أماطت مصادر صحفية إسرائيلية اللثام عن تفاصيل تاريخية تُنشر لأول مرة حول عملية استخباراتية سرية نُفذت خلال حرب عام 1948، استهدفت تهريب سرب من الطائرات المقاتلة من بريطانيا. وتضمنت العملية الحصول على 12 طائرة من طراز 'بوفايتر' الثقيلة، في خطوة هدفت إلى كسر حظر التسليح الدولي الذي كان مفروضاً في ذلك الوقت على المنطقة.
قاد هذه المهمة المعقدة الطيار إيمانويل تسور، الذي نجح في رصد ما وُصف بـ 'الكنز الجوي' داخل الأراضي البريطانية، حيث كانت مئات الطائرات الفائضة عن الحرب العالمية الثانية معروضة للبيع. وجاءت هذه التحركات بناءً على توجيهات مباشرة من القيادة الصهيونية التي كانت تخشى من انهيار قوتها أمام الجيوش العربية الزاحفة.
بحسب الوثائق التي كشفتها صحيفة 'كالكاليست'، فإن دافيد بن غوريون كان يرى أن سلاح الجو هو المفتاح الوحيد لتعويض النقص العددي والنوعي في مواجهة القوات المصرية. وقد ركزت الاستراتيجية الصهيونية حينها على ضرورة امتلاك قوة جوية قادرة على قطع خطوط الإمداد العربية ومنع وصول التعزيزات إلى جبهات القتال.
لتحقيق هذا الهدف، لجأ تسور إلى حيلة سينمائية مبتكرة عبر تأسيس شركة واجهة أطلق عليها اسم 'Air Pilot Film Company' بالتعاون مع شريك بريطاني. وادعت الشركة أنها بصدد إنتاج فيلم وثائقي ضخم يخلد بطولات طياري الحرب العالمية الثانية، مما أتاح لها شراء الطائرات الحربية دون إثارة ريبة السلطات البريطانية في البداية.
استغل القائمون على العملية مخزون سلاح الجو الملكي البريطاني الذي كان يضم آلاف الطائرات المعدة للتفكيك أو البيع بأسعار زهيدة بعد انتهاء الحرب الكبرى. ونجح تسور في إتمام صفقة شراء 12 طائرة مقاتلة، حيث بلغ ثمن الطائرة الواحدة نحو 1500 جنيه إسترليني، وهو مبلغ اعتبر ضئيلاً مقارنة بالقدرات العسكرية التي وفرتها.
لم تخلُ العملية من المخاطر، إذ بدأت أجهزة الأمن البريطانية، وعلى رأسها 'سكوتلاند يارد'، بمراقبة نشاطات تسور بعد ملاحظة تزايد صفقات شراء المعدات الجوية من قبل أفراد مرتبطين بالمنظمات الصهيونية. ورغم الرقابة اللصيقة، تمكنت الشبكة من تزوير وثائق رسمية وتصاريح طيران مكنتها من نقل الطائرات تدريجياً نحو الشرق الأوسط.
حذر بن غوريون في حينه من أن فرص بقاء الكيان الناشئ في مواجهة الجيوش العربية كانت ضعيفة للغاية، ما دفعه للتركيز على استهداف خطوط الإمداد.
عند وصول الطائرات إلى فلسطين، جرى دمجها فوراً في صفوف سلاح الجو الناشئ للاحتلال، حيث شاركت بفعالية في العمليات العسكرية ضد الجيش المصري. وتميزت طائرات 'بوفايتر' بقدرات نيرانية هائلة، إذ كانت مزودة بمدافع رشاشة وأخرى من عيار 20 ملم، مما جعلها سلاحاً فتاكاً ضد الأهداف الأرضية والبحرية.
رغم القوة التدميرية لهذه الطائرات، إلا أنها واجهت تحديات تقنية ولوجستية جسيمة حدت من فاعليتها على المدى الطويل. فقد كانت قيادة هذا الطراز تتطلب مهارات استثنائية، كما أن نقص قطع الغيار وصعوبة الصيانة الميدانية أدت إلى وقوع حوادث عديدة وفقدان عدد من الطائرات خلال المهام التجريبية.
تشير التقارير إلى أن هذه الطائرات لم تخدم في الميدان سوى لأشهر قليلة، حيث تسببت الأعطال المتكررة وغياب الدعم الفني في إخراج معظمها من الخدمة الفعلية. ومع ذلك، يرى المؤرخون العسكريون في إسرائيل أن مجرد وصولها واستخدامها في تلك المرحلة الحرجة شكل دفعة معنوية وعسكرية ساهمت في تغيير موازين القوى.
بعد انتهاء الحرب، انتقل إيمانويل تسور من العمل العسكري السري إلى الإدارة المدنية، حيث عُين كأول مدير لمطار اللد (مطار بن غوريون حالياً). ولعب دوراً محورياً في تأسيس البنية التحتية للطيران المدني في الكيان الإسرائيلي، وظل يشغل مناصب استشارية حتى وفاته في مطلع التسعينيات.
تعد هذه التسريبات جزءاً من محاولات الصحافة العبرية المستمرة لإعادة قراءة تاريخ 'تأسيس الدولة' من منظور استخباراتي، وتسليط الضوء على عمليات الخداع التي مُررت على القوى الدولية. وتكشف القصة عن حجم التواطؤ أو الثغرات الأمنية التي استغلتها العصابات الصهيونية لبناء قوتها العسكرية في ظل الحظر الدولي.





شارك برأيك
كشف تفاصيل عملية سرية لتهريب طائرات بريطانية إلى الاحتلال عام 1948