منذ بزوغ فجر دول الاستقلال في المنطقة العربية، بدا وكأن الانقسام قدرٌ محتوم يطارد هذه الكيانات، حيث توزعت الولاءات بين الأقطاب العالمية الكبرى. وقد عكس هذا الدوران في الفلكين الشرقي والغربي طبيعة الصراع الدولي الذي أداره الوكلاء الإقليميون بناءً على خرائط طريق رسمتها القوى العظمى آنذاك.
كانت الأنظمة الرسمية هي الفاعل الوحيد في إدارة هذه التجاذبات، حيث تجلت الاختلافات الأيديولوجية كصدى للمدارات الدولية التي يتحرك فيها كل نظام. ورغم مركزية القضية الفلسطينية، إلا أنها لم تنجح في صهر هذه المواقف، بل تحولت أحياناً إلى مادة للاتهامات المتبادلة بالعمالة أو الديماغوجية.
في تلك الحقبة، كانت الأزمات الدبلوماسية تدار بمشرط الجراح الرسمي، حيث تفتعلها الأنظمة وتتحكم في سقف تصعيدها أو تهدئتها. ولم يكن للشارع العربي أو حتى النخب الفكرية دور ملموس في توجيه هذه الأزمات أو الضغط من أجل إيجاد تسويات تحافظ على مقومات وحدة الأمة.
ظلت الشعوب العربية لفترة طويلة بمنأى عن هذه الخصومات الرسمية، بفضل كيمياء الأخوة والتاريخ المشترك التي منعت تحول الخلاف السياسي إلى عداء شعبي. كانت الوشائج العاطفية والثقافية أقوى من قرارات سحب السفراء أو إغلاق الحدود التي كانت تتخذها الحكومات في لحظات التوتر.
لكن المشهد تغير جذرياً مع انهيار جدران التواصل التقليدية بفضل الثورة المعرفية والتقنية التي حولت العالم إلى مساحة مكشوفة للجميع. هذه التحولات جعلت كل تفاصيل الظواهر السياسية والثقافية متاحة أمام أعين الجماهير، مما أتاح للفرد الانخراط المباشر في التعبير عن مواقفه.
لقد أفلتت الأزمات من قبضة النظام الرسمي لتستقر في متناول الجميع، حيث أصبحت الأمزجة العامة هي المحرك الأساسي للأحداث. ولم يعد الانقسام في الرأي العام العربي يحتكم إلى قواعد أو معايير ثابتة، بل صار خاضعاً للأهواء الشخصية والتقلبات اللحظية التي تفتقر للمنطق.
هذا التحول أدى إلى ما يمكن تسميته بالخصومات 'البَيْناسِيّة'، وهي المعارك التي تدور رحاها بين الناس عبر شاشات الحواسيب ومنصات التواصل. وفي هذه المعارك، تُستخدم كافة الأسلحة الممنوعة أخلاقياً، من سباب وتخوين وتحقير، مما يمزق صلات الرحم وواجب الجيرة بين أبناء الأمة الواحدة.
انتقلنا من الأزمات الدبلوماسية إلى الخصومات 'البَيْناسِيّة'؛ حيث يخوض الناس معارك شرسة عبر الحواسيب بأسلحة تفتقر للأخلاق والمعرفة.
لقد تراجع معيار الحقيقة والوطنية أمام طغيان الأهواء، حتى بات مواطنو بعض الدول يتصرفون كجاليات تابعة لخيارات سياسية خارجية. هذا الانفلات العاطفي والمعرفي يعكس أزمة عميقة في الوعي الجمعي، حيث غابت الرؤية الرصينة لصالح الاندفاعات الغوغائية التي لا تخدم سوى الأعداء.
إن نجاح القوى الخارجية في تحويل الشعوب إلى 'جموع جمة' يمثل حقيقة مرعبة تعبر عن هشاشة الروابط العقدية والفلسفية الحالية. لقد تحول الفضاء العربي إلى حقل من الهشيم القابل للاشتعال عند أي شرارة، دون وجود عقل راجح أو سياسي بصير يقدر على كبح جماح هذا التردي.
تتجلى خطورة هذه الخصومات في كونها لا تكتفي بتمزيق النسيج الاجتماعي، بل تعمل على اغتيال الحقائق الكبرى وتشويه الوعي التاريخي. وأصبح من الضروري التساؤل عن كيفية استعادة المعنى الإنساني المخبوء في أعماقنا لمواجهة دعوات الفوضى والتمزق التي تضرب أركان البيت العربي.
إن الدفاع عن السيادة الوطنية والتحرر الحقيقي يتطلب رسم خارطة سير جديدة تحتكم إلى الحق والعدالة ومبدأ الكرامة الإنسانية. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالترفع عن الخصومات الصغيرة والتركيز على القضايا المصيرية التي تجمع ولا تفرق، بعيداً عن أدوات التحريض الرقمي.
يجب على النخب والمثقفين استعادة دورهم في توجيه الرأي العام نحو قضايا البناء والوحدة بدلاً من ترك الساحة للأهواء المنفلتة. إن استعادة 'كيمياء الأخوة' تتطلب جهداً معرفياً وأخلاقياً يعيد الاعتبار للقيم الجامعة التي صمدت لقرون أمام عواصف السياسة المتقلبة.
في نهاية المطاف، يبقى الرهان على وعي المواطن العربي في ألا يكون مجرد عود ثقاب في حقول الهشيم التي يراد لها الاحتراق. إن الوعي بالذات وبالآخر هو السبيل الوحيد لمنع تحول الخلاف في الرأي إلى قطيعة في الرحم أو عداء يخدم أجندات لا تريد الخير للمنطقة.
إن الانتقال من الأزمات الدبلوماسية المحكومة إلى الخصومات الشعبية المفتوحة ينذر بمستقبل قاتم إذا لم يتم تدارك الأمر بوعي جمعي. فالعلاقات بين الشعوب يجب أن تظل مقدسة وفوق كل اعتبار سياسي عابر، حفاظاً على ما تبقى من أمل في نهضة عربية شاملة.





شارك برأيك
من الدبلوماسية إلى 'البَيْناسِيّة': كيف تحولت الخلافات العربية إلى صراعات شعبية؟