فلسطين

الخميس 25 يونيو 2026 11:29 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريحات بينيت.. حملة انتخابية مبكرة تغازل نوازع السيطرة وأحلام التوسع لدى المتطرفين

د. سهيل دياب: بينت يريد أن يؤكد للمستوطنين تمسكه بضم مناطق (ج) ورفضه التراجع عن المواقف المرتبطة بالاستيطان والسيطرة على أجزاء واسعة من الضفة
خليل شاهين: تصريحات بينيت لا تمثل تحولاً جوهرياً بمواقفه لكن حساباته الانتخابية الحالية تدفعه لإعادة تموضع سياسي يستهدف جمهور اليمين واليمين الوسط
لبيب طه: الحديث عن ضم مناطق (ج) ليس وليد المرحلة بل يرتبط برؤية راسخة منذ توقيع اتفاقية أوسلو كهدف استراتيجي للمشاريع الإسرائيلية المختلفة
د. أسامة عبد الله: تصريحات بينت تعكس توجهاً متنامياً داخل المشهد السياسي الإسرائيلي يقوم على استثمار الظروف الراهنة لإعادة تشكيل الواقع
هاني أبو السباع: طرح بينيت يتجاوز كونه برنامجاً انتخابياً عابراً وينطوي على إلغاء عملي لفكرة الدولة الفلسطينية بالسيطرة على الامتداد الجغرافي الأوسع للضفة
ثائر الديك: تصريحات بينيت تمثل انطلاقة مبكرة للحملة الانتخابية الإسرائيلية ومحاولة لتقديمه باعتباره المرشح الأبرز لقيادة مرحلة ما بعد بنيامين نتنياهو


رام الله - خاص بـ"القدس"

تعيد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت بشأن ضم المناطق المصنفة (ج) في الضفة الغربية والإبقاء على مناطق (أ) و(ب) تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، تسليط الضوء على التحولات المتسارعة داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث باتت مشاريع الضم والسيطرة على الأراضي الفلسطينية تتقدم إلى صدارة الخطاب الانتخابي للأحزاب المتنافسة، في ظل تراجع الحديث عن أي مسار سياسي يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن طرح بينيت لا يمثل تحولاً جديداً في مواقفه، بقدر ما يعكس اتجاهاً متنامياً داخل مختلف التيارات الإسرائيلية يقوم على فرض السيادة على المناطق المصنفة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وتضم غالبية المستوطنات والموارد الاستراتيجية، مقابل الإبقاء على الفلسطينيين في مناطق ذات صلاحيات محدودة تفتقر إلى مقومات السيادة والتواصل الجغرافي.
ويشيرون إلى أن تصريحات بينيت تأتي في سياق دخول الساحة الإسرائيلية مرحلة مبكرة من التنافس الانتخابي، حيث يسعى بينيت إلى إعادة تموضعه داخل معسكر اليمين وتقديم نفسه بديلاً محتملاً لقيادة إسرائيل في مرحلة ما بعد بنيامين نتنياهو.


استراتيجية انتخابية وسياسية

يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت بشأن المنطقة المصنفة (ج) في الضفة الغربية تتجاوز كونها موقفاً سياسياً معروفاً تجاه القضية الفلسطينية، لتشكل جزءاً من استراتيجية انتخابية وسياسية تهدف إلى إعادة تموضعه كمرشح بارز لقيادة اليمين الإسرائيلي في مرحلة ما بعد بنيامين نتنياهو.
ويوضح دياب أن بينيت يوجه من خلال هذه التصريحات رسائل متزامنة إلى ثلاثة قطاعات رئيسية داخل المجتمع الإسرائيلي؛ فالرسالة الأولى تستهدف ناخبي حزب الليكود غير الراضين عن أداء نتنياهو، ومفادها بأنه بإمكانهم التخلي عن نتنياهو دون التخلي عن توجهاتهم اليمينية.
أما الرسالة الثانية بحسب دياب، فتستهدف جمهور المستوطنين، إذ يؤكد لهم تمسكه بمشروع ضم مناطق (ج) ورفضه التراجع عن المواقف المرتبطة بالاستيطان والسيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
ويشير دياب إلى أن الرسالة الثالثة موجهة إلى جمهور الوسط الإسرائيلي، عبر تقديم نفسه باعتباره أكثر اعتدالاً وأقل صدامية من شخصيات اليمين المتطرف مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.

