تؤكد الوقائع التاريخية والنصوص الدينية المتضافرة أن الأصل في الوجود الإنساني هو التوحيد، حيث كان الدين الأول الذي عرفته البشرية قائماً على وحدانية الخالق. ومع مرور الزمن، بدأ الإنسان بالانحراف التدريجي عن هذه الفطرة السليمة حتى وقع في براثن الشرك، وهو ما يتوافق مع النقل الصحيح والعقل الصريح.
لقد اهتدى مجموعة من علماء الآثار والباحثين الغربيين في الأديان إلى هذه الحقيقة، متجاوزين النظريات القديمة التي كانت تربط التوحيد بالتقدم الحضاري فقط. ومن بين هؤلاء الباحث أدميسون هيوبيل، المختص في دراسة الملل البدائية، الذي أكد أن الرجل القديم كان قادراً تماماً على التفكير في الذات المقدسة والخالق العظيم.
فند هيوبيل أطروحات العالم 'تايلور' التي زعمت أن التفكير الديني الموحد هو ثمرة لتطور بدأ بعبادة الأرواح ثم تعدد الآلهة وصولاً إلى التوحيد. واعتبر الباحثون المعاصرون أن هذه الرؤية التطورية تفتقر إلى الدقة العلمية ولا تصمد أمام الاكتشافات الحديثة التي تثبت أصالة الإيمان بالخالق الواحد لدى الشعوب القديمة.
في سياق متصل، أشار الباحث أندريلانج إلى أن الشعوب في مناطق نائية مثل أستراليا وأفريقيا والهند امتلكت اعتقاداً راسخاً في الله العظيم بشكل مستقل تماماً. وأوضح أن هذا الاعتقاد لم يكن مستمداً من المؤثرات المسيحية الخارجية، بل كان نابعاً من جذور فطرية وتاريخية عميقة في تلك المجتمعات.
عزز العالم الأسترالي وليم سميث هذا التوجه في كتابه الشهير 'أسس فكرة التوحيد'، حيث حشد مجموعة ضخمة من البراهين والأدلة الميدانية. وخلص سميث إلى أن أول ممارسة تعبدية قام بها الإنسان على وجه الأرض كانت موجهة نحو إله واحد عظيم، مما يقلب المفاهيم الاستشراقية التقليدية.
من جانبه، قدم الدكتور حاج أورانج كاي، أحد علماء الملايو، شهادة حية من واقع بلاد إندونيسيا حول جذور التوحيد في تلك الديار. وأكد أن سكان منطقة 'أرحبيل' كانوا يعبدون الله الواحد قبل وصول الإسلام أو النصرانية أو حتى التأثيرات الهندوسية التي تركت بعض الرواسب لاحقاً.
كشفت الدراسات اللغوية في جزيرة 'كلمنتان' أن التعبيرات الموروثة في اللغة الدارجة القديمة تعكس تصوراً اعتقادياً بوحدانية الخالق. وهذا يدل على أن التوحيد كان هو الأصل الثابت لأجداد تلك الشعوب قبل أن تطرأ عليهم الهجرات الهندوسية أو التغيرات الثقافية التي غيرت بعض ملامح معتقداتهم.
إنَّ الأصل في الإنسان التوحيد، وهذا يدحض افتراءات القائلين بأن التديُّن من صنع الإنسان أو أنه بدأ بتعدد الآلهة.
اجتمع فريق كبير من العلماء، من بينهم فريزر شميدث وبتاتزولي، على صياغة ما يُعرف بـ 'نظرية فطرية التوحيد وأصالته'. واستند هؤلاء في نظريتهم إلى اكتشافات وحفريات قديمة أثبتت وجود أمم عريقة لم تعرف تعدد الآلهة في مراحلها الأولى، بل كانت متمسكة بعقيدة الوحدانية.
تعتبر هذه الأبحاث العلمية رداً حاسماً على الادعاءات التي تزعم أن التدين هو مجرد اختراع بشري تطور من عبادة الطبيعة إلى التعدد ثم التوحيد. فالحقيقة العلمية المؤيدة بالدليل العقلي والنقلي تثبت أن التعدد والوثنية هما ظاهرتان طارئتان ومتطفلتان على العقيدة الأصلية الصافية.
إن هذه الحقائق الدامغة تؤدي بالضرورة إلى انهيار نظرية 'أوغاسط كونت' التي سيطرت لفترة طويلة على الفكر الغربي. فقد كان كونت يزعم أن البشرية بدأت بالشرك وانتهت بالتوحيد كخاتمة للمطاف، وهي رؤية أصبحت اليوم تدرس كأثر تاريخي لا قيمة علمية لها في ظل الأبحاث الحديثة.
التجارب التاريخية الصادقة، التي قادها الأنبياء والمرسلون عبر العصور، تؤكد أن الإنسانية بدأت بالتوحيد ثم انحرفت شيئاً فشيئاً نحو الشرك. وهذا المسار التاريخي هو ما يفسر حاجة البشرية الدائمة لإرسال الرسل لتصحيح المسار وإعادة الناس إلى فطرتهم الأولى التي جبلوا عليها.
عندما انحرفت الإنسانية في عقيدتها وغرقت في ظلمات الوثنية، شاءت رحمة الله أن يرسل نوحاً عليه السلام ليكون أول الرسل بعد وقوع الشرك. وجاءت رسالته لتبشر بالحق في مجال العقيدة، وبالخير في الأخلاق، وبالعدالة في التشريع، ليعيد بناء المجتمع على أساس التوحيد.
إن الإيمان بالخالق الواحد ليس مجرد مرحلة متقدمة من التفكير البشري، بل هو غريزة مغروسة في الفطرة وأيقنت بها العقول الرشيدة. وكلما تعمق الباحثون في دراسة تاريخ الشعوب البدائية، وجدوا آثاراً باقية من ذلك الإيمان الأول الذي لم يمحُه الزمن رغم تراكم الخرافات.
ختاماً، فإن شهادات المؤرخين وعلماء الآثار المعاصرين تلتقي مع ما جاء به الوحي الإلهي حول أصل الدين. فالتوحيد هو المنطلق، والشرك هو الانحراف، والعودة إلى التوحيد هي السبيل الوحيد لاستقامة الحياة البشرية وتحقيق العدالة والخير في الأرض.





شارك برأيك
شهادة التاريخ والمؤرخين: التوحيد هو الأصل الفطري والديانة الأولى للبشرية