رسمت صحيفة نيويورك تايمز صورة قاتمة لنتائج المواجهة العسكرية التي قادها الرئيس دونالد ترامب ضد إيران، معتبرة أنها أضعفت القوة الأمريكية العالمية وتسببت في سلسلة من الانتكاسات الاستراتيجية. وأوضحت الافتتاحية أن القرار الذي اتخذ في فبراير الماضي كان يتسم بالتهور، كونه افتقر لغطاء الكونغرس ودعم الحلفاء، واستند إلى تبريرات متناقضة عجزت عن تقديم رؤية واضحة لمستقبل المنطقة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الأسابيع التي تلت الهجوم كشفت عن غياب التخطيط العسكري الدقيق، حيث تصرف ترامب بناءً على أهوائه الشخصية متجاهلاً تحذيرات استخباراتية. ورغم تنبؤات حلفاء إقليميين بأن الهجمات ستفجر انتفاضة داخلية في طهران، إلا أن الواقع أثبت زيف هذه التقديرات، بل زاد من تماسك النظام الإيراني في مواجهة الضغوط الخارجية.
تتمثل الانتكاسة الأولى والأكثر خطورة في السيطرة الإيرانية المستجدة على الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر الذي يتدفق عبره خُمس إمدادات الطاقة العالمية. فبينما كان قادة طهران يخشون سابقاً من عواقب إغلاق المضيق، منحتهم الحرب الجرأة لتعطيل الملاحة، مما منحهم نفوذاً دبلوماسياً واقتصادياً لم يكن متاحاً لهم قبل اندلاع المواجهة.
وذكرت مصادر إعلامية أن الاستراتيجية الإيرانية في المضيق أثبتت فاعليتها بتكلفة منخفضة، حيث اعتمدت على تهديدات المسيرات والصواريخ الصغيرة لترهيب الناقلات الدولية. وفي المقابل، وجدت واشنطن نفسها عاجزة عن إعادة فتح الممر المائي دون الانخراط في عملية عسكرية برية ضخمة ومطولة، وهو خيار لا يبدو أن الإدارة الحالية تملك القدرة أو الرغبة في تنفيذه.
على الصعيد العسكري، كشفت الحرب عن استنزاف حاد في مخزونات الأسلحة الاستراتيجية الأمريكية، حيث تشير التقديرات إلى أن البنتاغون استهلك أكثر من 25% من صواريخ 'توماهوك' في هذه المواجهة وحدها. هذا النقص الحاد دفع القيادة العسكرية لسحب أنظمة دفاع صاروخي من مناطق حيوية مثل كوريا الجنوبية، مما أضعف الوجود الأمريكي في جبهات عالمية أخرى.
كما أظهرت المواجهات الميدانية فجوة تقنية مقلقة، إذ استخدمت الولايات المتحدة ذخائر ذكية بمليارات الدولارات لتدمير أهداف تقليدية، بينما نجحت طهران في شل الحركة الملاحية باستخدام تقنيات رخيصة. هذا التباين في تكلفة الحرب أثار تساؤلات جدية حول مدى جاهزية الجيش الأمريكي لمواجهة أساليب الحروب الحديثة غير المتكافئة التي تبرع فيها القوى الإقليمية.
أما الانتكاسة الثالثة فكانت في ساحة التحالفات الدولية، حيث رفضت قوى كبرى مثل اليابان وكندا ومعظم دول أوروبا الغربية الانخراط في المغامرة الأمريكية. هذا الرفض الجماعي يعكس تآكل الثقة في واشنطن كحليف يمكن الاعتماد عليه، مما دفع هذه الدول للبحث عن ترتيبات أمنية وسياسية مستقلة بعيداً عن المظلة الأمريكية التقليدية.
إن عدم مبالاة ترامب تركت الولايات المتحدة على حافة هزيمة إستراتيجية مُذلة وقوضت أسس القيادة العالمية لأمريكا.
وفي منطقة الشرق الأوسط، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، حيث تشعر دول الخليج بأن وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب بشكل مفاجئ يمثل تخلياً عن أمنها القومي. ورغم أن التهديدات الإيرانية قد تدفع بعض العواصم للتقارب مع واشنطن، إلا أن الشكوك حول حكمة القيادة الأمريكية الحالية باتت تسيطر على دوائر صنع القرار في المنطقة.
وتطرقت الصحيفة إلى تآكل 'السلطة الأخلاقية' للولايات المتحدة، خاصة بعد التهديدات التي أطلقها ترامب بمحو الحضارة الإيرانية واستهداف المدنيين. هذه التصريحات، التي وصفتها الصحيفة بأنها ترقى لجرائم حرب، تتناقض مع القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي طالما ادعت واشنطن الدفاع عنها وقيادة العالم من خلالها.
واعتبرت الافتتاحية أن نهج وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي دعا لعدم إظهار الرحمة تجاه الأعداء، يمثل تبنياً لأساليب وحشية رفضتها القوانين الدولية منذ الحرب العالمية الثانية. هذا التحول في الخطاب الرسمي الأمريكي يضعف من قدرة واشنطن على انتقاد الأنظمة السلطوية في روسيا والصين، ويجردها من ميزتها التنافسية كمنارة للحرية.
إن الفشل في تأمين اليورانيوم المخصب أو منع إيران من إعادة بناء برنامجها النووي يمثل إخفاقاً إضافياً في أهداف الحرب المعلنة. فبدلاً من تحجيم الطموحات النووية لطهران، أدت الفوضى العسكرية إلى منح الإيرانيين مبررات إضافية لتسريع وتيرة أنشطتهم وتحدي الرقابة الدولية في ظل غياب استراتيجية أمريكية متماسكة.
وترى 'نيويورك تايمز' أن الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق يتطلب بناء تحالف دولي واسع لإعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، وهو أمر يتطلب دبلوماسية هادئة. لكن طبيعة الإدارة الحالية، التي تفضل العمل المنفرد والصدامي، تجعل من بناء مثل هذا التحالف أمراً شبه مستحيل في المدى المنظور، مما يترك المصالح الأمريكية رهينة للتصعيد.
لقد أثبتت الأسابيع الستة الماضية أن الرهان على 'الحدس' في إدارة الصراعات الدولية الكبرى يؤدي إلى نتائج كارثية على النفوذ الاستراتيجي. فبينما كانت واشنطن تسعى لإظهار قوتها، انتهى بها المطاف وهي تعاني من نقص في الذخائر وتصدع في التحالفات، بينما خرجت طهران بنفوذ دبلوماسي لم تكن تحلم به قبل اندلاع الأزمة.
ختاماً، تؤكد الصحيفة أن هذه الحرب لم تكن مجرد خطأ تكتيكي، بل كانت زلزالاً هز أركان النظام الدولي الذي تقوده أمريكا منذ عقود. إن استعادة المكانة المفقودة ستتطلب سنوات من العمل الدبلوماسي الجاد وإعادة بناء الثقة مع الحلفاء، وهو ما لا يبدو ممكناً في ظل السياسات الراهنة التي تعلي من شأن التهديد على حساب الحكمة.





شارك برأيك
نيويورك تايمز: مغامرة ترامب ضد إيران قوضت القيادة الأمريكية وعززت نفوذ طهران