استكمال لمشروع سياسي قديم

ويلفت دياب إلى أن تصريحات بينيت تعكس استمرارية مشروعه السياسي القديم القائم على ضم المنطقة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، ورفض إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، إلا أن توقيتها الحالي يمنحها بعداً انتخابياً واضحاً يرتبط بمحاولته بناء منصة سياسية تؤهله لقيادة معسكر اليمين مستقبلاً.
ويؤكد دياب أن الطرح الذي يقدمه بينيت لا يقتصر على الجوانب الانتخابية، بل يحمل دلالات استراتيجية تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، إذ يقوم على الجمع بين السيطرة الإسرائيلية على الجزء الأكبر من أراضي الضفة الغربية وبين الإبقاء على تجمعات الفلسطينيين ضمن مساحات محدودة.
ويلفت دياب إلى أن مشاريع الضم المطروحة تاريخياً ارتبطت بمحاولات الجمع بين توسيع السيطرة على الأرض ومعالجة ما تعتبره إسرائيل التحدي الديموغرافي الفلسطيني.
ويبيّن دياب أن جوهر رؤية بينيت يتمثل في منع قيام دولة فلسطينية بأي صيغة سيادية، مقابل طرح نموذج حكم ذاتي محدود الصلاحيات للفلسطينيين في مناطق لا تتجاوز ثلث مساحة الضفة الغربية، رغم أنها تضم أكثر من 75% من السكان الفلسطينيين، بما يكرس السيطرة الإسرائيلية على الأرض ويقيد أي إمكانية لتطور كيان فلسطيني مستقل في المستقبل.

الضم أحد أبرز محاور المنافسة الانتخابية

يرى الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت بشأن ضم المنطقة المصنفة (ج) في الضفة الغربية تأتي في سياق تصاعد غير مسبوق للخطاب الإسرائيلي المتعلق بمشاريع الضم، وتحول هذه القضية إلى أحد أبرز محاور المنافسة بين الأحزاب والقوائم الإسرائيلية مع اقتراب الانتخابات المقبلة، إلى جانب الموقف من قطاع غزة وتداعيات الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023.

الضفة الغربية مقابل مقايضة سياسية

ويشير شاهين إلى أن ملف الضفة الغربية مرشح ليكون قضية انتخابية مركزية خلال الأشهر المقبلة، في ظل تقديرات بأن الإدارة الأمريكية قد تبدي مرونة تجاه خطوات إسرائيلية في الضفة، بما في ذلك ضم أجزاء منها، مقابل مرونة إسرائيلية أو تغاضٍ عن مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران وإمكانية التوصل إلى اتفاق بينهما خلال الفترة المقبلة.
ويعتقد شاهين أن أي اتفاق أمريكي إيراني محتمل خلال الشهرين المقبلين، سيأتي بالتزامن تقريباً مع أجواء الانتخابات الإسرائيلية، ما سيضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام تحديات سياسية وانتخابية كبيرة.

استهداف أصوات المستوطنين

وبحسب شاهين، فإن تصريحات بينيت لا تمثل تحولاً جوهرياً في مواقفه المعروفة، فهو ينتمي تاريخياً إلى معسكر اليمين وكان سابقاً مديراً لمجلس "يشع" الاستيطاني، إلا أن حساباته الانتخابية الحالية تدفعه إلى إعادة تموضع سياسي يستهدف جمهور اليمين واليمين الوسط أكثر من استهداف أصوات المستوطنين.
ويعزو ذلك إلى إدراك بينيت أن أصوات المستوطنين تميل بدرجة أكبر نحو أحزاب اليمين الاستيطاني والمتطرف، وعلى رأسها حزبا إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، إضافة إلى حزب الليكود.
ويلفت شاهين إلى أن التراجع الملحوظ في استطلاعات الرأي الخاصة بالتحالف الذي يضم بينيت ويائير لبيد، بعد أن انخفضت تقديراته من مستويات مرتفعة إلى ما بين 17 و20 مقعداً فقط، مقابل صعود منافسين آخرين مثل غادي آيزنكوت، يدفع بينيت إلى محاولة استعادة ناخبين من معسكر اليمين والوسط عبر تبني خطاب يوازن بين المواقف اليمينية التقليدية ومتطلبات المنافسة الانتخابية الجديدة.

