أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 10:27 مساءً - بتوقيت القدس

ترامب والمؤسسات الدولية: استراتيجية الصدام وإعادة صياغة الهيمنة الأمريكية

تواجه المنظمات الإقليمية والدولية في الوقت الراهن تحديات غير مسبوقة، حيث وجدت نفسها عرضة لتقلبات المزاج السياسي الأمريكي. ورغم أن هذه المؤسسات كانت تاريخياً تدور في فلك القوى الكبرى، إلا أنها لم تسلم من الاستهداف المباشر الذي طال هيكليتها ودورها الوظيفي في الساحة العالمية.

منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم، انتهج سياسة هجومية شملت دولاً ومؤسسات وأفراداً على حد سواء. ويرى مراقبون أن هذا النهج ينبع من قناعة ترامب بأن هذه المنظمات لم تعد تخدم المصالح الحيوية للولايات المتحدة، بل أصبحت عبئاً مالياً وسياسياً يستوجب التغيير أو الإلغاء.

شملت قائمة 'نيران' ترامب مؤسسات محورية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، بالإضافة إلى مجلس حقوق الإنسان واليونسكو. ولم يتوقف الأمر عند الانتقاد اللفظي، بل امتد ليشمل إجراءات عملية تمثلت في تقليص المساهمات المالية وتأخير التعيينات الإدارية الحساسة لتعطيل الفاعلية التنظيمية.

اتخذت الإدارة الأمريكية خطوات حاسمة بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية وتجميد تمويلها بالكامل في ذروة الاحتياج العالمي لها. وجاءت هذه الخطوة بالتوازي مع إنهاء المشاركة في مجلس حقوق الإنسان الأممي، بذريعة وجود انحيازات سياسية ضد واشنطن وحليفتها إسرائيل.

وفيما يخص القضية الفلسطينية، كان القرار الأبرز هو قطع التمويل نهائياً عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). هذا القرار لم يكن مجرد إجراء مالي، بل مثل محاولة لتفكيك أحد أهم الشواهد الدولية على حقوق اللاجئين الفلسطينيين التاريخية.

لم يسلم حلف شمال الأطلسي (الناتو) من هذه الضغوط، حيث لوح ترامب مراراً بالانسحاب منه ما لم ترفع الدول الأعضاء حصصها في الإنفاق العسكري. كما طالب الحلف بأدوار تتجاوز حدوده التقليدية، مثل المشاركة في العمليات العسكرية لفتح مضيق هرمز بالقوة لضمان تدفق الطاقة.

تطرح هذه السياسات تساؤلاً جوهرياً حول الرسالة التي يرغب ترامب في إيصالها للمجتمع الدولي. يحلل البعض هذه التحركات بوصفها محاولة لبناء نظام دولي جديد يتسم بـ 'الأمركة' المطلقة، حيث تُفرض شروط الهيمنة الأمريكية بشكل مباشر وبعيداً عن الدبلوماسية المتعددة الأطراف.

يعتقد مؤيدو هذا النهج أن ما يقوم به ترامب هو 'إعادة تموضع عقلاني' يهدف لحماية دافع الضرائب الأمريكي. فالمنطق السائد هنا هو أن الولايات المتحدة تحملت أعباءً اقتصادية وعسكرية هائلة لعقود طويلة دون أن تجني ثماراً سياسية تتناسب مع حجم تضحياتها.

في تصريح لافت بتاريخ 20 كانون الثاني/ يناير 2026، أكد ترامب علانية أن الأمم المتحدة لم تقدم له أي فائدة تذكر. ولوح بإمكانية استبدالها بـ 'مجلس السلام العالمي'، وهو كيان جديد يسعى لتأسيسه ليكون بديلاً للمنظومة الدولية التقليدية المتهالكة حسب وصفه.

يرتبط مقترح 'مجلس السلام العالمي' بمبادرة ترامب لإنهاء العدوان على غزة، حيث يطالب الدول بالانضمام والمساهمة مالياً بمبالغ ضخمة تصل لمليار دولار. هذا الطرح يعكس رغبة في خصخصة العمل الدولي وجعله مشروطاً بالقدرة المالية والولاء السياسي للرؤية الأمريكية الجديدة.

على المقلب الآخر، يرى محللون أن هذه السياسة قد تؤدي إلى نتائج عكسية تسرع من انحسار النفوذ الأمريكي عالمياً. فإضعاف المنظمات الدولية يفتح الباب واسعاً أمام قوى دولية صاعدة، مثل الصين وروسيا، لملء الفراغ وقيادة المؤسسات ببرامج وأجندات مغايرة.

إن تآكل الدور القيادي لواشنطن قد ينعكس سلباً على حياة المجتمع الأمريكي نفسه على المدى الطويل. فرغم القوة العسكرية الهائلة التي لا تزال تتمتع بها الولايات المتحدة، إلا أن الانقسامات الداخلية وتآكل المؤسسات يذكران بمراحل الضعف التي مرت بها الإمبراطوريات الكبرى تاريخياً.

تتزايد التوقعات بحدوث انقسامات حادة داخل المنظمات الدولية، ليس فقط بسبب السلوك الأمريكي، بل نتيجة تباين ردود أفعال الأعضاء الآخرين. فهناك دول تعبر عن تذمرها بالفعل والسلوك، بينما تكتفي دول أخرى بالصمت والانتظار على 'أرض رمادية' ترقباً لما بعد حقبة ترامب.

يبقى الرهان القادم على قدرة المنظومة الدولية على الصمود أمام هذه الهزات العنيفة في بنية العلاقات الدولية. وسيكون المستقبل كفيلاً بكشف ما إذا كانت أمريكا ستستعيد دورها التقليدي، أم أن العالم يتجه فعلياً نحو نظام متعدد الأقطاب لا تكون فيه واشنطن هي اللاعب الوحيد.

دلالات

شارك برأيك

ترامب والمؤسسات الدولية: استراتيجية الصدام وإعادة صياغة الهيمنة الأمريكية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.