أتم النزاع المسلح في السودان عامه الثالث مخلفاً وراءه جراحاً غائرة في جسد الدولة والمجتمع، حيث لا تزال آلاف العائلات تعيش مرارة الفقد والبحث المضني عن ذويها الذين انقطعت أخبارهم وسط نيران المعارك. وتشير التقارير الميدانية إلى أن الأمل في الوصول إلى تسوية سياسية قريبة يبدو ضئيلاً في ظل التصعيد العسكري المستمر.
وكشفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في أحدث بياناتها عن تسجيل أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب، مؤكدة أن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى الموثق. وأوضحت اللجنة أن العام الماضي شهد قفزة مقلقة في حالات الاختفاء القسري بنسبة تجاوزت 40%، مما يعكس انهيار الضمانات الأمنية للمدنيين.
وعلى صعيد النزوح، تسببت العمليات العسكرية في خلق أكبر أزمة تهجير قسري على مستوى العالم، حيث اضطر أكثر من 11 مليون سوداني لترك منازلهم والنزوح داخلياً. ولم تقتصر المعاناة على الداخل، بل فر نحو 4 ملايين شخص عبر الحدود إلى دول الجوار بحثاً عن ملاذ آمن يفتقدونه في وطنهم.
وفي الجانب الإنساني، يواجه السودانيون شبح المجاعة الحقيقي مع وصول عدد الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى 19 مليون شخص. وتتفاقم هذه الأزمة مع تعطل سلاسل الإمداد وتدمير الأسواق المحلية، مما جعل الحصول على لقمة العيش مهمة شبه مستحيلة في العديد من الولايات.
من جانبها، أكدت لي فونغ، ممثلة المفوض السامي لحقوق الإنسان في السودان أن جذور الصراع الحالي تمتد لسنوات طويلة من الإفلات من العقاب وغياب المساءلة القانونية. وأوضحت في تصريحات صحفية أن الانتهاكات التي نراها اليوم هي نتيجة طبيعية لعدم معالجة المظالم التاريخية التي سبقت اندلاع الحرب الحالية.
وحذرت المسؤولة الأممية من توسع رقعة القتال لتشمل مناطق جديدة كانت هادئة نسبياً، لاسيما في ولايتي كردفان والنيل الأزرق. وأشارت إلى أن استخدام التقنيات العسكرية الحديثة، وعلى رأسها الطائرات المسيرة، زاد من وتيرة الدمار وأدى إلى سقوط أعداد أكبر من الضحايا بين صفوف المدنيين العزل.
ما تشهده البلاد ليس مجرد كارثة إنسانية، بل هو نتاج لانتهاكات متواصلة للقانون الدولي وغياب تام للمساءلة.
ووثقت المكاتب الحقوقية التابعة للأمم المتحدة مقتل أكثر من 730 شخصاً خلال الربع الأول من العام الجاري 2026 فقط، وهو ما يعكس ضراوة المواجهات. ولم تسلم البنية التحتية الأساسية من الاستهداف المباشر، حيث طال القصف المستشفيات ومحطات الطاقة والمرافق الخدمية الحيوية التي يعتمد عليها السكان.
وتطرقت فونغ إلى قضية العنف الجنسي المرتبطة بالنزاع، واصفة إياها بأنها من أخطر التداعيات التي تواجه النساء والفتيات في السودان. وأكدت أن الصمت المطبق حول هذه الجرائم يعززه الخوف من الوصمة الاجتماعية، مما يحرم الضحايا من الحصول على الدعم النفسي والقانوني اللازم.
وفيما يخص التدخلات الدولية، دعت الأمم المتحدة بشكل عاجل إلى وقف تدفق الأسلحة إلى أطراف النزاع، معتبرة أن استمرار التسلح يغذي أمد الحرب ويزيد من معاناة الأبرياء. وشددت على ضرورة وجود التزامات دولية حقيقية تتجاوز مجرد الوعود الإغاثية لتصل إلى حلول سياسية جذرية.
ويبرز مؤتمر برلين المرتقب كمنصة دولية هامة لتسليط الضوء مجدداً على المأساة السودانية التي بدأت تتوارى خلف أزمات عالمية أخرى. وترى الأوساط الحقوقية أن هذا المؤتمر يجب أن يكون نقطة تحول لتوفير الدعم الإنساني العاجل والضغط على الأطراف المتحاربة للجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وختمت المسؤولة الأممية بالتشديد على أن أي حل مستدام يجب أن يشرك المجتمع المدني السوداني والقوى الحية في البلاد بشكل فعال. فبدون معالجة الأسباب العميقة للنزاع وضمان عدم تكرار الانتهاكات، سيبقى السودان يدور في حلقة مفرغة من العنف والنزوح والفقر.





شارك برأيك
ثلاث سنوات من حرب السودان: مأساة المفقودين تتفاقم ولا أفق للحل السياسي