"الضم الجزئي" في مقابل "الضم الكامل"

ويؤكد شاهين أن جوهر طرح بينيت يتمثل في الدعوة إلى ضم المنطقة المصنفة (ج) بالكامل، والتي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة الغربية، مع إبقاء المنطقتين (أ) و(ب) تحت إدارة السلطة الفلسطينية.
ويرى شاهين أن هذا الطرح يعكس خيار "الضم الجزئي" في مقابل "الضم الكامل" الذي يدعو إليه بن غفير وسموتريتش ويشمل كامل أراضي الضفة الغربية.
ويشير شاهين إلى أن بينيت أعلن دعمه لما يسميه "الاستيطان القانوني" في المنطقة (ج)، مقابل معارضة البؤر والمزارع الاستيطانية التي يعتبرها غير قانونية.
ويعتقد شاهين أن النقاش الدائر داخل الساحة السياسية الإسرائيلية لم يعد يدور حول إقامة دولة فلسطينية أو تطبيق حل الدولتين، بل حول حجم الأراضي التي سيتم ضمها وطبيعة السيطرة الإسرائيلية المستقبلية عليها.

غياب طرح الدولة الفلسطينية

ويشير شاهين إلى أن الأحزاب التي كانت تصنف سابقاً ضمن معسكر التسوية، بما فيها تحالف "الديمقراطيين" بزعامة يائير غولان، لم تعد تطرح دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، بل تتحدث عن كيان محدود الصلاحيات مع قبول بضم تجمعات استيطانية واسعة تضم مئات آلاف المستوطنين.
ويرى شاهين أن الضفة الغربية وقطاع غزة سيشكلان محور المنافسة الرئيسي في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، خاصة بعد تراجع قدرة نتنياهو على توظيف ملفات أُخرى مثل الحرب على إيران أو التطبيع الإقليمي لتحقيق مكاسب سياسية.
وبحسب شاهين، فإنه مع تعثر تحقيق الأهداف الإسرائيلية المعلنة في إيران ولبنان، تبقى ورقتا غزة والضفة الغربية المجال الأبرز الذي سيحاول من خلاله قادة الأحزاب الإسرائيلية إقناع الناخبين بقدرتهم على تحقيق إنجازات سياسية وأمنية خلال المرحلة المقبلة.

توجه يحظى بقبول واسع

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي لبيب طه أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت بشأن مستقبل الضفة الغربية لا تمثل تحولاً جديداً في المواقف الإسرائيلية، بقدر ما تعكس توجهاً يحظى بقبول واسع داخل معظم التيارات السياسية الإسرائيلية، يقوم على إبقاء المنطقتين (أ) و(ب) تحت إدارة السلطة الفلسطينية، مقابل فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق المصنفة (ج).
ويوضح طه أن الحديث عن ضم المناطق (ج) ليس وليد المرحلة الحالية، بل يرتبط برؤية إسرائيلية راسخة منذ توقيع اتفاقية أوسلو، حيث ظلت هذه المناطق تمثل هدفاً استراتيجياً للمشاريع الإسرائيلية المختلفة.
ويشير طه إلى أن أهمية المنطقة (ج) بالنسبة لإسرائيل تنبع من عدة اعتبارات، أبرزها قربها من الكتل الاستيطانية الكبرى ومن مدينة القدس، إضافة إلى احتوائها على موارد طبيعية ومواقع ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية، من بينها مصادر المياه الجوفية في مناطق شمال الضفة الغربية، فضلاً عن مناطق يعتقد بوجود ثروات طبيعية فيها غرب رام الله.

