أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا نحرس المال الخاص ونستبيح المال العام؟


في مشهد يتكرر يومياً في مجتمعاتنا، نجد مفارقة تستحق التوقف أمامها طويلاً. المواطن الذي يحافظ على منزله بعناية، قد يلقي النفايات في الشارع. والتاجر الذي ينظف متجره عدة مرات يومياً، قد لا يكترث بنظافة الرصيف العام. والموظف الذي يطفئ الأضواء في بيته حرصاً على فاتورة الكهرباء، قد يتركها مضاءة في مؤسسة عامة دون اكتراث.
هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا نحرس المال الخاص وكأنه جزء من أرواحنا، بينما نتعامل مع المال العام وكأنه لا يخص أحداً؟
الحقيقة أن المال العام ليس مال الحكومة، وليس مال البلدية، وليس مال أي مسؤول. إنه مال الناس جميعاً.
إنه حصيلة الضرائب والرسوم والجهد الجماعي لمجتمع كامل. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال العام في الوعي الجمعي إلى مال "مجهول المالك"، فيشعر الفرد أن الاعتداء عليه أو إهداره لا يضر أحداً بشكل مباشر.
ومن هنا تبدأ سلسلة طويلة من الخسائر. عندما تُكسر مقاعد الحديقة العامة. وعندما تُحطم أعمدة الإنارة.
وعندما تُسرق أغطية المناهل. وعندما تُلقى النفايات في الشوارع. وعندما يُهدر الوقود والورق والكهرباء في المؤسسات العامة. فإن الخاسر الحقيقي ليس البلدية ولا الوزارة، بل المواطن نفسه.
ولذلك نجد أن المشاريع الخاصة غالباً ما تبدو أكثر نظافة، وأكثر انتظاماً، وأكثر جودة في الخدمة.
ليس لأنها تمتلك موارد أكبر بالضرورة، بل لأنها تخضع لرقابة صارمة.
كل شيكل يتم إنفاقه محسوب، كل ساعة عمل يتم متابعتها. كل خسارة يشعر بها صاحب المشروع مباشرة.
أما في بعض المؤسسات العامة، فإن غياب الرقابة وضعف المساءلة وتراجع الشعور بالملكية المشتركة يجعل الهدر أكثر سهولة وأقل كلفة على المتسبب به.
في القطاع الخاص، إذا تعطلت آلة يسارع الجميع لإصلاحها. وفي بعض المرافق العامة قد تبقى المشكلة شهوراً بانتظار من يتحمل المسؤولية.
في القطاع الخاص، العميل هو مصدر الدخل. وفي القطاع العام، قد تتحول الخدمة أحياناً إلى إجراء روتيني بعيد عن مفهوم المنافسة والجودة.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن المشكلة ليست في كون المشروع عاماً أو خاصاً.
فالعالم مليء بمؤسسات عامة ناجحة ومطارات عامة نظيفة وحدائق عامة مذهلة وشبكات نقل عامة تعد من الأفضل عالمياً.
الفرق الحقيقي يكمن في ثلاثة عناصر:
المساءلة، والإدارة، والشعور بالملكية.
عندما يشعر المواطن أن الشارع شارعه، والحديقة حديقته، والمرفق العام ملك له، فإنه سيدافع عنه كما يدافع عن منزله.
وعندما يشعر الموظف أن المال العام أمانة لا تقل قداسة عن ماله الشخصي، فإن الأداء سيتغير.
وعندما تطبق المؤسسات أنظمة رقابة ومحاسبة شفافة وعادلة، فإن الهدر سيتراجع تلقائياً.
إن معركتنا الحقيقية ليست بين القطاع العام والقطاع الخاص، بل بين ثقافة المسؤولية وثقافة اللامبالاة.
بين من يرى المال العام أمانة وطنية، ومن يراه مالاً بلا صاحب، وبين مجتمع يحافظ على ممتلكاته المشتركة، ومجتمع يدفع ثمن إهمالها كل يوم.
لا يكفي أن تطلب من المواطن الالتزام، بل يجب أن يشعر أن ما يدفعه من رسوم وضرائب يعود إليه في صورة خدمات حقيقية ونتائج ملموسة. المواطن يريد أن يرى شارعاً نظيفاً، ويريد أن يرى إنارة تعمل، ويريد أن يرى حديقة خضراء آمنة لأطفاله، ويريد أن يرى مؤسسة تستجيب له وتحترم وقته وتحافظ على كرامته.
ويريد أن يشعر أن كل ما يدفعه ينعكس على جودة حياته اليومية، وهنا تبدأ المهمة الأساسية للقائمين على المال العام.
فواجبهم لا يقتصر على إدارة الموازنات وجمع الإيرادات، بل يشمل حماية المال العام من الهدر، وتعزيز الرقابة والمساءلة، ومحاسبة كل من يسيء استخدام الممتلكات العامة أو يعتدي عليها أو يهدر مواردها
فالمدن الجميلة لا تبنيها البلديات وحدها، والمؤسسات الناجحة لا يصنعها المديرون وحدهم.
والمال العام لا تحميه القوانين وحدها. بل يحميه قبل كل شيء ضمير حي يؤمن بأن ما هو للجميع يجب أن يكون أكثر حرمة، لا أقل حرمة، مما هو للفرد.
وحين نصل إلى هذه القناعة، سنكتشف أن أعظم ثروة يمكن أن نمتلكها ليست المال نفسه، بل الثقافة التي تحسن إدارته وحمايته.
إن بناء المدن لا يبدأ بالإسمنت والحجر، بل يبدأ حين نؤمن جميعاً أن المال العام أمانة، وأن خدمة المواطن مسؤولية، وأن المدينة بيتٌ كبير لا ينهض إلا بأيدٍ تؤدي واجبها وأخرى تحافظ على حقها.

دلالات

شارك برأيك

لماذا نحرس المال الخاص ونستبيح المال العام؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.