تحولت مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان إلى ساحة اشتباك مباشر وعنيف بين قوات الجيش الإسرائيلي وعناصر حزب الله، الذين بدأوا في تطبيق تكتيكات قتالية جديدة تعتمد على الاستنزاف المستمر. وتعكس هذه المواجهات تحولاً جذرياً في طبيعة العمليات البرية، مما يؤشر إلى معركة طويلة الأمد ذات كلفة مرتفعة للطرفين المتقاتلين في المنطقة الحدودية.
ومنذ أسبوع، تتواصل الاشتباكات الضارية داخل أحياء المدينة، حيث وصفت مصادر ميدانية المعارك بأنها تدور من 'مسافة صفر'. وتحاول القوات الإسرائيلية المتوغلة إحراز تقدم ملموس داخل العمق السكني، في حين يتصدى لها مقاتلو الحزب عبر سلسلة من الكمائن المحكمة وعمليات الاستهداف المباشرة التي تعرقل حركة الآليات.
وأفادت مصادر بأن مقاتلي حزب الله يركزون جهودهم حالياً على ضرب خطوط إمداد القوات الإسرائيلية المتقدمة، واستهداف تحركاتها في نقاط حيوية مثل محيط الملعب البلدي وحي البركة. ويعتمد هذا النمط القتالي على الحركة السريعة والمباغتة، أو ما يعرف بأسلوب 'الكر والفر'، بدلاً من التمركز التقليدي في مواقع دفاعية ثابتة.
في المقابل، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن توجهات عسكرية لتثبيت الوجود الميداني في القرى الحدودية اللبنانية عبر خطة لإنشاء 15 معسكراً دائماً. وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الجيش الإسرائيلي لتحقيق إنجازات ميدانية ملموسة وتكثيف العمليات البرية لفرض واقع جديد على الأرض قبل أي تسوية سياسية محتملة.
ويرى خبراء عسكريون أن معركة بنت جبيل مرشحة لتكون نقطة مفصلية في مسار المواجهة الحالية، نظراً لأهميتها الجغرافية والرمزية. فبينما تسعى إسرائيل لتحقيق خرق سريع، يراهن حزب الله على استراتيجية الاستنزاف الطويل لإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف القوات المهاجمة ومنعها من الاستقرار.
من جانبه، أوضح العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن أهمية المدينة تتجاوز البعد العسكري لتصل إلى البعد المعنوي المرتبط بمعادلات الردع التاريخية في الجنوب. وأشار إلى أن إسرائيل تهدف لتحويل هذه المنطقة إلى حزام أمني عازل بعمق يصل إلى 8 كيلومترات، مما يجعل السيطرة على بنت جبيل هدفاً استراتيجياً مركزياً.
وتواجه القوات الإسرائيلية مقاومة شرسة حالت دون قدرتها على تطويق المدينة بالكامل رغم محاولات الاقتحام من عدة اتجاهات. وقد تحولت المواجهة إلى قتال شوارع مفتوح داخل الأحياء السكنية، وهو نوع من القتال يقلل من فاعلية التفوق التكنولوجي والجوي الإسرائيلي ويمنح المدافعين أفضلية الميدان.
بنت جبيل عقدة عملياتية لا يمكن تجاوزها عسكرياً دون السيطرة الكاملة عليها، نظراً لما تمثله من تهديد لأي قوات متقدمة نحو نهر الليطاني.
وتتمتع بنت جبيل برمزية سياسية خاصة منذ عام 2000، حيث شهدت خطاب 'بيت العنكبوت' الشهير الذي ألقاه الأمين العام السابق للحزب. هذه الرمزية دفعت وسائل الإعلام الإسرائيلية لإعادة بث مقاطع من الخطاب تزامناً مع العمليات العسكرية، ونشر صور تظهر استهداف الملعب الذي احتضن تلك المناسبة التاريخية.
وفي قراءة للسلوك الميداني، يبرز تحول لافت في استراتيجية حزب الله نحو 'الدفاع المرن' الذي لا يتمسك بالأرض بشكل جامد. هذا الأسلوب يهدف إلى استنزاف القوات المهاجمة عبر كمائن متنقلة وضربات مركزة، مما يفسر استمرار القتال في مناطق أعلنت إسرائيل سابقاً السيطرة عليها مثل بلدة الخيام.
وعلى الصعيد العملياتي، يصف الباحث هشام جابر مدينة بنت جبيل بأنها 'عقدة طرق' رئيسية تربط بين محاور القتال في القطاعين الأوسط والشرقي. فالسيطرة عليها تعد ضرورة عسكرية لأي تقدم إسرائيلي مستقبلي نحو نهر الليطاني، وبدونها تظل القوات المتقدمة عرضة للالتفاف والتهديد الدائم من الخلف.
ورغم حشد عشرات الآلاف من الجنود، يصف مراقبون التقدم الإسرائيلي بأنه 'بطيء للغاية' ولا يتناسب مع حجم القوة المستخدمة. فقد استغرقت القوات أسابيع للتقدم كيلومترات قليلة، وهو ما يعكس صعوبة التضاريس وصلابة الدفاعات التي أعدها المقاتلون المحليون لخوض معارك طويلة الأمد حتى في حالات الحصار.
وبالتوازي مع الميدان، تشهد الأروقة الدبلوماسية تحركات متسارعة تقودها واشنطن للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وقد عقد المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر اجتماعاً لبحث مقترحات أمريكية، وسط انقسام واضح بين الوزراء حول جدوى وقف العمليات العسكرية في هذه المرحلة الحساسة من المواجهة.
ميدانياً، لا يزال القصف الجوي الإسرائيلي يستهدف القرى والبلدات الجنوبية بكثافة، حيث سجلت الساعات الأخيرة سقوط عشرات الضحايا والجرحى. وتأتي هذه الغارات في إطار سياسة الضغط القصوى التي تنتهجها تل أبيب لمحاولة انتزاع تنازلات سياسية عبر التدمير الممنهج للمناطق السكنية والبنى التحتية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى بنت جبيل والقرى المحيطة بها مسرحاً لصراع الإرادات بين جيش نظامي يسعى لفرض منطقة عازلة ومقاتلين يعتمدون حرب العصابات. ومع استمرار المفاوضات السياسية، يظل الميدان هو الحكم في تحديد سقف المطالب وشروط أي اتفاق مستقبلي لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان.





شارك برأيك
بنت جبيل.. معركة استنزاف تعيد رسم قواعد الاشتباك في جنوب لبنان