عربي ودولي

الخميس 30 أبريل 2026 2:23 مساءً - بتوقيت القدس

مالي في مهب الريح: مقتل وزير الدفاع وتصاعد الهجمات يضعان نظام غويتا أمام اختبار الوجود

تخيم حالة من الغموض الشديد على المشهد السياسي والأمني في جمهورية مالي، رغم تأكيدات الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا بالسيطرة على الأوضاع. وتأتي هذه التصريحات في أعقاب سلسلة من الهجمات المسلحة المتزامنة التي هزت البلاد في الخامس والعشرين من نيسان/ أبريل الجاري، مما أثار مخاوف جدية من تداعيات أمنية قد تتجاوز الحدود المالية لتطال دول الجوار في منطقة الساحل الإفريقي.

وفي خطاب متلفز وجهه للشعب المالي، اعترف غويتا بخطورة الموقف واصفاً الهجمات التي طالت العاصمة باماكو ومدناً أخرى بأنها نُفذت بأسلوب منسق ومخطط له بعناية. وأكد الرئيس الانتقالي أن هذه العمليات أسفرت عن خسارة فادحة تمثلت في مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، الذي كان يعد أحد أبرز أركان النظام العسكري الحاكم منذ انقلاب عام 2020.

من جانبه، أعلن رئيس الأركان العامة للجيوش، عمر ديارا أن القوات المسلحة تمكنت من تحييد أكثر من 200 مسلح واستعادة كميات كبيرة من المعدات العسكرية الهامة. وجاء هذا التحرك العسكري رداً على أكثر من عشرين هجوماً استهدفت مواقع استراتيجية في مختلف أنحاء البلاد، في محاولة من الجماعات المسلحة لزعزعة استقرار المركز وفرض واقع ميداني جديد.

ويرى باحثون ومحللون سياسيون أن الوضع الميداني لم يستقر بعد لصالح القوات الحكومية كما يروج الخطاب الرسمي، بل لا يزال مرشحاً لمزيد من التدهور. ويشير الخبراء إلى أن الجماعات المسلحة أثبتت قدرتها على نقل المعركة من الأطراف إلى قلب العاصمة، مستغلة تقوقع وحدات النخبة العسكرية لحماية كبار المسؤولين في باماكو.

وفي تحليل لأسباب التصعيد الأخير، يرى الباحث الموريتاني سيدي ولد عبد المالك أن العملية استهدفت بشكل مباشر 'مجموعة الصقور' داخل منظومة الحكم، والتي كان يمثلها وزير الدفاع الراحل. ويعتقد عبد المالك أن هذه المجموعة كانت تشكل العقبة الرئيسية أمام أي محاولات للحوار أو الوصول إلى اتفاق هدنة مع تنظيم 'نصرة الإسلام والمسلمين'.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الهجمات نفذتها تحالفات تضم 'جبهة تحرير أزواد' التي تطالب بالحكم الذاتي لإقليم الشمال، إلى جانب جماعات موالية لتنظيم القاعدة. هذا التنسيق بين القوى الانفصالية والجماعات الجهادية يضع الجيش المالي أمام تحديات غير مسبوقة تفوق قدراته القتالية الحالية في ظل غياب الدعم الإقليمي الفعال.

وعلى الصعيد الإقليمي، يبرز تساؤل كبير حول دور دول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو، اللتين اكتفتا بإصدار بيانات تنديد دون تدخل عسكري مباشر. ورغم وجود اتفاق 'ليبتاكو-غورما' الذي ينص على الدفاع المشترك، إلا أن الموقف الحالي يعكس نوعاً من الخذلان لمالي في مواجهة التهديدات التي تمس سيادتها وسلامة أراضيها.

وفيما يتعلق بالتحالفات الدولية، يبدو أن الرهان المالي على الدعم الروسي يواجه اختباراً عسيراً لمصداقيته، حيث لم تنجح قوات 'فيلق إفريقيا' في منع الهجمات الكبرى. ويرى مراقبون أن القوات الروسية، التي حلت بديلة لمجموعة فاغنر، قد لا تكون الحليف الموثوق الذي يمكن الركون إليه لتأمين البلاد بشكل كامل بعيداً عن حماية المنشآت الحيوية.

أما عن مستقبل الرئيس أسيمي غويتا، فيعتقد محللون أن الضربة رغم إيلامها قد تعزز نفوذه الشخصي من خلال التخلص من منافسين أقوياء داخل السلطة مثل وزير الدفاع. ومع ذلك، فإن هذا النفوذ يبقى مهدداً بفقدان الأوراق الداخلية، خاصة بعد الصدام المستمر مع القوى المدنية والأحزاب السياسية التي تم تهميشها أو سجن قادتها.

ويحذر المحلل السياسي أحمد محمد المصطفى من أن مالي دولة محورية، وأي انهيار فيها سيؤدي حتماً إلى ازدهار اقتصاد الجريمة وتصاعد موجات الهجرة غير النظامية في المنطقة. ويرسم المصطفى سيناريوهات قاتمة تشمل إمكانية سقوط النظام دون بديل واضح، مما قد يحول المنطقة برمتها إلى ساحة صراع دولي مفتوح يصعب السيطرة عليه.

وتبرز قضية 'أزواد' كأحد أعقد الملفات التي تواجه أي تسوية سياسية مستقبيلة، حيث تتمسك الجبهة بمطالب الانفصال أو الحكم الذاتي الموسع. ومع إلغاء المجلس العسكري لاتفاق السلام الموقع برعاية جزائرية مطلع العام الجاري، تلاشت فرص الحل السلمي، مما يفتح الباب أمام جولات جديدة من المواجهات المسلحة الدامية.

إن المشهد في مالي اليوم يتجاوز مجرد صراع على السلطة، ليصل إلى مرحلة تهدد كيان الدولة نفسها في ظل تباين المطالب واتساع الفجوة بين الأطراف المتصارعة. ومع استمرار العمليات العسكرية، يبقى المواطن المالي هو المتضرر الأكبر من غياب الاستقرار السياسي والأمني الذي يعصف بالبلاد منذ سنوات طويلة.

ويرى مراقبون أن النظام الحالي في باماكو قد يجد نفسه مضطراً لمراجعة استراتيجياته العسكرية والسياسية إذا ما أراد البقاء في السلطة وتجنب سيناريو الانهيار الشامل. فالاعتماد المفرط على الحلول الأمنية والتحالفات الخارجية لم يثبت نجاعته في إنهاء التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة العابرة للحدود.

ختاماً، تظل الأيام المقبلة حبلى بالتطورات، حيث يترقب الجميع رد فعل غويتا على مقتل أبرز مساعديه، وما إذا كان سيتجه نحو مزيد من التصعيد العسكري أو الانفتاح على حوار سياسي شامل. وفي كلتا الحالتين، فإن مالي تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي سيحدد ملامح مستقبل منطقة الساحل الإفريقي بأكملها.

دلالات

شارك برأيك

مالي في مهب الريح: مقتل وزير الدفاع وتصاعد الهجمات يضعان نظام غويتا أمام اختبار الوجود

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.