عربي ودولي

الإثنين 27 أبريل 2026 1:50 مساءً - بتوقيت القدس

البقاع اللبناني تحت وطأة الاستهداف الإسرائيلي: تدمير ممنهج وعمليات إنزال في العمق

رغم دخول الهدنة حيز التنفيذ وتمديدها لثلاثة أسابيع إضافية بجهود دولية، لا يزال القلق يسيطر على أهالي سهل البقاع اللبناني. فقد تركت الغارات العنيفة وأعمال الهدم بصمات ثقيلة على القرى والبلدات، مما جعل العودة إلى الحياة الطبيعية مسألة معقدة تتجاوز مجرد توقف أصوات الانفجارات.

يُعد سهل البقاع الحوض الزراعي الأكبر في لبنان وممراً إستراتيجياً يربط العاصمة بيروت بالداخل السوري، وهو ما جعله تاريخياً محوراً للصراعات. هذه الأهمية الجيوستراتيجية حولته في المواجهات الأخيرة إلى ساحة استهداف متكرر، حيث سعت إسرائيل لقطع خطوط الإمداد والضغط على العمق اللبناني.

شهدت بلدة النبي شيت في السلسلة الشرقية واحدة من أخطر العمليات العسكرية، حيث نفذت قوات الاحتلال إنزالاً جوياً ليلة السادس من مارس/ آذار. استهدفت العملية البحث عن رفات الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد، وتخللتها مواجهات عنيفة مع الأهالي وغارات مكثفة أدت لارتقاء 41 شهيداً.

يرى خبراء عسكريون أن عملية الإنزال في النبي شيت جاءت بعد معطيات استخباراتية مرتبطة باختطاف النقيب المتقاعد أحمد شكر. وقد استخدمت القوة الإسرائيلية آليات تشبه آليات الجيش اللبناني للتمويه، قبل أن يُكشف أمرها وتنسحب تحت غطاء جوي دمر أجزاء واسعة من البلدة.

بلدة شمسطار لم تكن بعيدة عن دائرة النار، حيث تعرضت لغارات وصفت بالأكثر دموية، استهدفت إحداها مشيعين داخل مقبرة البلدة. أسفر هذا الهجوم عن سقوط أكثر من عشرة شهداء، في خطوة تعكس تعمد الاحتلال استهداف التجمعات المدنية حتى في لحظات الحزن.

في البقاع الغربي، تركزت الهجمات على بلدات سحمر ويحمر ولبايا، حيث تغيرت ملامح هذه القرى بفعل الدمار الممنهج. وتعتبر هذه المناطق في الحسابات العسكرية امتداداً لجبهة الجنوب، مما جعلها هدفاً دائماً للطيران الحربي الذي سعى لتحويلها إلى مناطق غير مأهولة.

شنت إسرائيل ما يُعرف بـ 'حرب الجسور' لتقطيع أوصال الجغرافيا اللبنانية وفصل البقاع عن الجنوب بشكل كامل. ودمرت الغارات جسر سحمر-مشغرة، بالإضافة إلى جسر الدلافة الإستراتيجي فوق نهر الليطاني، وهو الشريان الحيوي الذي يربط البقاع الغربي بمناطق حاصبيا ومرجعيون.

التهديدات الإسرائيلية لم تتوقف عند القرى والجسور، بل امتدت لتطال معبر المصنع الحدودي، وهو المتنفس البري الأبرز للاقتصاد اللبناني. ففي مطلع أبريل، صدرت إنذارات بإخلاء الممما أدى لتوقف الحركة التجارية تماماً قبل أن تنجح الاتصالات الدولية في تجميد قرار الاستهداف.

تعتبر مصادر ميدانية أن التهديد باستهداف معبر المصنع يمثل وسيلة ضغط سياسي واقتصادي على الحكومتين اللبنانية والسورية. وتهدف إسرائيل من خلال هذه التهديدات إلى فرض رقابة مشددة على الحدود ومنع أي عمليات نقل لوجستي، رغم أن المعبر مخصص للحركة المدنية والتجارية الرسمية.

على الصعيد الإنساني، يواجه النازحون العائدون تحديات هائلة في تأمين مأوى بديل بعد تدمير آلاف الوحدات السكنية. ورغم استمرار عمل مراكز الإيواء، إلا أن التكافل الاجتماعي كان الأسرع، حيث استضافت العائلات البقاعية أقاربها ممن فقدوا منازلهم في ظل غياب خطة حكومية واضحة للتعويض.

تشير الإحصاءات المتوفرة إلى أن حصيلة الشهداء في البقاعين الشمالي والأوسط تجاوزت 133 شهيداً، بينما سجلت بلدة سحمر وحدها أكثر من 20 شهيداً. هذه الأرقام تعكس حجم العنف الذي مورس ضد المنطقة خلال الأسابيع الماضية، والتي شهدت تكثيفاً غير مسبوق للغارات الجوية.

تؤكد تقارير وزارة الصحة اللبنانية أن إجمالي ضحايا العدوان في مختلف المناطق اللبنانية بلغ نحو 2496 شهيداً وآلاف الجرحى. كما تسببت الحرب بنزوح أكثر من مليون شخص، يعيش جزء كبير منهم الآن في ظروف قاسية بانتظار بدء عمليات إعادة الإعمار.

تروي شهادات ميدانية من البقاع قصصاً مأساوية لعائلات تبحث بين الركام عن ذكرياتها المفقودة وصور ذويها. فالمشهد في القرى المستهدفة لا يقتصر على دمار الحجر، بل يمتد ليشمل تدمير الهوية البصرية والاجتماعية لبلدات كانت تضج بالحياة قبل اندلاع المواجهات.

يخرج البقاع من هذه الحرب مثقلاً بالجراح، لكنه يظل متمسكاً بدوره كخزان صمود في وجه الاعتداءات المتكررة. وبينما تلملم القرى أشلاءها، يبقى السؤال قائماً حول ضمانات الهدنة وقدرة المنطقة على استعادة عافيتها الاقتصادية والزراعية في ظل التهديدات المستمرة.

دلالات

شارك برأيك

البقاع اللبناني تحت وطأة الاستهداف الإسرائيلي: تدمير ممنهج وعمليات إنزال في العمق

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.