السيطرة على الأرض والموارد

ويرى طه أن التمسك الإسرائيلي بهذه المناطق يعكس في جوهره مشروعاً استعمارياً يهدف إلى السيطرة على الأرض والموارد، لافتاً إلى أن الفروق بين الأحزاب الإسرائيلية لا تتعلق بجوهر المشروع، وإنما بدرجة التشدد في طرحه. وبحسب طه، فإنه بينما يتبنى وزراء وقادة من اليمين المتطرف، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، مواقف أكثر راديكالية تدعو إلى توسيع الضم والسيطرة المباشرة، فإن بينيت يقدم صيغة أقل حدة لكنها لا تختلف في الأساس عن التوجه العام السائد داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي.
ويشير طه إلى أن الأصوات الإسرائيلية التي ما زالت تتحدث عن دولة فلسطينية أصبحت محدودة التأثير، كما أن مفهوم الدولة الفلسطينية المطروح داخل إسرائيل بات غامضاً وغير محدد المعالم، في وقت يشهد فيه المجتمع الإسرائيلي اتجاهاً متزايداً نحو اليمين والتشدد السياسي، ما يضيق مساحة الطروحات الداعية إلى التسوية السياسية.

دعاية انتخابية مبكرة

وفي ما يتعلق بالبعد الانتخابي، يعتبر طه أن تصريحات بينيت تأتي في سياق تصاعد النشاط الدعائي للأحزاب الإسرائيلية مع اقتراب موعد الانتخابات، موضحاً أن الحملات الانتخابية تبقى حاضرة بشكل مستمر بين دورة انتخابية وأخرى، لكنها تزداد وضوحاً كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، ومع بقاء نحو أربعة أشهر على الانتخابات المقبلة، بدأت الأحزاب بالفعل في تكثيف خطابها السياسي والاستعداد لمرحلة ما بعد نتنياهو.
ورغم ذلك، يشدد طه على أن الحديث عن نهاية المسيرة السياسية لبنيامين نتنياهو ما يزال سابقاً لأوانه، إذ إن نتائج الانتخابات تبقى مرتبطة بتوجهات الناخب الإسرائيلي في الأسابيع والأيام الأخيرة قبل الاقتراع.
ويشير طه إلى أن نتنياهو يواجه تحديات متزايدة وعزلة سياسية داخلية وخارجية، ما يجعل احتمالات تراجعه أو خسارته للسلطة قائمة، وإن كانت رهناً بالتحولات التي قد تطرأ على مزاج الناخب الإسرائيلي حتى اللحظات الأخيرة.

استثمار الظروف الراهنة لإعادة تشكيل الواقع

يرى الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت بشأن الاحتفاظ بالمنطقة (ج) من أراضي الضفة الغربية، مقابل بقاء مناطق (أ) و(ب) تحت إدارة السلطة الفلسطينية، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مواقف انتخابية أو اجتهادات سياسية عابرة، بل تعكس توجهاً متنامياً داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، خاصة في أوساط اليمين القومي والديني، يقوم على استثمار الظروف الراهنة لإعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويوضح عبد الله أن جوهر هذه الرؤية يتمثل في تثبيت معادلة تقوم على ضم المنطقة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وتضم معظم المستوطنات والموارد الطبيعية والمواقع الاستراتيجية، مقابل منح الفلسطينيين شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية المحدودة داخل مناطق (أ) و(ب)، دون أي مضمون سيادي حقيقي أو أفق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

حضور متزايد بالخطاب السياسي الإسرائيلي

ويشير عبد الله إلى أن خطورة هذه الطروحات تكمن في أنها لم تعد محصورة بالأحزاب الأكثر تطرفاً، بل أصبحت تحظى بحضور متزايد في الخطاب السياسي الإسرائيلي العام.
ويلفت إلى أن الحرب على قطاع غزة، والانشغال الدولي بأزمات وملفات أخرى، إلى جانب حالة الانقسام والضعف الفلسطيني، وفرت بيئة مواتية لتوسيع حضور هذه الأفكار داخل إسرائيل.
ويوضح عبد الله أن النقاش الإسرائيلي لم يعد يتركز على إدارة الاحتلال أو البحث عن تسوية سياسية، بل انتقل تدريجياً إلى كيفية تثبيت نتائج الاحتلال وتحويلها إلى واقع دائم عبر مشاريع الضم والسيطرة طويلة الأمد.
وبيّن عبد الله أن الرؤية التي يطرحها بينيت تهدف عملياً إلى حصر الفلسطينيين داخل تجمعات سكانية منفصلة جغرافياً، تتولى السلطة الفلسطينية إدارتها مدنياً، فيما تبقى الأرض والحدود والموارد والسيادة الفعلية تحت السيطرة الإسرائيلية، الأمر الذي يفرغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها ويقوض إمكانية قيام دولة متصلة وقابلة للحياة.

