أثار الإعلان عن تأسيس 'مركز شرق البحر المتوسط للطاقة' في مدينة هيوستن الأمريكية، بمشاركة الاحتلال واليونان وقبرص والولايات المتحدة، موجة من التساؤلات حول أسباب تغييب مصر عن هذا التحالف الجديد. ويأتي هذا التطور رغم الشراكة الطويلة التي جمعت القاهرة بهذه الأطراف عبر 'منتدى غاز شرق المتوسط' الذي انطلق من العاصمة المصرية عام 2019 بهدف تحويلها إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة.
التحالف الجديد يركز على وضع خارطة طريق لأمن الطاقة وتطوير موارد الغاز الطبيعي، وهو ما يمثل تحولاً جيوستراتيجياً لافتاً في المنطقة. ويرى مراقبون أن هذا التحرك قد يعكس رغبة الأطراف المشاركة في تجاوز الاعتماد على محطات الإسالة المصرية في إدكو ودمياط، والبحث عن مسارات بديلة لنقل الغاز مباشرة إلى الأسواق الأوروبية عبر خطوط أنابيب بحرية.
أفادت مصادر متخصصة في شؤون الطاقة بأن استبعاد مصر لا يعني بالضرورة خروجها الكامل من المعادلة، لكنه يعكس تغيراً في أولويات القوى الإقليمية والدولية. وأوضحت المصادر أن تراجع معدلات الإنتاج المحلي من الغاز في مصر وزيادة الطلب الداخلي أضعفا من موقفها التفاوضي كدولة مصدرة، مما جعل الحلفاء يبحثون عن ترتيبات أمنية وتقنية جديدة لا تشمل القاهرة في مرحلتها الحالية.
من الناحية الجيوسياسية، يبرز تضارب المصالح بين الرغبة المصرية في أن تظل المعبر الرئيسي للغاز عبر تسييله وتصديره، وبين مساعي الاحتلال واليونان لإنشاء خط أنابيب 'شرق المتوسط' الذي يربط حقول الغاز بأوروبا مباشرة. هذا المشروع الذي كان يواجه تحفظات أمريكية سابقة، يبدو أنه حصل على زخم جديد في ظل التغيرات السياسية الراهنة وتوجهات الإدارة الأمريكية الداعمة لمطالب الاحتلال.
يرى خبراء أن هذا الاستبعاد قد يدفع القاهرة نحو تعزيز تقاربها مع أنقرة، خاصة في ظل التطور الملحوظ في العلاقات الثنائية خلال العامين الماضيين. وقد يؤدي الشعور بـ'الغدر السياسي' من قبل حلفاء الأمس إلى تسريع وتيرة التفاهمات المصرية التركية حول ملفات شائكة، وعلى رأسها ترسيم الحدود البحرية في المناطق الاقتصادية الخالصة بشرق المتوسط.
العلاقات المصرية التركية شهدت قفزات نوعية مؤخراً، حيث تم تفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي واستئناف المناورات العسكرية المشتركة مثل تدريب 'بحر الصداقة 2025'. كما دخل البلدان في شراكات دفاعية متقدمة تشمل إنتاج الطائرات المسيرة والمشاركة في مشروع المقاتلة التركية من الجيل الخامس، مما يعكس رغبة مشتركة في إعادة رسم توازنات القوة بالمنطقة.
تشير التقارير إلى أن حجم التبادل التجاري بين القاهرة وأنقرة في تصاعد مستمر، حيث سجل نحو 6.8 مليار دولار بنهاية عام 2025، مع طموحات رسمية للوصول إلى 15 مليار دولار. هذا الثقل الاقتصادي المتنامي يوفر أرضية صلبة لتحالف سياسي قد يواجه التكتلات الأخرى في المتوسط، ويحمي حقوق البلدين في الثروات الطبيعية التي يحاول التحالف الجديد الاستحواذ عليها.
