليف التشغيل اليدوي.
تتضاعف المعاناة مع الشح الحاد في المواد الخام، حيث يشير الحرفيون إلى أن مخزون الألياف الزجاجية (الفايبرجلاس) يوشك على النفاد تماماً. هذا النقص دفع بأسعار المواد المتوفرة إلى مستويات قياسية، مما جعل حلم امتلاك قارب جديد بعيد المنال لغالبية الصيادين الذين فقدوا كل ما يملكون خلال القصف المستمر.
الصياد موسى أبو جياب هو أحد هؤلاء الذين يراقبون قواربهم قيد الإنشاء بكثير من القلق والأمل، بعد أن احترقت مراكبه في عرض البحر منذ الأيام الأولى للحرب. اضطر أبو جياب للاستدانة وجمع الأموال من كل حدب وصوب لتأمين تكلفة القارب الجديد، مؤكداً أن العودة للبحر هي السبيل الوحيد لإعالة أسرته الكبيرة.
وتكشف الأرقام عن قفزات جنونية في الأسعار؛ فلوح الخشب الذي كان يباع بـ 10 شواكل قبل الحرب، وصل سعره اليوم إلى 200 شيكل. هذه الزيادة ليست ناتجة عن جودة المادة، بل عن ندرتها وصعوبة استخراجها من بين الركام وتجهيزها لتكون صالحة للإبحار مرة أخرى في بيئة بحرية قاسية.
الخشب الذي نستخدمه اليوم هو بقايا ركام المنازل المدمرة؛ نأخذ الأبواب والنوافذ لنصنع منها 'عموداً فقرياً' لقوارب تعيد الصيادين إلى رزقهم.
لا تتوقف التحديات عند حدود الورشة، بل تمتد إلى عرض البحر حيث يفرض الاحتلال قيوداً صارمة تمنع الصيادين من تجاوز مسافة كيلومتر واحد. كما يحظر الاحتلال استخدام المحركات، مما يجبر الصيادين على الاعتماد على المجاديف اليدوية في رحلات صيد محفوفة بالمخاطر وتحت تهديد إطلاق النار المباشر.
أفادت مصادر ميدانية بأن قطاع الصيد في غزة تعرض لضربة قاصمة، حيث انخفض الإنتاج السمكي اليومي من نحو 20 طناً قبل الحرب إلى 10 أطنان فقط في الشهر الواحد. هذا التراجع الحاد يعكس حجم الدمار الذي طال البنية التحتية لهذا القطاع الحيوي الذي يعيل آلاف الأسر الفلسطينية.
وتشير التقارير إلى أن أكثر من 232 صياداً استشهدوا بنيران الاحتلال منذ بدء العدوان، فيما أصيب واعتقل المئات غيرهم. هذه الاستهدافات الممنهجة تهدف إلى تفريغ البحر من رواده وتدمير وسيلة العيش الأساسية لسكان القطاع الساحلي، وسط صمت دولي حيال هذه الانتهاكات اليومية.
داخل الورشة، يواصل العمال كشط أسطح الفايبرجلاس وتثبيت المسامير في شبكة معقدة من الدعائم الخشبية التي تشكل العمود الفقري للقارب. كل مسمار يُدق يمثل تحدياً لسياسة الإغلاق، وكل قارب يكتمل بناؤه هو رسالة صمود تؤكد أن غزة قادرة على إعادة تدوير دمارها لتصنع منه أدوات للحياة.
يؤكد مسؤولون في لجان الصيادين أن الاحتلال دمر نحو 96 مركباً كبيراً كانت تشكل عصب الاقتصاد السمكي في غزة. واليوم، يعتمد الصيادون على 'الحسكات' الصغيرة والوسائل البدائية التي لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل الحاجة الماسة لتوفير الغذاء للسكان المحاصرين.
إن استمرار إغلاق المعابر يهدد باندثار مهنة صناعة القوارب بشكل نهائي، حيث يمنع الاحتلال دخول أبسط الأدوات والقطع اللازمة للصيانة. يحذر الحرفيون من أن استنزاف ما تبقى من مواد مخزنة سيعني توقف الورش تماماً، مما سيترك آلاف الصيادين بلا وسيلة لممارسة مهنتهم الوحيدة.
رغم كل هذه الظروف، يبقى مشهد القوارب الزرقاء وهي تخرج من تحت سقف النايلون نحو الشاطئ علامة على الإرادة الفلسطينية. هي قوارب ولدت من رحم الأنقاض، تحمل حكايات بيوت دُمرت وصيادين يرفضون الاستسلام، مراهنين على قطع خشبية أعيد تشكيلها لتبحر بهم نحو أفق جديد.





شارك برأيك
من ركام المنازل إلى عرض البحر.. حرفيو غزة يبعثون الحياة في قوارب الصيد المدمرة