تحول أعمق داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية

وفيما يتعلق بتوقيت التصريحات، يرى عبد الله أنها تحمل بعدين متوازيين؛ الأول يرتبط بالاستعداد المبكر لأي انتخابات إسرائيلية محتملة في ظل الجدل المتواصل حول أداء حكومة بنيامين نتنياهو خلال الحرب وتداعياتها السياسية والأمنية، حيث يسعى بينيت إلى إعادة تقديم نفسه باعتباره بديلاً قادراً على قيادة المرحلة المقبلة.
أما البعد الثاني، وفق عبد الله، فيتجاوز الاعتبارات الانتخابية نحو التعبير عن تحول أعمق داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، يتمثل في تنامي الإجماع على رفض العودة إلى مسار التسوية السياسية التقليدية.
ويؤكد عبد الله أن المنافسة داخل المعسكر الإسرائيلي لم تعد تدور حول إنهاء الاحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية، بل حول الجهة القادرة على تقديم مشروع أكثر تشدداً للحفاظ على السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
ويشدد عبد الله على أن التحدي الأساسي أمام الفلسطينيين لا يرتبط بأسماء القادة الإسرائيليين بقدر ما يرتبط بالتحولات البنيوية المتسارعة داخل إسرائيل، والتي تدفع باتجاه تكريس مشاريع الضم والسيطرة الدائمة وإعادة تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها قضية إدارة سكان، لا قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

إلغاء عملي لفكرة الدولة الفلسطينية

يرى الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن تصريحات  بينيت بشأن الاحتفاظ بمناطق (ج) وضمها إلى إسرائيل لا تمثل تحولاً جديداً في مواقفه السياسية، بل تُعدّ امتداداً لمشروع سبق أن دعا إليه خلال توليه مناصب حكومية سابقة، يقوم على فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على هذه المناطق التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، مقابل إبقاء مناطق (أ) و(ب) تحت إدارة فلسطينية بصيغة حكم ذاتي موسع.
ويوضح أن الطرح الذي يقدمه بينيت يتجاوز كونه برنامجاً انتخابياً عابراً، إذ ينطوي على إلغاء عملي لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، عبر السيطرة على الامتداد الجغرافي الأوسع للضفة الغربية وحصر الوجود الفلسطيني في مناطق متقطعة ومحدودة.
ويشير أبو السباع إلى أن مناطق (ج) تمثل الامتداد الطبيعي للدولة الفلسطينية المستقبلية، كما تضم مساحات زراعية وموارد استراتيجية تجعلها بمنزلة السلة الغذائية للضفة الغربية.

ترويج التشدد في خطاب بينيت

ويلفت أبو السباع إلى أن بينيت، الذي كان يُصنف سابقاً ضمن اليمين المعتدل نسبياً، يسعى اليوم إلى تقديم نفسه بوصفه أكثر تشدداً من بنيامين نتنياهو، مستنداً إلى خطاب سياسي يركز على تعزيز الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.
ويوضح أبو السباع أن بينيت يميز بين المستوطنات التي تعتبرها إسرائيل "قانونية" وبين البؤر الاستيطانية غير المرخصة، مبدياً استعداداً للتعامل مع الأخيرة بما ينسجم مع الضغوط الأميركية والأوروبية المطالبة بكبح التوسع الاستيطاني، دون المساس بمشروع ضم مناطق (ج).

السباق الانتخابي من بوابة الضم

ويلفت أبو السباع إلى أن دخول بينيت السباق الانتخابي من بوابة ضم الأراضي الفلسطينية يعكس توجهاً متنامياً داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، حيث أصبحت السيطرة على الضفة الغربية أحد أبرز عناوين المنافسة بين الأحزاب اليمينية. وفي المقابل، يذهب نتنياهو وحلفاؤه، وعلى رأسهم سموتريتش وبن غفير، إلى مواقف أكثر تشدداً تدعو إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية لتشمل مناطق إضافية، بما فيها أجزاء من مناطق (أ) و(ب).
ويؤكد أبو السباع أن الخلافات بين أقطاب اليمين الإسرائيلي لا تدور حول مبدأ السيطرة على الأرض الفلسطينية، بل حول حدود هذه السيطرة وآليات تنفيذها.

