يتناول الكاتب والباحث التونسي عامر عيّاد في الجزء الثاني من قراءته النقدية لكتاب 'ما وراء الغرب' للمؤلف الألماني شتيفان فايدنر، إشكالية الانتقال من تشخيص أزمة الحداثة إلى مرحلة التأسيس. ويرى عيّاد أن فايدنر ينجح في زعزعة يقين الحداثة بعالم مادي مكتفٍ بذاته، لكنه يتوقف عند عتبة العبور نحو حلول جذرية.
يؤخذ على أطروحة فايدنر أنها تظل أسيرة تصور 'مخفف' لمفهوم الغيب، حيث لا يتم التعامل معه كوحي أو إطار ناظم للوجود، بل كمجرد أفق فلسفي مفتوح. هذا الحذر من العودة الصريحة للدين يجعل المشروع يكتفي بإعادة تأهيل السؤال دون الجرأة على بناء جواب متكامل يمنح الغيب مضموناً محدداً.
تظهر المراجعة النقدية أن الكتاب يفتقر لتقديم بديل حقيقي للحداثة رغم كشفه لمحدودية العقل الأداتي. فالمؤلف يترك الأسئلة معلقة حول ما إذا كان الحل يكمن في العودة للدين أو ابتكار إيمان جديد، مما يجعل النص قوياً في نقده وضعيفاً في قدرته التأسيسية على تجاوز المأزق الراهن.
يشير التحليل إلى تناقض ضمني في مشروع فايدنر، فهو يدعو للاعتراف بحدود العقل لكنه يرفض أي مرجعية تتجاوزه بشكل حاسم. إنه يبحث عن غيب 'آمن' لا يفرض التزامات أخلاقية أو معرفية صارمة، مما يفرغ المفهوم من جوهره التاريخي المرتبط بادعاء الحقيقة المطلقة.
يعكس هذا التردد وضعية أوسع يعيشها الفكر الغربي المعاصر، الذي يتأرجح بين الرغبة في استعادة المعنى والخوف من تقويض مكتسبات الحداثة واستقلالية العقل. ويطرح عيّاد تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الإنسان على العيش على تخوم الغيب دون الانتماء إليه فعلياً في ظل سيطرة النزعة العدمية.
تنتقل القراءة إلى عقد مقارنة إبستمولوجية بين الغيب كفكرة فلسفية والغيب كبنية وحيية مكتملة. فبينما يرى فايدنر الغيب كشرط لإبقاء العالم مفتوحاً ومقاوماً للاختزال، يظل هذا التصور بلا مركز ثقل يحدد ما ينبغي فعله أو الإيمان به، مما يجعله يحرر السؤال دون تأسيس المعرفة.
في المقابل، يبرز التصور الإسلامي للغيب بوصفه مصدراً أساسياً للمعرفة وليس مجرد حد لها، حيث يُعرف عبر الوحي كخبر صادق عن واقع يتجاوز الحواس. الغيب هنا لا يكتفي بفتح الأفق بل يملؤه بالمعنى، ويحول الإشكال الوجودي إلى بنية معرفية وأخلاقية متكاملة توجه الفعل الإنساني.
الغيب عند فايدنر ليس وحياً ولا مصدراً للحقيقة، بل مجرد أفق أو إمكانية، وهو غيب بلا التزام أو تبعات معرفية واضحة.
يوضح عيّاد أن الفرق الجوهري يكمن في وظيفة الغيب؛ ففي الفلسفة هو أداة لمنع انغلاق العالم، بينما في الدين هو إطار لتجاوز القلق الوجودي. ومع ذلك، فإن استعادة الغيب بوصفه وحياً في السياق الحديث تصطدم بمسلمة استقلالية الإنسان، وهو ما يحاول فايدنر تجنبه عبر حلول وسطى.
ينتقل التحليل لمساءلة الواقع العربي، مشيراً إلى أننا نعيش نسخة مشوهة من أزمة المعنى رغم الحضور الكثيف للدين في المجال العام. ففقدان الغيب في العالم العربي لا يتم عبر إنكاره، بل من خلال إفراغه من مضمونه وتحويله إلى هوية مغلقة أو طقوس منفصلة عن جوهر الحياة.
يؤكد الباحث أن الدين في المجتمعات العربية تحول في كثير من الأحيان إلى أداة للتجاذب السياسي أو علامة انتماء شكلي. هذا الوضع أدى إلى تراجع السؤال الأعمق حول ماهية الإيمان وتأثيره في رؤية الإنسان للعالم، مما خلق فراغاً مغطى بكثافة رمزية لا تنتج معنى حقيقياً.
تتجلى هذه المفارقة بوضوح في السياق التونسي بعد الثورة، حيث عاد الدين كعنصر صراع وتعبئة بدلاً من كونه مصدراً للمعنى الوجودي. ويحذر عيّاد من أن فقدان الغيب الحقيقي يحدث عندما يتعطل كأفق للتفكير والبحث، ويتحول إلى مجرد تراث أو ذاكرة جامدة لا تملك القدرة على التغيير.
تكمن قيمة كتاب فايدنر، رغم سياقه الغربي، في تذكير القارئ العربي بأن الغيب شرط أساسي لإنتاج المعنى وليس مجرد عنصر هوياتي. فالتحدي في الشرق ليس الدفاع عن الدين كمعطى جاهز، بل إعادة تفعيله كإشكال حي يلامس التجربة الإنسانية في القلق والبحث عن الحقيقة.
يخلص المقال إلى أن الغيب في جوهره هو اختبار لمعنى أن يكون الإنسان إنساناً، وليس مجرد موضوع للتأمل الفلسفي. فالمشكلة المعاصرة ليست في نقص المعرفة العلمية، بل في اختلال المعنى الذي يجعل الإنسان الحديث يسيطر على العالم مادياً بينما يفتقر للاطمئنان الروحي.
في الختام، يترك كتاب 'ما وراء الغرب' القارئ أمام مرآة تعكس أزمة موقع الإنسان بين معرفة تتسع ومعنى يتراجع بصمت. إن الاضطراب الذي يخلقه النص هو أهم إنجازاته، لأنه يضعنا أمام سؤال حتمي حول قدرة البشرية على العيش دون الاعتراف بحدودها المتعالية.





شارك برأيك
ما وراء الغرب: قراءة في أزمة المعنى ومحاولات استعادة الغيب فلسفياً