تشهد العلاقات العسكرية بين موريتانيا والجزائر تحولاً جذرياً في ظل الظروف الإقليمية المشحونة بالتحولات المتسارعة في منطقة الساحل. ولم يعد هذا التنسيق مجرد بروتوكول لحسن الجوار، بل أضحى ضرورة تفرضها التحديات الأمنية الميدانية، خاصة مع تآكل المنظومات التي حكمت المنطقة لعقد من الزمن.
احتضنت مدينة تندوف مؤخراً الاجتماع الأمني التنسيقي الأول لعام 2026، والذي ضم وفوداً عسكرية رفيعة المستوى من الجانبين. وقد عكس مستوى التمثيل، بحضور قادة المناطق العسكرية الحدودية، انتقال التعاون من أروقة التخطيط المركزي إلى حيز التنفيذ الميداني المباشر على الأرض.
تسعى الدولتان من خلال هذه اللقاءات إلى بناء منظومة عملياتية متكاملة تعتمد على الاستباق والانتشار المنسق للقوات. وتهدف هذه التحركات إلى سد الثغرات الأمنية التي قد تستغلها الجماعات المسلحة أو شبكات الجريمة المنظمة التي تنشط في المناطق الحدودية الوعرة.
تعد الزيارة التي قام بها الفريق أول السعيد شنقريحة إلى نواكشوط في أكتوبر 2024 حجر الزاوية في الديناميكية الحالية. فقد أسست تلك الزيارة لشراكة مهيكلة تجاوزت التعاون التقليدي، لتصل إلى مستوى العقيدة العملياتية المشتركة بين الجيشين الموريتاني والجزائري.
توسعت مجالات التعاون لتشمل قطاعات حساسة تتجاوز المراقبة التقليدية للحدود، حيث باتت تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل آني. كما جرى تكثيف اللقاءات بين مديرية أمن الجيش الجزائري وقيادة الاستخبارات العسكرية الموريتانية لتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة.
تبرز مالي كعامل ضاغط أساسي يدفع البلدين نحو هذا التقارب الوثيق، خاصة بعد وصول المجلس العسكري في باماكو إلى السلطة. وقد أدى إلغاء اتفاق المصالحة لعام 2015 وقطع العلاقات مع الجزائر إلى خلق فراغ أمني خطير في شمال مالي.
تسبب السلوك السياسي والعسكري للسلطات المالية في توترات متزايدة مع محيطها، لا سيما مع موريتانيا التي تعرض سكان قراها الحدودية لمضايقات. هذا الوضع دفع نواكشوط والجزائر إلى ضرورة تحصين حدودهما المشتركة التي تمتد لمسافة 460 كيلومتراً ضد أي انزلاقات غير محسوبة.
التنسيق العسكري بين موريتانيا والجزائر لم يعد ترفاً دبلوماسياً، بل خيار استراتيجي تفرضه معادلات ميدانية متسارعة عنوانها الانفلات الأمني في مالي.
لم تعد الحدود بين البلدين مجرد ممرات للتجارة، بل تحولت إلى منطقة تماس معقدة تتقاطع فيها تهديدات الهجرة غير النظامية والجماعات المسلحة. لذا، أصبح تنسيق الدوريات المشتركة وتوحيد قراءات المشهد الأمني ضرورة ملحة لحماية الأمن القومي للبلدين.
يؤكد مراقبون أن التقارب الموريتاني الجزائري يسير بوتيرة ثابتة ومستقلة عن أي اصطفافات إقليمية أخرى في المنطقة. وتحرص الجزائر على تثبيت شراكتها مع نواكشوط كخيار استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى خلق توازن أمني في ظل غياب الاستقرار الإقليمي.
من جانبها، تدرك موريتانيا أن الحفاظ على استقرارها الداخلي يتطلب تحصين حدودها الشرقية بالشراكة مع قوة إقليمية وازنة. وقد نجحت نواكشوط حتى الآن في تحييد نفسها عن صراعات الساحل المباشرة، لكنها تظل حذرة من تداعيات الانهيار الأمني في جارتها مالي.
تشير التقارير إلى أن المقاربة الأمنية الجديدة بين البلدين لم تعد تكتفي برد الفعل على الأحداث، بل تركز على المبادرة. ويتم ذلك عبر بناء شبكات تنسيق مرنة قادرة على التعامل مع بيئة أمنية سريعة التحول ومفتوحة على احتمالات متعددة.
إلى جانب البعد العسكري، هناك توجه لتعزيز الروابط الاقتصادية كضمانة للاستقرار الأمني، حيث تم توقيع عشرات الاتفاقيات التجارية مؤخراً. ويعكس هذا التكامل إدراكاً بأن الأمن والتنمية يسيران جنباً إلى جنب في مواجهة مخاطر التطرف والفقر.
يرى خبراء في شؤون الساحل أن ما يجري هو إعادة تشخيص مشتركة لوظيفة الحدود في الفضاء الإفريقي المفتوح. فالهدف الأسمى هو منع انتقال الفوضى من بؤر التوتر المجاورة وتأمين المجال الحيوي الذي يربط شمال إفريقيا بمنطقة غرب القارة.
في الختام، يبدو أن الرهان الموريتاني الجزائري يتجه نحو تنسيق عميق وهادئ بعيداً عن الضجيج الإعلامي، لضمان استدامة الأمن. وتظل القدرة على مواجهة الشبكات العابرة للحدود هي الاختبار الحقيقي لمدى نجاح هذه العقيدة الأمنية المشتركة في المستقبل القريب.





شارك برأيك
تنسيق عسكري متزايد بين موريتانيا والجزائر لمواجهة اضطرابات الساحل