اسرائيليات

الثّلاثاء 14 أبريل 2026 7:12 مساءً - بتوقيت القدس

صدى بودابست في تل أبيب: هل يواجه نتنياهو مصير حليفه أوربان؟

لم تمر هزيمة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الانتخابات الأخيرة كحدث أوروبي عابر في أروقة السياسة الإسرائيلية، بل ترددت أصداؤها كجرس إنذار مباشر لبنيامين نتنياهو. ويرى مراقبون أن سقوط أوربان، الذي مثل لسنوات النموذج الملهم لليمين القومي الشعبوي والحليف الأوثق لنتنياهو، يضع الأخير أمام مرآة أزماته الداخلية المتفاقمة وتآكل شعبيته المستمر.

تكمن أهمية هذه المقارنة في أن أوربان لم يكن مجرد حليف سياسي، بل كان معلماً لنهج يرى الديمقراطية مجرد أداة للحكومة المنتخبة لتجاوز حقوق الأقليات واستقلال القضاء. وقد تبنى نتنياهو في السنوات الأخيرة خطاباً مشابهاً، تجلى بوضوح في خطة 'الانقلاب القضائي' التي استهدفت تقليص صلاحيات المحكمة العليا وإضعاف الرقابة المؤسسية على السلطة التنفيذية.

تشير التحليلات المنشورة في الصحافة العبرية إلى أن أوربان نجح لفترة طويلة في بناء نظام إعلامي موجه ودمج السلطة السياسية بالمحسوبية الاقتصادية، وهو مسار يرى خصوم نتنياهو أنه يحاول استنساخه في إسرائيل. ومع ذلك، فإن السقوط المفاجئ للنموذج المجري كسر أسطورة الزعيم الذي لا يقهر، وأعطى دفعة معنوية للمعارضة الإسرائيلية التي تبحث عن ثغرة في جدار الليكود.

النقطة الأكثر إثارة للقلق في معسكر نتنياهو هي أن الهزيمة في المجر لم تأتِ على يد يسار ليبرالي تقليدي، بل قادها بيتر ماجار، وهو منشق من داخل بيئة أوربان السياسية. هذا التفصيل يكتسب أهمية كبرى في السياق الإسرائيلي، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن الشخصيات القادرة على اختراق جمهور اليمين والوسط، مثل نفتالي بينيت، هي الأكثر قدرة على تهديد عرش نتنياهو.

شددت افتتاحية صحيفة هآرتس على أن الدرس المجري يكمن في تقديم بديل أيديولوجي وعملي واضح، وليس مجرد معارضة شخص الحاكم. واعتبرت الصحيفة أن الفوز الساحق للمعارضة المجرية منع أوربان من التشكيك في النتائج، وهو ما يجب أن تتعلمه القوى السياسية في إسرائيل لضمان انتقال حقيقي للسلطة وإلغاء التغييرات الهيكلية التي أحدثها اليمين.

في المقابل، يبرز تخوف حقيقي من رد فعل نتنياهو تجاه أي خسارة محتملة، حيث يرى محللون أنه قد لا يتعامل مع الانتخابات المقبلة كعملية ديمقراطية روتينية. وبحسب مصادر صحفية، فإن القلق الوجودي الذي يعيشه نتنياهو بسبب محاكمات الفساد قد يدفعه لاتخاذ خطوات غير مسبوقة لضمان بقائه، بما في ذلك محاولة تقويض نزاهة العملية الانتخابية نفسها.

أحد السيناريوهات المطروحة يتحدث عن محاولات فعلية لإقصاء الأحزاب العربية من الساحة السياسية أو ثني ناخبيها عن التصويت عبر افتعال توترات ميدانية. وتعتبر هذه الأحزاب 'بيضة القبان' في أي خارطة سياسية مستقبلية، لذا فإن استهداف شرعيتها يمثل استراتيجية أساسية لضمان تفوق معسكر اليمين المتطرف في الكنيست القادم.

كتب المحلل عوزي بارعام بوضوح أن الدعم العلني الذي قدمه نتنياهو لنظام أوربان كشف عن رغبة دفينة في القضاء على الديمقراطية الليبرالية الإسرائيلية. وأوضح بارعام أن السيطرة على القضاء والإعلام والشرطة قد تمنح الحاكم قوة مؤقتة، لكنها لا تحميه من 'يوم الحساب' السياسي عندما تتحد المعارضة لإنقاذ مؤسسات الدولة من الانهيار.

يعيش حزب الليكود نفسه حالة من الغليان الداخلي، حيث أفرزت انتخابات المؤتمر الأخيرة شخصيات لا تدين بالولاء المطلق لنتنياهو، مما أدى إلى تفجر اتهامات بالتزوير. هذه الانقسامات الداخلية تعكس تآكل قبضة نتنياهو على حزبه، وتفتح الباب أمام احتمالات التمرد الداخلي في حال استمر تراجع الحزب في استطلاعات الرأي العام.

رغم هذه المؤشرات، تظل هناك عوائق كبيرة أمام تكرار السيناريو المجري في إسرائيل، نظراً للبيئة الأمنية المعقدة والحروب المفتوحة التي يخوضها الاحتلال. ويستخدم نتنياهو هذه التحديات الأمنية كأداة لخلق حالة من الخوف الوجودي لدى الناخبين، مما قد يساعده على تأجيل الانتخابات المقررة في أكتوبر المقبل إذا شعر أن الرياح لا تجري بما تشتهي سفنه.

المعارضة الإسرائيلية لا تزال تعاني من التشتت والتنازع على القيادة، بخلاف النموذج المجري الذي نجح في الالتفاف حول خطاب مركزي واحد في اللحظات الحاسمة. ويرى مراقبون أن غياب التنسيق بين أقطاب المعارضة، من يائير لابيد إلى بيني غانتس، يمنح نتنياهو فرصة للمناورة واللعب على التناقضات الداخلية لخصومه.

تؤكد التجربة المجرية أن هندسة المؤسسات والسيطرة على مفاصل الدولة لا تضمن البقاء الأبدي، لكنها تجعل معركة التغيير أكثر كلفة وصعوبة. وفي إسرائيل، يبدو أن المعركة القادمة لن تكون مجرد تنافس على مقاعد الكنيست، بل صراعاً على هوية النظام السياسي ومستقبل المؤسسات القضائية والرقابية التي تعرضت لضربات قاسية.

يبقى السؤال المعلق في تل أبيب هو مدى قدرة المجتمع الإسرائيلي على إفراز حركة حقيقية قادرة على كشف أبعاد التدمير الذي طال النسيج الاجتماعي والمؤسسي. فبينما يراهن البعض على 'اللحظة المجرية'، يرى آخرون أن خصوصية الوضع الإسرائيلي والارتباط الوثيق بين الأمن والسياسة قد يمنحان نتنياهو عمراً سياسياً أطول مما يتوقعه خصومه.

في نهاية المطاف، تمثل قصة أوربان ونتنياهو فصلاً في صراع عالمي بين الديمقراطية الليبرالية واليمين الشعبوي، حيث تتداخل المصالح والأساليب. وسواء سقط نتنياهو في أكتوبر القادم أو نجح في الالتفاف على الأزمة، فإن المقارنة مع المجر ستبقى حاضرة كدليل على أن التغيير ممكن حتى في أكثر الأنظمة تحصيناً بالولاءات والمحسوبية.

دلالات

شارك برأيك

صدى بودابست في تل أبيب: هل يواجه نتنياهو مصير حليفه أوربان؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.