تعتبر السينما الأمريكية مرآة عاكسة للثقافة السياسية في الولايات المتحدة، حيث يرى مراقبون أن هوليوود تمثل 'الكتاب المقدس' للدولة، بينما يلعب الممثلون والسياسيون أدواراً تتبادل المواقع بين القداسة والتدنيس. ويظهر هذا الجلي في سلوك وزير الدفاع الأمريكي الجديد، بيت هيغسيت، الذي أثار الجدل بوشومه واقتباساته التي خلطت بين النصوص الدينية ومشاهد السينما.
لقد رصد المتابعون سقطة لافتة لهيغسيت حين استشهد بعبارة ظن أنها من الإنجيل، ليتبين لاحقاً أنها مقتبسة من فيلم 'بلب فيكشن' للمخرج كوينتين تارنتينو. هذا التداخل بين النص السينمائي والخطاب السياسي يعكس حالة من 'الخيال الرخيص' التي تهيمن على المشهد العام، حيث تصبح الحبكات الدرامية مرجعاً لصناع القرار.
أما الرئيس دونالد ترامب، فقد كان جزءاً من عالم التلفزيون والسينما قبل دخوله المعترك السياسي، حيث ظهر في مشهد شهير بفيلم 'وحده في البيت'. هذا الخلفية جعلت منه شخصية تجيد فن 'الاستعراض'، وهو ما يفسر ميله الدائم لجذب الأضواء وتحويل السياسة إلى منصة للعروض الجماهيرية الكبرى.
في سياق متصل، لجأ ترامب إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتصوير نفسه في هيئات مقدسة، ونشر تلك الصور عبر منصته 'تروث سوشيال'. ورغم حذفه لبعض تلك المنشورات لاحقاً، إلا أنها كشفت عن رغبته في دمج صورته الشخصية بهالة من الرمزية التي تتجاوز حدود العمل السياسي التقليدي إلى فضاءات 'البروباغندا' البصرية.
يمكن تشبيه حالة ترامب ببطل فيلم 'أن تكون هناك' (Being There)، وهو بستاني بسيط وجد نفسه فجأة مستشاراً سياسياً مؤثراً بسبب سطحية الإعلام. هذا التشابه يطرح تساؤلات حول مدى تأثير ثقافة التلفزيون على وعي الناخب الأمريكي وقدرته على التمييز بين الكفاءة السياسية وبين الأداء التمثيلي المتقن.
لا تقتصر المقاربات السينمائية على ترامب وحده، بل تمتد لتشمل فريقه الإداري، حيث تم اختيار كارولين ليفيت ناطقة باسم البيت الأبيض. هذا الاختيار يعزز من توجه الإدارة نحو 'الجمالية البصرية' والقدرة على إدارة العروض الإعلامية، وهو ما يفضله ترامب الذي يولي أهمية قصوى للصورة الذهنية.
وفيما يخص السياسة الخارجية، تبدو التوترات مع إيران ومضيق هرمز وكأنها مشهد من أفلام 'النوار' أو الكوميديا السوداء. فالرجل الذي يتأرجح في خطابه بين إعادة إيران للعصر الحجري أو العصر الذهبي، يجسد حالة من الحيرة السياسية التي تشبه تقلبات أبطال الأفلام السينمائية المعقدة.
هوليوود هي كتاب أمريكا المقدس، والممثلون هم أنبياؤه، والسياسة اليوم ليست سوى عرض مستمر من الخيال الرخيص.
تاريخ ترامب المثير للجدل، بما في ذلك القضايا الضريبية والملاحقات القانونية، يذكره البعض بفيلم 'ذئب وول ستريت'. ومع ذلك، تمنحه الحصانة الرئاسية قدرة على المناورة تجعل من الصعب ملاحقته، تماماً كما في قصص المحتالين النابغين الذين ينجحون دائماً في الهروب من قبضة العدالة في اللحظات الأخيرة.
من جهة أخرى، برزت ميلانيا ترامب في المشهد الإعلامي مؤخراً لتبرئة نفسها من فضائح 'إبستين' والمطالبة بتحقيقات رسمية. هذا التحرك يذكر بفيلم 'الجمال الأمريكي' أو 'الحلاوة الأمريكية'، حيث تظهر الصراعات الخفية داخل العائلات التي تبدو مثالية من الخارج أمام عدسات الكاميرات.
إن الشخصية الأمريكية النمطية التي تروج لها الأفلام، من الغضب الدائم والتدين الشكلي والتقلب في العهود، تجد تمثيلاً صارخاً في السلوك السياسي الحالي. فالجريمة الكاملة في السياسة قد لا تؤدي دائماً إلى العقاب القانوني، لكنها نادراً ما تنجو من الفضيحة الإعلامية التي تلاحق أصحابها.
يرى المحللون أن ترامب يمثل 'الرجل الأخضر' في السياسة؛ ينتفخ غضباً ويهدد بدمار شامل، ثم يعود فجأة إلى حجمه الطبيعي للتفاوض. هذا النمط من الإدارة القائم على التهديد والانسحاب يخلق حالة من عدم اليقين الدولي، تشبه إلى حد كبير أفلام الإثارة التي لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
علاقة ترامب بالكنيسة والبابا لم تخلُ أيضاً من الدراما السينمائية، حيث لوح بقدرته على التأثير في المؤسسات الدينية التقليدية. هذه النرجسية السياسية تعيد للأذهان مشاهد من فيلم 'العراب'، حيث تتداخل السلطة الزمنية مع النفوذ الروحي في صراع محموم على الزعامة.
في النهاية، تظل أمريكا تحت إدارة ترامب أشبه بفيلم طويل يعرض على نشرات الأخبار، حيث النفط والمضايق المائية هي المحرك الأساسي للأحداث. وسواء كان الفيلم 'خيالاً رخيصاً' أو 'ثميناً'، فإن العالم يترقب بذهول فصول هذه الدراما الواقعية التي تتجاوز في غرابتها خيال كتاب السيناريو في هوليوود.
إن استمرار استدعاء الرموز السينمائية في الخطاب الرسمي الأمريكي يشير إلى أزمة في الهوية السياسية، حيث يتم استبدال البرامج الواقعية بصور نمطية مستهلكة. ومع اقتراب المواعيد السياسية الكبرى، يبقى السؤال: هل ستنتهي هذه الحقبة بنهاية سعيدة أم بمأساة تراجيدية تليق بأفلام 'الأبوكاليبس'؟





شارك برأيك
السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة؟