خطاب متوازن نحو الغرب

ويعتبر أبو السباع أن طرح بينيت يهدف إلى تقديم نفسه للغرب بصفته خياراً أقل صدامية من الحكومة الحالية، في وقت تواجه فيه حكومة نتنياهو انتقادات دولية متزايدة وتراجعاً في مستوى الدعم السياسي الخارجي.
ويؤكد أبو السباع أن الاستيلاء على الأرض الفلسطينية بات العنوان الأبرز للدعاية الانتخابية الإسرائيلية، في ظل مشاريع تهدف إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين وحصرهم في جيوب سكانية معزولة، بما يدفع نحو تهجير تدريجي ويقوض فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

الفصل بين السكان والأرض

يرى الكاتب والمحلل السياسي ثائر الديك أن تصريحات بينيت بشأن مستقبل الضفة الغربية تحمل أبعاداً سياسية وانتخابية تتجاوز مضمونها المباشر، وتعكس تمسكه برؤية قديمة تقوم على الفصل الإداري للفلسطينيين مقابل الضم الجغرافي الواسع للأراضي الفلسطينية.
ويوضح الديك أن طرح بينيت يستند إلى ما يعرف بخطة "التهدئة"، التي تقوم على ضم المناطق المصنفة (ج) والتي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وتضم غالبية المستوطنات والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، مقابل إبقاء الفلسطينيين في المنطقتين (أ) و(ب) ضمن معازل جغرافية منفصلة.
ويعتقد الديك أن هذا التصور يكرس واقعاً سياسياً وأمنياً جديداً يقوم على الفصل بين السكان والأرض، مع بقاء السيطرة الإسرائيلية على المساحات الأوسع والأكثر أهمية.
ويشير الديك إلى أن هذه الرؤية تمثل، عملياً، إنهاءً كاملاً لفكرة حل الدولتين، إذ إن المنطقتين (أ) و(ب) تفتقران إلى التواصل الجغرافي وتبقيان محاصرتين بالمناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ما يحول أي كيان فلسطيني مستقبلي إلى شكل من أشكال الحكم الذاتي المحدود ضمن كانتونات معزولة تخضع للهيمنة الأمنية الإسرائيلية.
وفي السياق الداخلي الإسرائيلي، يرى الديك أن تصريحات بينيت ترتبط أيضاً بالحسابات الانتخابية، في ظل التحول المتزايد للمجتمع الإسرائيلي نحو اليمين منذ أحداث السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023.

خطوات لمنافسة الليكود والأحزاب اليمينية

وبحسب الديك، فإنه وفقاً لهذا الواقع، يسعى بينيت إلى تأكيد انتمائه للمعسكر اليميني عبر التمسك بالاستيطان ورفض إقامة دولة فلسطينية وتبني مواقف داعمة للضم، بما يمكنه من منافسة الليكود والأحزاب اليمينية الأخرى على أصوات الناخبين.
ويرى الديك أن تصريحات بينيت تمثل في الوقت ذاته انطلاقة مبكرة للحملة الانتخابية الإسرائيلية، ومحاولة لتقديمه باعتباره المرشح الأبرز لقيادة مرحلة ما بعد بنيامين نتنياهو.
ويستشهد الديك بتأسيس تحالف سياسي جديد يحمل اسم "بياحد" (معاً) بالشراكة مع يائير لبيد، إلى جانب طرح برنامج سياسي واقتصادي متكامل تحت عنوان "العهد الجديد"، فضلاً عن تكثيف المؤتمرات الصحافية والخطابات الموجهة للجمهور الإسرائيلي والدولي، في إطار مساعيه لتسويق نفسه كبديل جاهز لتولي قيادة الحكومة في المرحلة المقبلة.


دلالات

شارك برأيك

تصريحات بينيت.. حملة انتخابية مبكرة تغازل نوازع السيطرة وأحلام التوسع لدى المتطرفين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.