أقلام وأراء

الجمعة 24 أبريل 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران من كسر الحصار لتحقيق نصر استراتيجي



د.صقر الجبالي: أستاذ العلوم السياسية بكلية القانون والعلوم السياسية بجامعة النجاح

هناك تباين في تقييم ما جرى خلال أربعين يوماً على العدوان الأمريكي- الصهيوني بين إخفاق صهيوأمريكي لتحقيق بعض أهداف العدوان المعلنة من اسقاط وتغيير النظام ونزع سلاحه الباليستي والاستيلاء على 440 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب، وتخلي إيران عن أذرعها المقاومة... وبين ظهور ملامح نصر قد تبدو في الأفق لإيران ومحورها.

نسعى في هذا المقال للإجابة على سؤال هل أخفقت دول العدوان وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافها: للإجابة على هذا السؤال يمكن الإشارة لعدة أمور لعل أبرزها:

أولا: تحول الصبر الاستراتيجي الإيراني الى ردع استراتيجي.

ثانيا: تجسدت وحدة النظام الإيراني بدل تغيره، الأمر الذي حول مضيق هرمز الى رمز سيادي مقر تشريعيا من البرلمان الإيراني.

ثالثا: بدل تفكيك أذرع إيران, عبر ترمب نفسه عن إمكانية انسحابه من حلف الناتو لخذلانه منه عندما لم يلبي طلبه عندما استنجد به؛ الأمر الذي يشير لتفكيك اكثر من ٨٠٠ قاعدة امريكية من دول أوروبية أعضاء بحلف الناتو.

رابعا: راهن ترمب ونتنياهو على تغيير النظام الإيراني بتحريك شارعه من خلال المظاهرات داخله؛ في حين شهدت ولايات أمريكية مظاهرات ميلونية تجاوزت عشرة ملايين، إضافة لبدء حراك ضد استمرار الحرب في تل أبيب.

خامسا: خذلان دول الناتو لاستغاثة ترمب، في حين لم تتردد أطراف محور المقاومة لدعم إيران لصد العدوان كحزب الله بلبنان والحوثيين باليمن وانصار الله بالعراق.

خامسا: كسرت إيران حصارا استمرّ ٤٧ عاماً لنظام جباية تصل لأكثر من مليوني دولار تدفع باليوان الصيني لبعض ناقلات النفط؛ الأمر الذي يهدد مستقبل البترو دولار.

سادسا: تضاعف مبيعات إيران لنفطها بأسعار أعلى وزيادة الطلب على النفط الإيراني.

كما نتناول في هذا المقال خمس قضايا قد تشير إلى ملامح نصر إيراني في هذه الحرب او على الأقل عجهز صهيوأمريكي عن تحقيق الأهداف المعلنة من الحرب، نشير لها على النحو التالي:

للإجابة على ذلك، خلال شهر من العدوان قفزت المواجهة نحو المنطقة الحرجة بقبضة إيران الفولاذية على مضيق هرمز لتشل حركة الملاحة لتصل إلى ٩٥٪؛ نحن لا نشير لأزمة عابرة بل إلى استعصاء جيوفيزيائي ووضع حوالي ألفي سفينة في مصيدة الانتظار القاتل وقفز أسعار النفط لتتجاوز ١٢٠ دولارا للبرميل، الأمر الذي شكل قذيفة اقتصادية في الأسواق العالمية.

وما جرى داخل أروقة البرلمان الإيراني هو ثورة تشريعية سيادية قلبت الطاولة حين قرر المشرع الإيراني أن الرد على العدوان لا يكون فقط بالصواريخ والمسيرات وحدها، بل بالقوانين التي تجبر العالم على الدفع. فقد اكد رئيس لجنة الشؤون المدنية بالبرلمان الإيراني في مجلس الشورى محمد رضا رضائي ان هناك مسودة قانون ستقنن سيادة وإشراف إيران الكامل على مضيق هرمز. وهذا جاء بفعل صبر حائك السجاد لنقل المواجهة الى مجال التشريع السيادي عبر مشروع قانون يخضع مضيق هرمز لبروتوكولات الأمن الملاحي الإيراني لفرض رسوم إجبارية مقابل توفير الأمن من إيران وإبقائه تحت سيطرتها محولة الأمن إلى بوابة استراتيجية ومصدر اقتصادي ضخم سيعوض إيران عن جزء من خسائر الحصار الذي استمر ٤٧ عاما من خلال رسوم مفروضة من خلال هذا التشريع على حوالي ٢٠٪ من نفط العالم، ليشكل مصدر تعويض لإيران لخزينتها ولصندوق التنمية الإيرانية لكسر الحصار وباليوان الصيني.

