أقلام وأراء

الإثنين 13 أبريل 2026 2:57 مساءً - بتوقيت القدس

الأحكام الشرعية لليمين الدستورية: ميثاق غليظ لا كفارة لنقضه

تعد اليمين الدستورية في جوهرها الفقهي والسياسي ميثاقاً غليظاً يربط بين الحاكم والمحكوم، وهي تختلف جذرياً عن الأيمان الفردية التي تجبر بالكفارات. إن أصل هذه اليمين مبني على الالتزام المطلق أمام الأمة، حيث لا مجال فيها للتراجع أو التحلل، بل هي عهد ومسؤولية عظمى تقع على عاتق كل من يتولى ولاية عامة.

ويستند التأصيل الشرعي لهذه المسألة إلى نصوص صريحة من سورة النحل، التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهى عن البغي والفحشاء. فالوفاء بعهد الله، الذي تمثله اليمين الدستورية، هو فرض عين على المسؤول، ونقضه يخرج الفاعل من دائرة الأمانة إلى دائرة الغضب الإلهي واللعنة، نظراً لعظم الجرم المرتكب بحق الملايين.

إن جعل الله كفيلاً في اليمين يعني أن من يقدم هذا العهد قد استشهد الخالق على صدق نواياه أمام الخلق، فإذا ما وقع الغدر، فإن الانتقام الإلهي يكون هو الجزاء العادل. وقد أوضح المفسرون أن الله يراقب الموفين بعهودهم والناقضين لها على حد سواء، مما يجعل اليمين تحذيراً بليغاً لكل ذي سلطة.

ويحذر الشرع من التلاعب بالأيمان أو اتخاذها وسيلة للخديعة والمراوغة السياسية، وهو ما وصفه القرآن بـ 'الدخل'. فاستخدام اليمين كغطاء للغدر أو لتمرير أجندات خاصة يتنافى مع مقاصد الشريعة في استقرار المجتمعات وحفظ حقوق الشعوب التي وثقت في هذا القسم.

وفي كثير من الأحيان، يكون الدافع وراء نكث اليمين هو الرغبة في الانحياز لجهة أقوى أو أكثر ثراءً، وهو ما حذرت منه الآيات الكريمة. إن التنقل بين الولاءات بناءً على المصالح المادية الزائلة يعد خيانة للميثاق، وبيعاً لعهد الله بثمن قليل لا يغني من الحق شيئاً.

إن اليمين الدستورية هي بمثابة 'الغزل' الذي ينسجه الشعب ليكون درعاً له، ومن ينقض هذا الغزل يشبه تلك التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً. هذا التشبيه القرآني يبرز مدى الحماقة والفساد المترتب على هدم العقد الاجتماعي والسياسي الذي بني بجهد وتوافق وطني.

ويعتبر الابتلاء والاختبار هو الجوهر الحقيقي وراء أداء اليمين، حيث تظهر معادن الرجال وقدرتهم على الصمود أمام الإغراءات. فاليمين هي المحك الذي يميز الصادق من الكاذب، وهي الميزان الذي توزن به أمانة المسؤولين ومدى إخلاصهم للقضايا التي أقسموا على حمايتها.

ومن أخطر التبعات المترتبة على نقض العهد الدستوري هو سقوط الشرعية وزوال الثبات، حيث تزل قدم الناكث بعد ثبوتها. ويتوعد الله من يتخذ يمينه وسيلة للصد عن سبيل الله أو تضليل الناس بسوء العذاب في الدنيا والآخرة، جزاءً وفاقاً لما اقترفه من غدر.

كما يشدد الفقهاء على ضرورة عدم الانخداع بمتاع الدنيا الزائل من مناصب ووزارات، فكل ما عند البشر ينفد وما عند الله باقٍ. والصبر على أداء الأمانة دون تبديل أو تغيير هو السبيل الوحيد لنيل الأجر الحسن، وهو واجب على كل مسؤول يواجه ضغوطاً لنكث عهده.

وبالنظر إلى حجم المسؤولية، فإن اليمين الدستورية تتعلق بحقوق شعوب بأكملها، وفي بعض الدول قد يصل العدد إلى 60 مليون نسمة أو أكثر. هذا العدد الضخم يجعل من الكذب في اليمين جريمة لا تغتفر، وهي أعظم من اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار.

إن الإمام أو المسؤول الكذاب الذي لا يفي بعهده للشعب يواجه وعيداً شديداً، حيث لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه. فالصدق في تحقيق بنود اليمين الدستورية هو جوهر الولاية، وأي إخلال بها يعد كذباً على الأمة بأكملها واستهانة بمقدراتها.

وفيما يتعلق بصحة الولاية، فإن من يمتنع عن أداء اليمين بنصها المكتوب أو يحاول تحريف كلماتها، فإنه يعلن عن نية مبيتة للغدر. وفي هذه الحالة، تسقط ولايته شرعاً ويحرم بقاؤه في منصبه، لأنه أثبت خيانته قبل أن يبدأ مهامه الرسمية.

أما من أدى اليمين ثم نكثها لاحقاً، فإن مسؤوليته تقع على عاتق ولي الأمر الذي يجب عليه عزله فوراً لحماية مصالح الأمة. فالبقاء على الخائن في منصب المسؤولية هو مشاركة في الإثم، والله هو المتكفل بالانتقام من كل من جعل الله كفيلاً ثم غدر بعباده.

ختاماً، يجب على كل متولٍ لولاية أن يدرك أن اليمين ليست مجرد بروتوكول رسمي، بل هي التزام أخلاقي وشرعي وقانوني. إن التوفيق الإلهي مرتبط بمدى الإخلاص في هذا العهد، والنجاة في الدنيا والآخرة مرهونة بالوفاء بما عاهد الله والشعب عليه.

دلالات

شارك برأيك

الأحكام الشرعية لليمين الدستورية: ميثاق غليظ لا كفارة لنقضه

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.