استبعاد مصر يوجه رسالة بأن النفوذ في أسواق الطاقة لا يبنى على الموقع الجغرافي فحسب، بل على القدرة الإنتاجية الفعلية.
في المقابل، يواجه خيار التحالف المصري التركي في ملف الغاز تحديات معقدة، تتعلق بالاتفاقيات السابقة التي وقعتها القاهرة مع اليونان والاحتلال برعاية أمريكية. فإعادة ترسيم الحدود مع تركيا قد تعني الدخول في صدام مباشر مع واشنطن وتل أبيب، وهو ما قد يؤثر على استثمارات شركات التنقيب العالمية العاملة في الحقول المصرية، مما يجعل القرار المصري محكوماً بحسابات دقيقة.
أفادت مصادر إعلامية بأن الاحتلال قد يكون المحرك الرئيسي لاستبعاد مصر، رداً على مواقف القاهرة الرافضة لخطط تهجير سكان قطاع غزة وتوتر التنسيق الأمني في بعض الملفات. هذا 'الانتقام السياسي' كما يصفه محللون، يضع مصر أمام ضرورة إعادة تقييم رهاناتها السابقة على التحالف الثلاثي مع اليونان وقبرص، والذي لم يمنع تهميش دورها في الترتيبات الجديدة.
الموقف الأمريكي الحالي يبدو أكثر ميلاً لدعم المشاريع التي تضمن أمن الطاقة للاحتلال واليونان بعيداً عن التعقيدات الإقليمية الأخرى. ويرى باحثون أن واشنطن تنظر للمركز الجديد كمنصة استراتيجية للأمن البحري، وهو ما يمثل خروجاً عن الصيغة الاقتصادية الصرفة التي كان يمثلها منتدى غاز شرق المتوسط الذي استضافته القاهرة لسنوات.
على صعيد الإنتاج، وقعت مصر في أبريل 2025 اتفاقاً ضخماً مع قبرص لتوريد الغاز لمدة 15 عاماً، لكن التحالف الجديد في هيوستن يلقي بظلال من الشك حول جدية تنفيذ هذه التفاهمات. فالتغيرات في سوق الطاقة العالمي والضغوط الجيوسياسية قد تدفع قبرص واليونان للتنصل من التزاماتهما تجاه القاهرة لصالح مشاريع أكثر مواءمة للرؤية الأمريكية والإسرائيلية.
الداخل المصري يراقب هذه التطورات بحذر، حيث تزايدت الانتقادات للسياسة الخارجية التي وضعت كل الأوراق في سلة التحالف مع اليونان والاحتلال. ويطالب مراقبون بضرورة تنويع الشراكات والاعتماد على القوة الإنتاجية الذاتية بدلاً من الاكتفاء بدور 'الوسيط' أو 'المسيل' للغاز، لضمان عدم التعرض للتهميش في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.
تركيا من جانبها، ترحب بأي تقارب مع مصر في ملف المتوسط، حيث ترى في القاهرة شريكاً طبيعياً يمكنه موازنة النفوذ اليوناني-القبرصي. إن التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود بين أنقرة والقاهرة سيمنح الطرفين مساحات واسعة للتنقيب، ويقطع الطريق على محاولات عزل أي منهما عن ثروات الغاز الهائلة في المنطقة، رغم العقبات القانونية والسياسية التي تعترض هذا المسار.
في الختام، يبدو أن خريطة الطاقة في شرق المتوسط تعاد صياغتها وفقاً لمصالح متغيرة لا تعترف بالثوابت السياسية القديمة. وسيكون على صانع القرار في القاهرة الاختيار بين الاستمرار في تحالفات أثبتت هشاشتها عند أول اختبار للمصالح، أو الانفتاح على خيارات استراتيجية جديدة مع أنقرة تضمن لمصر دوراً فاعلاً ومستقلاً في أمن الطاقة الإقليمي.





شارك برأيك
استبعاد مصر من تحالف غاز المتوسط الجديد: هل تسرع القاهرة تقاربها الاستراتيجي مع أنقرة؟