لم تعد الأزمة التي تعصف بالقضاء الليبي مجرد ترف قانوني أو خلاف عابر على نصوص تشريعية، بل باتت تمثل خطراً وجودياً يهدد كيان الدولة في جوهره. إن اختلال ميزان العدالة في البلاد لم يتوقف عند أروقة المحاكم، بل امتد ليقوض الثقة الشعبية في المؤسسات الرسمية كافة.
بدأت ملامح الانهيار حينما توغلت السياسة في صميم العمل القضائي، حيث تم كسر أحد أهم أعمدة استقلال القضاء عبر تحييده عن إرادته المستقلة. وقد تجلى ذلك بوضوح في تدخل السلطة التشريعية المباشر لتشكيل قمة الهرم القضائي، في خطوة اعتبرها مراقبون خروجاً سافراً عن فلسفة القوانين المنظمة.
هذا التدخل الإداري لم يكن إجراءً روتينياً، بل شكل لحظة مفصلية تحول فيها القضاء من سلطة مستقلة إلى كيان يخضع للتوازنات السياسية المتقلبة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت التصدعات تظهر بوضوح داخل البنيان القضائي، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين المبادئ القانونية والواقع المفروض.
في محاولة لتصحيح المسار، أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا حكماً يقضي بعدم دستورية التعديلات التي أدخلتها السلطات التشريعية. ورغم أن الحكم جاء ليعيد الاعتبار للشرعية القانونية، إلا أنه فتح باباً جديداً من الجدل حول آليات التنفيذ والتبعات المؤسسية المترتبة عليه.
تكمن المعضلة الحقيقية في أن التطبيق الحرفي والفوري لهذا الحكم قد يؤدي إلى فراغ مؤسسي خطير في المرفق القضائي. وفي المقابل، فإن تجاهل الحكم أو الالتفاف عليه يمثل طعنة في خاصرة سيادة القانون، مما يضع الدولة أمام خيارات أحلاها مرّ.
لقد أفرزت هذه الحالة واقعاً مأساوياً يتمثل في انقسام المجلس الأعلى للقضاء بين معسكرين في الشرق والغرب، مما جعل من الصعب بمكان انعقاد المجلس بنصاب كامل. هذا التشظي أدى بدوره إلى تعدد مراكز القرار القضائي وتصاعد الشكوك حول شرعية الهيئات والمحاكم المختلفة.
إن غياب المرجعية الموحدة يطرح تساؤلات كبرى حول من يمثل العدالة في ليبيا اليوم، وكيف يمكن تنفيذ الأحكام في ظل اهتزاز شرعية القاضي. فالإجابة على هذه التساؤلات تبدو صادمة في ظل غياب أي جهة قادرة على حسم النزاعات الوطنية الكبرى.
إن إنقاذ القضاء لم يعد خياراً بل أصبح واجباً عاجلاً، فإذا سقطت العدالة لن يكون هناك ما يمكن إصلاحه في هيكل الدولة.
يرى خبراء قانونيون أن الحل لا يمكن أن يأتي من الخارج أو عبر مزيد من التدخلات السياسية التي لن تزيد المشهد إلا تعقيداً. بل يجب أن ينبع الإصلاح من داخل المنظومة القضائية نفسها، عبر العودة إلى المبادئ الراسخة التي تحكم العمل القضائي منذ عقود.
يبرز مبدأ الأقدمية في هذا السياق كطوق نجاة حقيقي، ليس فقط كقاعدة إجرائية، بل كآلية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة القضاء. إن تفعيل دور الجمعيات العمومية بالمحاكم وتمكين الأقدم من تولي المواقع المتنازع عليها قد يوقف حالة الانقسام الراهنة.
كما يمثل وجود النائب العام في منصبه كنائب لرئيس المجلس الأعلى للقضاء مدخلاً عملياً لاستعادة التماسك المؤسسي، كونه منصباً لا يزال يحظى بتوافق نسبي. هذه الخطوات، وإن لم تكن مثالية، إلا أنها تمثل الحد الأدنى المطلوب لمنع الانهيار الشامل للمنظومة.
وفي خضم هذه الأزمة، برزت مبادرة علمية رصينة أطلقتها مدرسة العلوم القانونية بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا بمشاركة نخبة من الأكاديميين. تسعى هذه المبادرة إلى تقديم مسار واقعي يعيد بناء القضاء من داخل قواعده القانونية بعيداً عن التجاذبات السياسية.
ترتكز المبادرة على إعادة تشكيل مؤقت للمجلس الأعلى للقضاء على أساس الأقدمية، وإدارة المرحلة الانتقالية بهدوء يضمن عدم الصدام بين المؤسسات. كما تهدف إلى إعداد قانون موحد لنظام القضاء يعزز من استقلالية المحكمة العليا والنيابة العامة بشكل نهائي.
إن قيمة هذه المبادرة تكمن في كونها لا تفرض حلولاً فوقية، بل تفتح مساراً للنقاش الجاد حول مستقبل العدالة في البلاد. والسؤال المطروح الآن ليس عن كمال هذه المقترحات، بل عن وجود بدائل أخرى قادرة على حماية الدولة من التفكك الكامل.
تقف ليبيا اليوم أمام لحظة تاريخية لا تحتمل التأجيل أو المماطلة، حيث يمثل القضاء الحصن الأخير لفكرة الدولة الوطنية. فإذا سقط هذا الحصن، فلن يتبقى ما يمكن الدفاع عنه، مما يجعل من تحرك الإرادة الوطنية لإنقاذ القضاء واجباً لا يقبل القسمة على اثنين.





شارك برأيك
القضاء الليبي في مهب الريح: صراع الشرعية يهدد بانهيار آخر حصون الدولة