 وما يعزز ذلك هو تصريح محمد رضا عارف ليضع النقاط على الحروف ليعلن نظام الحوكمة في مضيق هرمز بعد هذا القانون لن يعود كما كان سابقا: من خلال فرض رسوم وصلت لمليوني دولار على بعض السفن كضريبة عبور للسيادة، لذلك جاء تصريح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت كمحاولة فتح مضيق هرمز ومحاولة استعادة السيطرة عليه ومرافقة السفن كشهادة عجز عسكرية. فالحرب لم تعد صراعا بين الجنرالات والعسكر بل بين الهيمنة الائتمانية للبرلمان الإيراني وبين الخزانة الأمريكية فعجز أمريكا عن دخول مضيق هرمز وتخلي الناتو عنها وعجز خزينتها عن تأمين سفنها داخل الخليج فتح الباب واسعا الى سيادة هندسة الحسم الإيراني حين تعانق المشرع الإيراني مع صانع القرار داخل مقر خاتم الأنبياء ليرسم معالم السقوف الأمريكية عبر عدة محاور لعل أبرزها:

اولاً: حدوث تحول في داليكتيك الصراع ليتحول من صراع عسكري الى صراع ائتماني بين وزير الخزانة الأمريكي والمشرع الإيراني. وقد يمهد هذا إلى تشريع يمهد بموجبه لانسحاب إيران من اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية. فأمريكيا تقف عاجزة أمام الفيتو السياسي الإيراني الذي طالما عانى من تسلط واستبداد الفيتو الأمريكي الغربي بمجلس الأمن.

ثانيا: الفشل التكتيكي للأساطيل الضاربة من خلال حشد أمريكي لترسانة ضخمة من الأسلحة قد تكون الأضخم تاريخيا بعد الحرب العالمية الثانية، لعل أبرزها حشد اضخم خمسة حاملات طائرات امريكية منها حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر. فورد" و "يو إس إس أبراهام لينكولن" وسبع مدمرات هي: "يو إس إس فرانك إي. بيترسن جونيور"، و"يو إس إس سبروانس"، و "يو إس إس ديلبرت بلاك"، و"يو إس إس جون فين"، و"يو إس إس ماكفول"، و"يو إس إس ميليوس" و"يو إس إس بينكني، و مدمرتين أميركيتين هما "يو إس إس مايكل مورفي" و"يو إس إس ميتشر"، إلى جانب سفينتي القتال الساحلي "يو إس إس كانبيرا" و"يو إس إس سانتا باربرا"،...على متنها افضل انواع القاذفات الاستراتيجية... في حين ان اي محاولة صهيو أمريكية لمحاولة انزال بحرى او بري هو مقامرة عسكرية ينتظرها الجنود الإيرانيون لإحكام سيطرتهم ولتجعل من مضيقي هرمز وباب المندب فكي كماشة تلتهم اي قوة مهما كان شكلها تقترب من هذه المضائق.

ثالثا: الهندسة السيادية الإيرانية لتحول المضيق إلى اصل استراتيجي دائم، فإيران لا تتحكم بالمضيق فقط بل قيام لجنة برلمانية بأدلجة قانونية ليصبح مضيق هرمز أداة سيطرة لا تقبل المساومة، فالرسوم الإيرانية هو مكسب إيراني دائم دون أن تطلق رصاصة واحدة او مسيرة او صاروخ.

رابعا: الفلسفة الإيرانية بالإدارة وبالاستحقاق فعبور مضيق هرمز لمن يملك رمز المرور من إيران والدفع باليوان الصيني لوضع المسمار في نعش البيترودولار .

إن الفشل العسكري الصهيوأمريكي دفع الولايات المتحدة للطلب من رئيس وزراء الباكستاني لتقديم مقترح هو في الأصل مقترح أمريكي قبل نهاية المهلة التي هدد فيها ترمب للقضاء على ما أسماه "الحضارة الإيرانية وعودتها للعصر الحجرى"، وبالرغم من ذهابة للحل السياسي الدبلوماسى الا أن فشل ايضا في تحقيق ما عجز عن تحقيقه بالعدوان العسكري، وما زال يستجدى بضرورة عودة فتح مضيق هرمز.

إن اقتراب أي نصر إيراني مهما كان شكله سيشكل بداية إعلان وفاة لكل ضغوط أمريكا وهيمنتها على الخليج خاصة والعالم عامة.

في حين قد ترسم إيران معالم جديدة لشرق أوسط جديد تهندسه عبقرية القائد وصمود الحرس الثوري ودهاء المشرع.... يختلف تماما عن ما رسمه نتنياهو كأحد أهداف العدوان، فإيران لا تدافع عن حدودها بل قد تضع حدا لعربدة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني... فهل يكون بداية لنهضة الأمة لفرض سيادتها على أرضها وموادها ورسم مستقبل جديد لها.

دلالات

شارك برأيك

إيران من كسر الحصار لتحقيق نصر استراتيجي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.